لم يأت ارتكاب المجزرة في قرية قلب لوزة في محافظة إدلب شمال غربي سوريا من خارج السياق، ولم يكن الهجوم على تخوم السويداء في الجنوب ومحاولة حصار الدروز هناك صدفة، أو حاجة ميدانية فقط. وليس تصريح ديمبسي حول محادثاته في إسرائيل بشأن حماية الدروز في جنوب سوريا، إلا استكمالاً لتحركات مدروسة هدفها المساس بشرعية النظام السوري لدى الأقليات. فالنظام ما زال ممسكاً بهذه الورقة ويستمد منها جزءاً مهماً من شرعيته في المواجهة الدائرة في البلاد.


المشهد الذي حاول الحلف الأميركي تظهيره سابقاً في سوريا، هو مشهد الحرب المذهبية بين الأكثرية السنية وبين الأقلية العلوية، ونجح في ذلك إلى حد بعيد، واستخدمه بمهارة خلال الفترة الماضية. اليوم يحاول هذا الحلف التقدم على جبهة جديدة، هي جبهة الأقليات. ومحاولة حصار الكتلة الأكبر للدروز في السويداء، ووضعها أمام تهديد وجودي، بهدف تحييدها ودفعها إلى الابتعاد عن النظام، ثم نقلها إلى المعسكر الآخر، ولو إعلامياً وسياسياً فقط. فيبدو النظام مرفوضاً حتى من الأقليات التي ستبدو بدورها متحالفة مع الجماعات «المعتدلة»، وتكتسب الأخيرة «شرعية وطنية» جامعة لطالما ميزت النظام عن أعدائه. وهو ما يندرج في استراتيجية التفتيت الأميركية إلى كيانات مذهبية وطائفية وعرقية.
محدودة هي بدائل وخيارات الطائفة الدرزية في مواجهة التهديد الماثل، خصوصاً بعدما ثبت تعثر خطة القتال التي اتبعها النظام وحلفاؤه في المرحلة السابقة، ولم يعد بإمكان الجميع، الدفاع عن الجميع، على امتداد الخريطة السورية. وأصبح ضرورياً استيعاب مواقف الدروز وفهم هواجسهم وإصرارهم على البقاء في مناطقهم للدفاع عنها، وتفهم رفضهم القتال في أي منطقة خارجها.
لا بد من الإعتراف بالمشهد الميداني الجديد والتماهي مع رؤية سكان كل منطقة في كيفية الدفاع عن نفسها، وتحويلها إلى عامل إيجابي في الحرب ضد الجماعات المسلحة وحلفائها.
فقد يسهم ذلك في تذليل العقبات التي تواجه محور المقاومة، وفي تبني تكتيكات واستراتيجيات متعددة، للتعامل مع مختلف البيئات وسد الثغر التي تسرب منها المناهضون لمحور المقاومة، ووضعوا الدروز أمام خيارات ثلاثة: إما القبول بمطالب النظام في إرسال أبنائهم للقتال في معارك، لا تبدو اليوم ذات جدوى بالنسبة إليهم، في مقابل دعم الجيش لهم وحمايتهم. وإما فتح مناطقهم، بإرادتهم أو عنوة، أمام جماعات التكفير. والخيار الأخير هو اللجوء إلى إسرائيل وطلب حمايتها.
في الأولى، اتخذت غالبية الدروز موقفاً نهائياً بالبقاء في مناطقها والدفاع عنها، ولم تعد المعارك في أي منطقة سورية أخرى معركتها، أمام التهديد الداهم.


إسرائيل غير معنية بالدخول المباشر على خط الأزمة السورية في المدى المنظور


في الثانية، لا يرون سوى تهديد وجودي، ونهاية لطائفتهم دينياً وثقافياً، وربما جسدياً. وهم على يقين بأن لا قيمة لأي اتفاق مع جماعات التكفير. فقد عقد دروز إدلب اتفاقاً لم يحمهم من القتل والانتهاك، فالنصرة تعتبرهم كفاراً لا عهد لهم ولا ذمة. كما لم يثبت بعد التزام هذه الجماعات باتفاق مع أي جهة قريبة أو بعيدة، بل الثابت هو العكس، هذه الجماعات، وعلى رأسها داعش والنصرة، تقتتل في ما بينها، ولا تقيم وزناً، حتى للمشتركات الدينية والعقائدية. وفي حال دخول التكفيريين إلى مناطقهم، ليس أمام الدروز سوى الذوبان في العقيدة السلفية، مع ما يعنيه ذلك من ترك مذهبهم وتزويج بناتهم «للمجاهدين» وإرسال أبنائهم للقتال في الجبهات...إلخ. وهو الاندثار بعينه.
وفيما اتخذ دروز سوريا قرار القتال (هم في معظمهم من الفلاحين، وككل فلاحي العالم يفضلون القتال في أرضهم على تركها)، يتملق الزعيم الدرزي وليد جنبلاط جبهة النصرة، ويتفادى استفزازها، ويراهن على قوى الضغط الإقليمية والدولية، لحفظ زعامته ودوره، ومنحه، في النهاية، جائزة ترضية على ربط مصيره بالرهان على إسقاط النظام السوري. جنبلاط يدرك جيداً أن العالم والإقليم غير معنيين بمصير الدروز، إلا في حدود ما يقتضيه التفكيك وإعادة رسم الخرائط. وهنا مربط الفرس الجنبلاطية. فما يقلقه ليس التقسيم، بل من سيحكم أي كيان درزي، ربما يعمل الحلف الأميركي على إنشائه في هذه المرحلة، خصوصاً أن للسيطرة عنوانين:
الأول، أن بين دروز سوريا زعامات وعائلات وقوى أكثر نفوذاً وأعمق تاريخاً وأنصع نضالاً من آل جنبلاط، وهذه قد تجعل منه زعيماً من الدرجة الثانية. وفي الثاني، هو لا يشك في أن الغلبة لمن يقاتل ويمسك بمفاصل الميدان. والقوة الدرزية المقاتلة في مواجهة التكفيريين لن تكون صديقاً له، والقوى المقررة لن تهتم بغير صاحب القرار الميداني. أما الخيار الثالث المتاح للطائفة الدرزية، فهو اللجوء إلى الحماية الإسرائيلية. وفي هذه النقطة يصر جُلُ الدروز على انتمائهم العربي السوري، وعلى وقوفهم مع الجيش والدولة السورية. لكن السؤال هو إلى متى يستمر هذا الموقف؟ وهل يستطيعون الصمود أمام مخاطر التقسيم الذي يلوح في الأفق؟ وهل بإمكانهم مقاومة إغراء إقامة «دولة» درزية؟ علماً أنهم رفضوا الهوية «الإسرائيلية»، كما أن الفرنسيين عرضوا عليهم «دولة» إبان احتلال سوريا، لكنهم رفضوا، وقاوموا الاحتلال حينها.
في غياب خطة لمحور المقاومة، تتضمن بوضوح حماية هذه الطائفة من الخطر الذي يهدد كيانها السياسي والديني والاجتماعي، وحفظ وجودها الإنساني، فإن الحماية الاسرائيلية والانخراط في المشروع الأميركي، ربما يصبحان البديل الوحيد. وهنا ينبغي الانتباه إلى لا واقعية ولا عقلانية استبعاد هذه الإمكانية، فأمام التهديد الوجودي يصبح أهون الشرور خياراً مثالياً، خصوصاً أن تجربة الطائفة الإيزيدية ماثلة وطرية في أذهان الدروز.
يرمي الإسرائيلي إلى تحقيق هدفين مباشرين في سوريا اليوم، هما حزام أمني «غير معادٍ» يعزل كيانهم عن بقية الأراضي السورية، وتحقيق حلم تقسيمها إلى دويلات طائفية وعرقية ومذهبية، وهذان هدفان أميركيان أيضاً، لن يشكلا هاجساً درزياً، في لحظة الاختيار بين البقاء والفناء، المادي والمعنوي.
إسرائيل غير معنية بالدخول المباشر على خط الأزمة السورية، على الأقل في المدى المنظور، فأعداؤها يكفونها باقتتالهم مؤونة بذل الدماء والأموال. وهي معنية بالهدوء على جبهة الجولان، في هذه المرحلة. كما أن الإسرائيليين ليسوا في وارد افتعال مواجهة مع جبهة النصرة، وغير معنيين بخوض حرب دفاعاً عن الدروز. لكنهم في المقابل لا يحتملون مجزرة ضدهم تفضي إلى انفلات الوضع الأمني عند الحدود فتنهار، ويتدفق دروز الجولان إلى الجزء المحتل من الهضبة، أو يخرج دروز فلسطين باتجاه الجولان. وفي الحالتين ستجد إسرائيل نفسها أمام مشكلة تتعارض مع مقاربتها لما يجري في سوريا. فما يحكم تصرفات الجيش الإسرائيلي هو المصلحة العليا التي تقضي بعدم «الغرق في المستنقع السوري». ومع ذلك يبقى الحل الإسرئيلي الأميركي للأزمة، هو جيب درزي، تحميانه باستخدام نفوذهما لدى جبهة النصرة وداعميها وحلفائها، وتمنعان تعرض سكانه لمجزرة، قد تطيح بأي محاولة مستقبلية لإقامة كيان درزي خاضع «للحماية» الإسرائيلية.
محور المقاومة قادر على الحؤول دون أخذ الدروز إلى موقع معادٍ. ولكن ذلك يقتضي إعادة النظر في معايير تحديد الصديق والعدو، ومقاربة «حيادهم» بحساسية أعلى تبقيه في خانة الحياد الإيجابي. وفي حالة الدروز، هو «حياد في الجغرافيا» فقط، حياد ينبغي دعمه وإعادة تجنيد 27 ألف شاب درزي متخلف عن الخدمة العسكرية، في المعركة ضد «النصرة» وضد أعداء محور المقاومة، دفاعاً عن مناطق الطائفة، وإبقاء قراها وبلداتها احتياطياً جغرافياً ولوجستياً، لا يحتاج إلا لدعم جوي ومدفعي من الجيش، وربما من دون مشاركة برية مباشرة. وهذا قد يساعد محور المقاومة في تعزيز جبهات أخرى، فتشكيلات الجيش الخاصة، التي تتنقل بين الجبهات، لا تمتلك القدرة على الانتشار الواسع، وهي تمثل نسبة ضئيلة من القوات السورية، فيما تبقى قدرة الحلفاء على التعويض العددي والميداني محدودة. في الخلاصة، يبدو أن الاستراتيجية السابقة التي قامت على أساس التفوق الكمي والنوعي للجيش السوري وحلفائه والتظافر الوطني، انتهت ولم تعد صالحة لمواجهة التطورات الجديدة.
* صحافي لبناني