حسين درخشان ايرانيّ يحمل الجنسية الكندية، كان من الشباب الذين أطلقوا موجة المدوّنات السياسية في ايران في بدايات القرن الحالي، ثم نال لاحقاً حكماً طويلاً بالسجن (زار درخشان دولة اسرائيل ودعا لفتح قنوات تواصل بين الشباب الايراني والصهيوني) قضى منه ما يقارب الست سنوات في "ايفين" قبل أن يخرج منذ أشهر.


بعيداً عن جرم درخشان وماضيه القضائي، فإنّ انقطاعه عن العالم الخارجي لسنوات قد أعطاه ميزة هامة في الكتابة عن الانترنت. ست سنوات هي فترة معتبرة بمقاييس حياة الأفراد والمدن، ولكن، بمعايير الانترنت، فان هذا انقطاعٌ يشبه نومة أهل الكهف، كما يقول درخشان عن نفسه: تنام وانت في عالم، وتصحو في عصرٍ جديد.
حين دخل درخشان السجن، عام 2008، كانت المدوّنات تهيمن على الانترنت، والنقاش السياسي وتغطية الأحداث تجري أساساً عبرها؛ وعبر "منتديات" وغرف أحاديث، اختفت كلّها تقريباً أثناء غياب الكاتب، واستبدلتها موجة التواصل الاجتماعي، من "فايسبوك" الى "تويتر" و"انستغرام" وغيرها.
عالم المدونات، يقول درخشان، كان عالماً لامركزياً يقوم على فلسفة الـ "هايبرتكست" والـ "هايبرلنك". بمعنى أن هناك العديد من المدونات المتخصصة، ومن يرد أن يتعلم عن مجال معين ويتابعه (السياسة في ايران، مثلاً) عليه أن يختار أحد هذه المواقع و، بفضل الـ "هايبرتكست"، فإن النّصّ سيأخذه الى نصوص ومدونات ومقالات أخرى، تتداخل وتتشابك، ويجري على كلّ منها نقاشات وتفاعلات مختلفة. كنت تجد أناساً مجهولين يكتبون نصوصاً سياسية بارعة، وجمهوراً كبيراً يعلّق ويتفاعل مع الأحداث وآراء المدونين، ويقرأ من معه ومن ضده.
اليوم، يستقي الناس معلوماتهم من مواقع "مغلقة"، كالفايسبوك، تعادي "الهايبرلنك" وأكثرها يمنع استعماله من الأساس. هذه المواقع والتطبيقات لا تريد مشاركة موادٍ من خارجها، بل ترمي لأن تقرأ النص عليها، وتشاهد الفيديو عليها، وتتفاعل ضمنها حصراً. جرّب درخشان، الذي كان يلقّب بـ "أبو المدونات" في ايران، أن يكتب على الفايسبوك كما كان يفعل على مدونته الشهيرة، فحصل على ثلاثة "لايكات".
هذه المواقع، يقول درخشان، هي كلها نتاج فلسفة غيّرت الانترنت بعمق ابتداءً من عام 2009، اسمها "التيار" (The Stream). الفايسبوك والانستغرام والتويتر كلها واجهات لنظرية "التيار"، التي راهنت على أن بنية عرض المعلومات في الانترنت ستنتقل من المدونات والمواقع المتخصصة والشخصية الى برامج آلية تعتمد على خوارزميات، تختار وتعرض عليك (من دون تدخل بشري) سيلاً متواصلاً من المعلومات والمقالات والـ "بوستات" التي انتخبها الكمبيوتر.
مواقع "التواصل"، التي تملكها شركات كبرى، تبني "التيار" وترتب ما يعرض فيه على أساس معيارين: الجدّة والشعبية (بما يشبه، بحسب درخشان، عبادة الاعلام للنجوم الصغار في السن). مبدأ التفضيلات و"اللايكات" هو نظام "تغذية استرجاعية" حتى تقرّر البرامج الحسابية أي مواد ستعرض وأيّاً سيتمّ تجاهلها واخفاؤها عن المشتركين؛ وأي مواد تناسب ذوقك الشخصي ــــ يذكر درخشان دراسة تقول إن الفايسبوك، بعد 150 لايك، يعرفك أفضل من أهلك، وبعد 300 لايك، فهو يعرفك أكثر من زوجك.
هيمنة "التيار" على الانترنت أوصلت الى نتيجتين أساسيتين: أوّلاً، أن البنية "اللامركزية" للانترنت قد انقضت، ومعها الكثير من الامكانات "الديمقراطية" للشبكة ودور الأفراد فيها. الكثير من الناس الذين يدخلون الفايسبوك وغيره، عبر تطبيقات على هواتفهم، لا يشعرون أصلاً انهم يستعملون البنية التحتية للانترنت، يذكرنا الكاتب. ثانياً، تتحول الانترنت من نموذج يشبه "الكتاب" (بمعنى أن القارىء عليه أن يبذل جهداً وبحثاً أولياً للوصول الى المعلومة) الى ما يشبه التلفزيون، حيث المستخدم يتلقّى ــــ بشكل سلبي ــــ ما يعرضه عليه "التيار" وخوارزمياته.
يتحسّر الناشط الايراني على صعود هذا النموذج الذي، رغم مشاركة أعداد هائلة من الناس فيه، الا انّه لا يوفّر الفعالية السياسية التي كانت للانترنت في عصر المدونات. لم يعد هناك "مدونون" خطرون تسجنهم الأنظمة بسبب تأثيرهم على الرأي العام، بل أن الحكومة الايرانية مثلاً ــــ يقول الكاتب ــــ لم تعد تهتم باقفال العديد من هذه المواقع، التي تركّز على التسلية والصور والفيديو وأخبار المشاهير.
الا أن هناك نقطة أساسية لم يتنبّه اليها درخشان في تحليله، وقد تكون هي المحرّك الأساسي لـ "الانترنت الجديدة": المال، ومداخيل الدعاية، هي منطق "التيار" والمواقع والتطبيقات التي تعتمده. حين انتشر التلفزيون في المنازل قبل أكثر من نصف قرن، شكّل تجربة جماعية مشتركة تفاعل معها ملايين الناس وغيرت أنماط حياتهم. الا انّه، مع صعود ثلاثي الانترنت ومواقع التواصل والهواتف الذكية، فقد صارت تجربة الانترنت أكثر اغراقاً للأفراد بما لا يقاس. "التيار" يصلك وانت في السيارة، وفي المكتب، وعلى المائدة، وفي كل لحظة من حياتك. والفايسبوك وغيره لا يهدفون لتسميرك أمام الشاشة، لساعات كل يوم، لأنهم يريدون تعليمك وتثقيفك؛ بل، وهنا المحزن في الأمر، لأن اقتصاديات الانترنت ــــ ببساطة ــــ تختلف عن اقتصاديات الصحف والتلفزيون.
عائد الاعلان الالكتروني هو أقل بكثير من عوائد مثيله التلفزيوني أو المطبوع. لا يكفي أن يشاهد "المستهلك" بضعة اعلانات قصيرة حتى يصير "مربحاً" للشركة ومالكيها، بل يجب أن تمرّ عليه مئات الاعلانات الالكترونية يوميا. بتعبير آخر، فان الشركات المالكة لفايسبوك وتويتر لن تتمكن من الاستمرار، وتحصيل مليارات الدولارات، الا اذا جعلتنا نقبع جماعياً على مواقعها جلّ يومنا، مشدودين بلا ارادة، كالدمى، نشاهد التوافه التي تعرضها علينا.