شرعت إسرائيل في مطلع هذا الشهر بتركيب منظومة جديدة من الكاميرات الذكية في البلدة القديمة في القدس. مراقبة إسرائيل لفلسطينيين ليست بجديدة أو محصورة بالمدينة المقدّسة بل تأتي كجزء من مشروعها الاستعماري القديم الجديد. مراقبة إسرائيل للفلسطينيين سياسة قديمة بدأت قبل النكبة، ولكن أدوات المراقبة استحدثت مع الوقت.


وتضاف تلك الكاميرات الذكية إلى المنظومة الإسرائيلية الأخرى للمراقبة التي يخضع لها الفلسطينيون لدى استخدامهم وسائل الاتصال والخدمات المحوسبة الأخرى. في الجهة المقابلة يقف «قانون الجرائم الإلكترونية الفلسطيني» عقبة أمام حرية التفكير والتعبير لدى الفلسطينيين، حيث تزج السلطة بالناشطين والصحافيين في السجن بحجة انتهاك قانون الجرائم الالكترونية. وفي الحالتين تحول تلك العقبات دون تحقيق وممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في التعبير عن رأيه على الشبكة العنكبوتية.

هيمنة أمنية الكترونية

يستخدم الأمن الإسرائيلي برنامجاً يراقب حسابات الشباب الفلسطينيين من خلال البحث عن كلمات مفتاحية مثل الشهيد أو الدولة الصهيونية أو القدس أو المسجد الأقصى. أو صوراً لفلسطينيين قتلتهم إسرائيل أو سجناء لدى الاحتلال. تقوم إسرائيل بتتبع تلك الحسابات الإلكترونية واعتقال أصحابها على أساس توقعات استخباراتية أمنية باحتمال ارتكاب فعل العنف أو «التحريض على العنف» وليس على أساس أي فعل أو التخطيط للقيام بفعل. تستخدم إسرائيل لتحقيق تلك الغاية مصطلح «التحريض» للنيل من الناشطين ضد السياسات والممارسات الإسرائيلية. وعادةً ما تساهم «شعبية» وقوة تأثير المستهدف بالاعتقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي في توجيه تهمة التحريض له. كما تعمل على اختراق حسابات الناشطين على «فايسبوك» لجمع معلومات عنهم بغرض استخدامها كوسيلة ضغط وأداة ابتزاز.
ساهم تطور إسرائيل في الصناعات التكنولوجية العسكرية والأمنية الإلكترونية في تسهيل مراقبة الفلسطينيين رقمياً. تملك إسرائيل دوراً فاعلاً ومؤثراً في حوالى 27 شركة متخصصة في المراقبة. علاوةً على ذلك، تجاوزت صادراتها في مجال تكنولوجيا المراقبة والأمن الإلكتروني، مثل المراقبة الهاتفية والمراقبة على الإنترنت، صادراتها من المعدات العسكرية وعززت مكانتها في صناعة أنظمة المراقبة.
ساعدت هذه الصناعات إسرائيل في تسويق هذه التكنولوجيات للأنظمة الاستبدادية والقمعية في كولومبيا وكازاخستان والمكسيك وجنوب السودان والإمارات العربية المتحدة وأوزبكستان ودول أخرى.
تستعين إسرائيل لإدامة احتلالها الاستعماري في فلسطين بالوحدة 8200، وهي وحدة استخباراتية مسؤولة عن قيادة الحرب الإلكترونية في الجيش الإسرائيلي. تعمل هذه الوحدة في حرية في ظلّ غياب القيود القانونية والأخلاقية. يعود السبب في اقتحام الحياة الخاصة للفلسطينيين على هذا النحو إلى أن البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التي تستخدمها شركات الاتصالات والإنترنت الفلسطينية تحتلها إسرائيل وتسيطر عليها بالكامل.

الاحتلال الكتروني

كثَّفت المخابرات العسكرية الإسرائيلية منذ عام 2015 مراقبَتها لحسابات الفلسطينيين حيث اعتقلت حتى منذ ما يقارب السنتين نحو 800 فلسطيني بسبب تعليقاتهم وآرائهم التي نشروها على وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتحديد على شبكة «فايسبوك». ينحاز هذا الموقع لإسرائيل بشكل سافر ويصنف الصهاينة «كمجموعة محمية عالمياً»، ويعمل بجهد على إزالة كلّ محتوى يهاجمهم. ولكن في الجهة المقابلة، يفرضَ رقابة على الناشطين والصحافيين في مناطق متنازع عليها مثل فلسطين وكشمير وشبه جزيرة القرم والصحراء الغربية. ووفقاً لتقارير إعلامية، راجع موقع «فايسبوك» تعريف الإرهاب وأدخل فيه استخدام العنف المتعمد بواسطة المنظمات غير الحكومية «لتحقيق هدفٍ سياسي أو ديني أو أيديولوجي»، ومع ذلك لا يزال التعريف يسمح بمعاقبة مقاومة الاحتلال والاضطهاد، ولا يشمل إرهاب الدولة وعنف الدولة الذي تمارسه إسرائيل على الفلسطينيين.
في عام 2016 ادّعت إسرائيل أنها أبرمت اتفاقاً مع «فايسبوك» ينصّ على تشكيل فرقٍ لرصد المحتوى «التحريضي» وإزالته، ولكن مدير السياسات في «فايسبوك»، سايمون ميلنر، نفى وجودَ أيّ اتفاقٍ خاص بين الموقع وإسرائيل. غير أن تقريراً صدر مؤخراً من مركز «عدالة» كشف أن مكتب النائب العام الإسرائيلي يدير وحدةً إلكترونية منذ النصف الثاني من عام 2015 بالتعاون مع «فايسبوك» و«تويتر» لإزالة المحتوى المنشور على الإنترنت. وتفتخر تلك الوحدة في تقرير صدر عام 2016 بأنها تعاملت مع 2241 حالة، وأزالت المحتوى في 1554 منها.
بالرغم من أن «فايسبوك» ينفي تمييزه بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إلا أن مستخدمي «فايسبوك» الفلسطينيين يروون قصةً مختلفة. فبُعيد اجتماع بين وفد من «فايسبوك» وممثلين من الحكومة الإسرائيلية في أيلول /سبتمبر 2016، مثلاً، وثَّق الناشطون الفلسطينيون حالات عُلِّقت فيها حسابات شخصية على «فايسبوك» تعود لصحافيين فلسطينيين ومؤسسات إعلامية فلسطينية. وقد أُغلقت حسابات أربعة محررين من وكالة شهاب الفلسطينية للأنباء وثلاثة صحافيين من شبكة قدس الإخبارية. وبعد احتجاجات وحملات على الإنترنت مثل FBCensorsPalestine وFacebookCensorsPalestine، اعتذرت إدارة «فايسبوك» عن تعليق الحسابات، مدعيةً أنها كانت بالخطأ.

تجريم حرية التعبير

تشارك السلطة الفلسطينية على طريقتها بقمع الآراء السياسية أو أي انتقادات تعارِض القيادة السياسية الفلسطينية. وفي حين أن المراقبةَ الرقمية الإسرائيلية المتفوقة تعتبِر كلَّ فلسطيني مشتبهاً به وهدفاً، تستخدم السلطة الفلسطينية المعلومات المنشورة علناً لاستهداف المعارضين السياسيين عبر قانون الجرائم الإلكترونية الذي صدر مؤخراً، والذي يفرض قيوداً على حرية الفلسطينيين في التعبير عن أنفسهم على المنصّات الاجتماعية الرقمية.
تتذرع السلطة في إصدارها لهذا القانون الجديد بالحاجة إليه لمحاربة جرائم الإنترنت مثل الابتزاز الجنسي والاحتيال المالي وانتحال الشخصية وذلك للتغطية على الهدف المركزي لإصداره. فاستخدام عبارات مبهمة في طي النص من قبيل «السلم الأهلي» و«الآداب العامة» و«الأمن القومي» و«النظام العام» يؤشر إلى مأرب آخر يقف وراء إصدار مثل هذا القانون. وتكمن تلك المآرب في «تشريع» فرض الرقابة على المعلومات المنشورة بغرض استهداف المعارضين لسياسة السلطة واستخدام نصوصهم كأدلة تدينهم، وبشكل ينتهك حقهم ويقمع حريتهم في التعبير على الإنترنت ويلجم النقد السياسي الذي يصدر عنهم. كما يُعرِّض هذا القانون الفلسطينيين مستخدمي الإنترنت، ولا سيما الناشطين والصحافيين، للملاحقة القضائية من السلطة الفلسطينية التي يمكن أن تفسِّر المصطلحات كما يحلو لها.
تجلّت غاية القانون الجديد في أول قضيتين تم توجيه التهم إلى «مرتكبيها» تحت المادة 20 التي نصّت على العقاب بالحبس والغرامة المالية لمَن ينشأ أو يدير موقعاً إلكترونياً بقصد نشر أخبار من شأنها تعريض سلامة الدولة، أو نظامها العام، أو أمنها الداخلي أو الخارجي للخطر.
استثمرت السلطة هذا القانون فوراً وبعد إقراره في صراعها الداخلي مع «حماس». وعلى خلفية الانتماء لحركة «حماس»، بادرت السلطة إلى اعتقال ستة صحافيين فلسطينيين، تحت تهمة «تهديد أمن الدولة بالخطر» يعملون في وسائل إعلامية في الضفة الغربية على علاقة وطيدة بـ«حماس». وفي قضية أخرى، اعتقل جهازُ الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية عيسى عمرو، وهو مدافع بارز عن حقوق الإنسان الفلسطيني، وناشطين سياسيين سلميين من الخليل على خلفية تعليقهم على موقع «فايسبوك» احتجاجاً على اعتقال السلطة الفلسطينية لأحد الصحافيين.
في كلتي القضيتين خالف هذا القانون الجديد قوانين حماية الخصوصية وحرية التعبير لجهة منحه صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية بمراقبة البيانات الخاصة بأنشطة الفلسطينيين على الإنترنت في الأرض الفلسطينية المحتلة وجمع المعلومات وتخزينها، وتحويلها لجهات إنفاذ القانون بناء على طلبها. وفي سياق متعلق، يتجاوز إنفاذ القانون الحدود القضائية للمناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، ويسمح بمحاكمة الفلسطينيين القاطنين في الخارج. وهذا ما يشكل خطراً حقيقياً على الناشطين السياسيين الفلسطينيين المقيمين في الخارج ويمتلكون تأثيراً واسعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي في فلسطين.

النضال من أجل الحقوق الرقمية

تعتبر الحقوق الرقمية جزءاً من مصفوفة حقوق الإنسان، ومفهوماً جديداً نسبياً في الأرض الفلسطينية المحتلة. يُشكل انتهاك حقوق الفلسطينيين الرقمية عبئاً آخر على كاهل الشعب الفلسطيني المحتل يُفترض به مقاومته إلى جانب مقاومته للوجود الاحتلالي العسكري الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية. الحرب الرقمية التي تشن على الفلسطينيين من جهتين تتطلب من المجتمع المدني والإعلام الفلسطيني بلورة استراتيجيات تقوم بفضح ممارساتِ إسرائيل غير الأخلاقية في مراقبة الفلسطينيين وقمعها، وبناء تحالفات مع المنظمات الدولية المعنية بحماية الحقوق الرقمية للضغط على شركات وسائل التواصل الاجتماعي والحكومة الإسرائيلية لوقف انتهاكاتها. أما على جبهة السلطة الفلسطينية يجب على المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية الضغط لتعديل هذا القانون الذي يطلق لجام السلطة التنفيذية في تكميم الأفواه وحجب الحق في التعبير. يجدر بالسلطة الفلسطينية أن تتطلع إلى حماية شعبها من إسرائيل التي تعتقلهم وتحاكمهم بتهم التحريض والإرهاب التي لا أساس لها. فحماية الأفراد، ولا سيما الصحافيين والناشطين، والحفاظ على خصوصية معلوماتهم يجب أن تكون من أولويات السلطة وينطبق هذا بوجه خاص في سياقات الاحتلال التي يسيطر فيها المحتل على البنية التحتية للاتصالات ويملك إمكانيات هائلة لممارسة المراقبة.
(تستند هذه المقالة إلى ورقة سياساتية نشرت في موقع «الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية» تحت عنوان «مراقبة الفلسطينيين والنضال من أجل الحقوق الرقمية»)
*محلل سياساتي في «الشبكة»، والمدير التنفيذي لجمعية «حملة - المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي»