في غمرة احتفالات الأمة الإسلامية بولادة نبيها العظيم وأسبوع وحدتها، التي تتزامن مع الانتصارات العسكرية الاستراتيجية التي حققتها القوات المسلحة وفصائل الحشد والمقاومة ضد الوجود الإرهابي الداعشي في العراق وسوريا، أرى لزاماً مخاطبة نخبة الأمة وعلمائها ومفكريها ومثقفيها ورموزها الاجتماعية وجماعاتها السياسية، بكل مذاهبهم وطوائفهم وشرائحهم، لأنهم خيرُ من يمثل الأمة.


وما الزخم النخبوي والجماهيري الواعي المتصاعد الذي نتلمسه في معظم مياديننا العربية والإسلامية، إلّا دليل على أن الأمة الإسلامية ستبقى يقظة ضد الإرهاب وجماعاته وضد التآمر ومحوره، وأن أملَها كبيرٌ بغدٍ إسلامي حضاري مشرق. ولا أشك في أن تفعيل ما يُطرَح في هذه المرحلة من أفكار ورؤى وقرارات، سيساهم في معالجة التحديات التي تقف في طريق إعادة بناء الأمة حضارياً، وعصرنة فكرها، وتحديث بناها العلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وأرى أن عملية التحديث الحضاري الإسلامي في أبعادها المختلفة تقف على قاعدتين:
القاعدة الأولى: قاعدة تأصيل الموروث الإسلامي العقدي والكلامي والفقهي؛ بالعودة إلى الأصول الإسلامية عودةً علميةً تعي متطلبات الواقع والمستقبل، وتستجيب لكل التحديات والمعوقات المتراكمة، وتستند إلى أدوات الاجتهاد الجديد. وفي هذا العمل المصيري الكبير تتجسد عملية التأصيل من جهة، والاحتكام إلى القراءة الموضوعية الجديدة للقرآن الكريم والصحيح من السنة الشريفة من جهة أخرى، وعملية تجديد أدوات وعي الأصول والتراث من جهة ثالثة، وصولاً إلى إنتاجٍ عقدي وكلامي وفقهي جديد مؤصّلٍ وعصري ومستشرفٍ للمستقبل في آن واحد.
ولكي نضمن سلامة هذا الناتج من محاولات التحريف والانفلات والتطرف والتشويه؛ ينبغي إغلاق الباب أمام أدعياء العلم والدخلاء والعملاء وأصحاب الأهواء والمتحجرين، واستقطاب علماء الشريعة العدول، والمفكرين الملتزمين، والباحثين الكفوئين، الذين يتميزون بالتخصص العالي في علوم الشريعة ونظريتها الشاملة من جهة، ويعون الحاضر والمستقبل وعياً عميقاً من جهة أخرى، لأن هذا العمل على مستوى رفيع من التخصص العلمي، والحساسية التي تستلزم التقوى والعدالة والاستقامة والنزاهة في المتخصص، ولصيق بحاجات الأمة. ومن أهم حاجات الأمة المصيرية في كل عصر ومكان، تقارب مذاهبها ووحدة أبنائها.
القاعدة الثانية: استثمار العلوم المدنية والفنون بأحدث نظرياتها وأفكارها ومناهجها وأدواتها، ولاسيما في مجالات التعليم والبحث العلمي والقانون والسياسة والاجتماع والتربية والإعلام والسينما والموسيقى والاقتصاد والتنمية البشرية والصناعة والتكنولوجيا والطب والكيمياء والفيزياء وغيرها، وبما لا يتعارض مع نظرية الشريعة ومقاصدها. ومن المهم في عملية الاستثمار العلمي المنهجي أن تكون عملية إبداعية ومنتِجة، وليست تقليدية واستهلاكية، لأن الاستمرار في نقل المنتَج العلمي واستهلاكه لن تنتج منه نهضة علمية حضارية حقيقية.
ومن خلال تكامل القاعدتين المذكورتين، عبر التشاور والتفاعل المباشر والتكامل بين شريحتي علماء الشريعة واختصاصيِّي العلوم المدنية، يمكن التأسيس لنظرية إسلامية حضارية مؤصلة وعصرية شاملة، من شأنها تحديث البنى النُظُمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتبليغية والإعلامية والفنية لحياتنا، بما يتفق مع ديننا الحنيف وشريعته السمحاء، وبما ينسجم مع التطور البشري. وهذه النظرية كفيلة بتقارب مذاهبنا الإسلامية وتوحيد مواقفنا، لأن من شأن تطبيقها تسطيح كثيرٍ من الخلافات العقدية والفقهية والتاريخية، والفوارق الاجتماعية، وعناصر التخلف الاقتصادي والعلمي والتنكولوجي؛ بل ستحوِّل الخلاف المذهبي إلى قوةٍ وتنوعٍ ومنعة، لا إلى فُرقة وضعف واحتراب.
وينبغي هنا وضع ضغوطات الواقع وتحدياته وصعوباته نصب أعيننا، لأنها تقف ــ عادةً ــ عقبةً كأداء أمام تحويل النظرية إلى مشروع، وتحويل المشروع إلى واقع قائم. لذلك، إن الأولوية هي لمعالجة التحديات ورفع العقبات التي تحول من دون تحقيق طموحات نخبة الأمة في تطبيق مشروع التحديث الحضاري الإسلامي؛ وصولاً إلى هدف وحدة المسلمين.
وأعتقد أن من أهم التحديات والعقبات التي تواجه عملية التحديث الحضاري الإسلامي ووحدة الأمة، هو تحدي الأفكار المتطرفة والمنحرفة التي تنسب نفسها إلى الإسلام زوراً، وفي مقدمها الفكر التكفيري الطائفي، ولا سيما أن خطورة هذا الفكر تبقى متعاظمة، بسبب ما يترشح عنه من سلوكيات ونُظُم عملية تساهم في تمزيق الأمة وتشويه صورة الإسلام، وهو ما نراه متجسداً اليوم في نُظُم سياسيةٍ تتبنى الفكر التكفيري بشقيه القتالي وغير القتالي، بدعوى هدم الأفكار المنحرفة، وهي كلمة حق يراد بها باطل وزيف، لأن خلفية هذه الدعوى تستند إلى تنظير استكباري غربي عميق، يعمل على تمزيق الأمة وتأليب مذاهبها وطوائفها ومجتمعاتها بعضها على الآخر، وضرب أية محاولة للنهوض الإسلامي. أي إن الفكر التكفيري الإرهابي ليس مجرد فكرٍ أو نظريةٍ أو مشروع، بل إنه عقيدةٌ وفقهٌ، ومنظومة أيديولوجية فاعلة، وسلوكٌ عمره الحديث ما يقرب من ثلاثة قرون.
ومصداق هذه المنظومة بكل تفاصيلها؛ أنظمة حكم في منطقتنا تصادر ثروات بلدانها لمصلحة تحويل خطاب الكراهية والفكر التكفيري وسلوكياته الإرهابية إلى أسلحة عسكرية وسياسية وإعلامية فتاكة تحارب بها المذاهب الإسلامية الأخرى، وتضرب البلدان المسلمة التي تختلف معه عقدياً ومذهبياً وسياسياً، وتقتل الشعوب التي ترفض أفكارها ودعاياتها وتدخلاتها. وفي هذه الحرب الشاملة تبذل هذه الأنظمة كل جهودها لإلصاق معتقداتها وسلوكياتها بالإسلام، لتقدم للعالم أبشع صورة للإسلام وأكثرها همجية وتخلفاً.
وحين نتأمل في الخطاب الديني والسياسي والإعلامي التحريضي لهذه الأنظمة ومشايخها الرسميين ومدارسها الشرعية والمدنية ووسائل إعلامها، الذي تحشد من خلاله لقتل العراقيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين والبحرانيين والمصريين، سنة وشيعة، سنجده خطاباً يستند إلى إلغاء من يختلف معها في مجمل المفاهيم والمعتقدات الدينية والمصالح السياسية، وفي الرؤية التاريخية، الأمر الذي يخوّلها بالتدخل السافر في شؤون الدول العربية والإسلامية، وصولاً الى إعلان الحرب على بعضها. وها هي اليوم تعلن أنواع الحروب على سوريا ولبنان وإيران والعراق واليمن، وتفتك بالأبرياء وتقتل الأطفال، وتقصف الأسواق والمدارس والمنشآت الخدمية، وتدمر البنى التحتية لبعض هذه البلدان، وتحاصرها إنسانياً، فضلاً عن حروبها الاقتصادية والسياسية التي تشنها على بلدان عربية وإسلامية أخرى، في الوقت الذي باتت على مشارف الإعلان الرسمي عن تحالفاتها الاستخبارية والعسكرية والسياسية مع الكيان الصهيوني لضرب دولٍ عربية وإسلامية.
ولطالما قلنا إن المعركة العسكرية مع منتجات العقيدة التكفيرية والإيديولوجية الطائفية وخطاب الكراهية، كتنظيمات القاعدة والنصرة وداعش وغيرها، هي قضية وقت فقط، طال أو قصر، وستنتهي هذه المنتجات يوماً، ليجري إنتاج نسخٍ جديدة أخرى تشابهها في الفكر والسلوك وتختلف عنها في الاسم فقط، كما حدث بالأمس من القاعدة وطالبان، واليوم مع داعش، وغداً مع النصرة وبوكو حرام وحركة الشباب وجيش الصحابة، لأن هذه المنتجات يجري استئصالها عسكرياً وأمنياً، بينما تبقى مصانع إنتاجها وأدواتها قائمة وتعمل بكل طاقتها. وهنا تكمن المشكلة الأساس.
وقد كنا نؤكد باستمرار أهمية المعركة الفكرية مع مخلوقات العقيدة التكفيرية والإيديولوجية الطائفية وخطاب الكراهية والإلغاء، إلّا أن المواجهة الفكرية المحضة مع هذه المخلوقات ليست مواجهة منتِجة أو مجدية وحدها، لأن المعتقدات والإيديولوجيات الهدامة المذكورة لا توجد في الكتب والمدارس الدينية والمدنية ووسائل الدعاية والإعلام والجماعات المسلحة وحسب، بل هناك دول بكل ثرواتها ومؤسساتها الرسمية وغير الرسمية، الدينية والإعلامية والسياسية، تتبناها وتدعمها وتحولها إلى سلوكياتِ قتلٍ وعدوانٍ وتفرقةٍ وتخريب. وبالتالي، هل تجدي المواجهة الفكرية والثقافية وحدها مع الفكر التكفيري والإيديولوجية الطائفية وسلوكيات الكراهية، في ظل وجود مصانع رسمية كبيرة تنتجها بصورة منتظمة وممنهجة، كما تنتج جماعاتها وأتباعها؟! وهل تنفع المواجهة الفكرية والثقافية مع التكفير والطائفية والإرهاب، في ظل وجود أنظمة سياسية تستند في شرعيتها وشرعية حكّامها إلى هذا الخطاب العدواني وسلوكياته، وتضعه معياراً في رؤيتها للداخل والخارج!؟
صحيحٌ أن هدف الوحدة الإسلامية القائمة على مشروع التحديث الحضاري الإسلامي لا يمرّ إلّا عبر بوابة القضاء على خطاب الكراهية والعقائد والمنظومات التكفيرية والطائفية والانحرافية والتخديرية والمتخلفة، في أي مذهب وطائفة كانت، ولكن سيكون القضاء على هذه الأفكار والعقائد مهمةً شبه مستحيلة، مهما امتلك المسلمون الواعون من قوة الحجة العلمية والفكرية ووسائل الإعلام المؤثرة، لطالما كانت هناك دول تنتج هذه الأفكار والمعتقدات والسلوكيات. وعليه، إن محاصرة هذه الدول سياسياً وإعلامياً، وإجبارها على تفكيك مفاعلاتها التكفيرية والطائفية، وطمر سياساتها الانتقامية والإلغائية، ومنعها من التدخل في شؤون البلدان العربية والإسلامية، له الأولوية في مشروع الوحدة الإسلامية الحضارية الحديثة.
وأود بهذه المناسبة التحذير بشدة من مخططات ممنهجة، مصحوبة بتدخلات منظمة وأموال كبيرة تقف وراءها هذه الأنظمة، بدأت تعمل بفاعلية في الساحة العراقية، بهدف تغيير خريطتها السياسية وضرب وحدتها المجتمعية واستقرارها الأمني النسبي، تحضيراً للانتخابات البرلمانية العراقية القادمة. ولذلك إن معظم ما يتعرض له المشروع العراقي الوطني الممانع من تآمر سياسي وتشوية دعائي، تقف وراءه أنظمة التكفير والإرهاب والتطرف والطائفية التي لا تريد الخير للأمة عموماً والعراق خصوصاً.
* الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية