في منطق الرياضيّات السياسيّة لا يُمكِن حساب الربح والخسارة بلغة الأرقام؛ لذا فإنَّ سنوات طويلة مرّت، ودبلوماسيّة الصوت العالي ترتفع في المحافل الإقليميّة، والدوليّة رغم عقلانيّة اللاعبين، وساعات عديدة يشتدُّ فيها الصراع على تطبيق مُعادَلة صراع الأرض الثالثة بعيداً عن حسابات دبلوماسيّة النفط التي حاولت أن تفرض مُركـَّبها لتغيير المُعادَلة عبر الضغط باتجاه شُيُوع روح المُباراة الصِفريّة في المُفاوَضات بين الطرفين.


وهو مبدأ تصفه أدبيّات العلاقات الدوليّة بأنه «مُفاوَضات المروحة الضاربة في الرمل التي تُعطيك غباراً، ولا تُعطيك تهوية» بعد أن استصعب الجميع إيجاد حلِّ «لوغارتمات» خريطة الشرق الساخن. وكأنَّ التفاوض كان بين مدرستين وضعهما المفاوض الفلسطينيّ صائب عريقات في كتابه «عناصر التفاوض بين علي بن أبي طالب، وروجر فيشر». لم يكن منطق المُباراة الصِفريّة اليوم في حسابات المُفاوِض الإيراني والأميركيّ، ويُدرك كلا الفريقين أنَّ أمّتيهما بحاجة ماسّة إلى هذا الاتفاق؛ ومن ثم سعت الدبلوماسيّة الإيرانية إلى فرض نفسها عبر دبلوماسيّة الخطوة ــ خطوة، وإن كان منطق التفاؤل صعباً، ومُستعصَباً؛ بسبب طبيعة أوضاع المنطقة.
ولكن رُبّما سوف يُشكـِّل عالم ما بعد تموز عهداً جديداً، وإن كان يحتاج إلى أشواط أخرى، مع حبات الرمل التي بدأت تتساقط في ساعة المُراهَنات، وإن لم يمِل رهان السياسة نحو يوتوبيا (عمانوئيل كانت) في السلام العالميِّ، لكنَّ ساعات الولادة المُتعسِّرة بيد مِشرطي الدكتور محمد جواد ظريف وجون كيري، ومن خلفهما الرئيس باراك أوباما القادم من كتابه «جرأة أمل» The Audacity of Hope، والشيخ الرئيس روحاني بشعاره الانتخابيِّ «التدبير والأمل» (دولت تدبير واميد)، وهما يشتركان بمُفرَدة الأمل لعله الأمل في منطقة التشاؤم.
بمنطق الواقعيّة، والبراغماتيّة السياسيّة، وبلغة المصلحة الواضحة سيكسب الجميع دفء شمس هذا الاتفاق عدا بعض الأطراف التي ترى نفسها أنها ستكون خارج حسابات المنطقة، أو هي التي ترى نفسها بمعيار الصحافيِّ الأميركيّ Thomas Friedman الذي يراه أقرب إلى زلزال جيوسياسيّ، وسيكون لتأثيرات أيِّ اتفاق دوليٍّ مع إيران أثره في المنطقة أكثر من وقع اتفاقيّة كامب ديفيد، وحدث الثورة الإيرانيّة ذاتها عام 1979. أمّا بالنسبة لإيران فهي لم تعُد بحاجة إلى هذا الاتفاق لإثبات وجودها بقدر ما أبرزه المُفاعِل الإيرانيّ خلال تلك المُفاوَضات من قدرة دبلوماسيّة، وقوة ناعمة عبَّر عنها لاحقاً بالمُرُونة البطوليّة في إدارة ملفِّ العلاقات الدوليّة.
المُهمُّ عراقيّاً أنَّ بغداد كانت تنظر إلى نظيرتها طهران بعين الداعم لمثل هذا الاتفاق، بل أحياناً المُشارك في الدفع بهذا الاتفاق، وهذا ما تؤكّده بعض الوثائق المُهمّة التي كشفت حرص الدبلوماسيّة العراقيّة، وبعض أطراف الحكومة على تشجيع الجانب الأوروبيّ، والأميركيّ على الاستمرار في هذا التفاوض خُصُوصاً سفراء الاتحاد الأوروبيّ، وصولاً إلى اتفاق؛ لذا ستصبح بغداد من أبرز الفائزين بهذا الاتفاق الذي يُمثّل بمقاييس الواقعيّة مصلحة استراتيجيّة مُهمّة على الصُعُد المُختلِفة، منها:
ــ تمثّل إيران رقعة الشطرنج الأساسيّة في المنطقة؛ ومن ثم فإنَّ تحقيق الاتفاق سيمنح المنطقة حالة من الهدوء، والاستقرار النسبيِّ في منطقة تعيش على نيران مُشتعِلة وسط جفاف، وجفاء دبلوماسيٍّ مُستمِرّ.
ــ إنَّ أيَّ حالة استقرار في المنطقة سوف تخلق جوّاً مُناسِباً لتوجيه كلِّ القدرات باتجاه الحرب على داعش، وتوحيد ساحة الحرب باتجاه العدوّ؛ إذ إنَّ العراق اليوم يُقاتِل داعش بالنيابة عن دول العالم، ويرى من مقياس المصلحة أن يشترك الجميع معه.
ــ سوف ينعكس ذلك الاتفاق على السياسة الإقليميّة في المنطقة، ويُساهِم في حالة فكِّ الاختناق الإقليميِّ تجاه التعامُل مع دول المنطقة، وتحديداً الجوار العراقيّ.
ــ سوف تنتقل المنطقة من اقتصاديّات الحرب إلى اقتصاديّات السلام، ولا سيَّما مع عودة إيران إلى السوق النفطيّة، إذاً ستفرض إيران مُتغيِّرات مُهمّة في سياسة النفط العالميّة، وفي أسواق التصدير. دخول إيران في المُعادَلة سوف يُنهي مقولة: السوق النفطيّة السعوديّة المُسيطِرة على الإنتاج النفطيِّ؛ ومن ثم مُعالجة أزمات هُبُوط أسعار النفط بشكل غير أحاديٍّ يعمل على إغراق السوق العالميّة بالنفط، حتى وإن انخفضت أسعار النفط بضخِّ إيران نفطها فإنَّ ذلك سوف يكون بشكل قصير المدى.
ــ سيكون الاتفاق الشامل بين الجانبين بوّابة لتفاهُمات إقليميّة، ودوليّة أخرى لتجنيب المنطقة التوتر والأزمات؛ من أجل التوصُّل إلى حلٍّ دبلوماسيٍّ سلميٍّ يُرضي جميع الأطراف.


إنَّ أيَّ حالة استقرار ستخلق
جوّاً مناسباً لتوجيه القدرات باتجاه
الحرب على «داعش»

ــ إنَّ وجود علاقات طبيعيّة، ومُفيدة بين العراق وإيران من جهة، وبين العراق والغرب من جهة أخرى يُشجِّع جهات صنع القرار على التفاهم المُشترَك، كما سيُؤكد هذا الاتفاق حقَّ الدول في الاستخدام السلميِّ للطاقة النوويّة على وفق ما أقرَّته مُعاهَدة عدم الانتشار النوويِّ NPT.
ــ إنَّ أيَّ اتفاق بين الجانبين سوف يُساعِد في إجراء حوار مُماثِل في ملفات، مثل: الموضوع السوريّ الذي يُشكّل أبرز تهديد أمنيٍّ للعراق والمنطقة، ونقطة تجميع التنظيمات الإرهابيّة.
ــ يُشكل العمق الاستراتيجيُّ للعراق دولة نوويّة، فإيران باتت بموجبه قوة إقليميّة نوويّة باعتراف مُذيَّل بتوقيع الخمسة الكبار. وما يجمع بين العراق وإيران العديد من المُشترَكات؛ فطول الحُدُود يبلغ 1458 كم، علاوة على المُشترَكات الاقتصاديّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة، والدينيّة، وسيفتح الآفاق التجاريّة بعد رفع العقوبات.
ــ إيران باتت دولة إقليميّة كبرى يصعب تجاوزها، وعدم أخذ مصالحها في الحسبان في أيِّ ترتيبات إقليميّة مُستقبَليّة، وفي مُجمَل أزمات المنطقة، وإعادة هندسة المنطقة على وفق توازنات جديدة تضمن عدم انزلاق الأمور إلى حُرُوب كبيرة، ويخلق هذا الموضوع نزعة Power of Balance في طبيعة العلاقة بين أقطاب المنطقة، وبذلك يجد مُعادِلاً نوعيّاً في التحدِّي الشيعيّ – السنيّ، والعراق جزء مُرتكز في هذه السياسة.
ــ الانتصار سيمنح الجمهوريّين ضربة أخرى بعد أن خسروا معركتهم في واقعتين، هما: زواج المثليّين، ومُشكِلة اللاجئين غير الشرعيِّين.
ومواقف الجمهوريِّين السابقة معروفة، ومنها: من مُحاوَلة إصدار مشروع قانون يُعامِل الكرد بشكل مُباشِر بعيداً عن بغداد، والذي أجهض مُؤخَّراً، وكذا قانون ميزانيّة الدفاع الوطنيِّ الأميركيّ.
خُلاصة القول: يجب أن يتفق الجميع في رُكوب قطار التسوية السياسيّة، ومُواجَهة الخطر المُشترَك، والوقوف مع الجبهة العالميّة لمكافحة الإرهاب، ومُعالجة الاحتباس السياسيِّ قبل الانفجار الكبير.
* مدير مركز بلادي للدراسات
والأبحاث الاستراتيجيّة ــ العراق