سرق النخبوي الرديء إبراهيم عيسى فكرة عنوان نجيب محفوظ من روايته الممنوعة «يوم قتل الزعيم» عندما كتب كتابه «يوم مقتل الرجل الكبير». كلاهما يسردان واقعتان عن مقتل زعيمين، إحداهما واقعة بالفعل حصلت حين اغتيل السادات ولذلك مُنعت رواية محفوظ التي تتحدث عن الاغتيال بصورة لا تمتدح السادات وتحكي أنه لم يُرثَ إلا من قبل القوى الإمبريالية ومن حرصوا على تقويض مصر من خلال كامب ديفيد: أميركا وإسرائيل، والأخرى محض أمنية بالنسبة لإبراهيم عيسى في تخيّله مقتل حسني مبارك.


لم ولن تعود عقارب الساعة، ولن يقوم عيسى بكتاب رواية عن ليلة منع الرجل الكبير، أحمد شفيق، من مغادرة الإمارات إلى مصر كي ينافس عبد الفتاح السيسي في انتخابات رئاسية، حتى وإن كان تم «ترحيل» شفيق على متن طائرة خاصة ثم وصوله لصالة كبار الزوار في مطار القاهرة.
وبذلك ينضم شفيق إلى الحريري في قوائم المسؤولين الذين يمنعون من قبل الكفيل الخليجي من مغادرة البلاد ويبقون رهن الاعتقال والإقامة الجبرية. في حالة الحريري يكون هذا الكفيل السعودية وأما في حالة شفيق فيكون الإمارات بعد أن سلمته لمصر. المفارقة بين إبراهيم عيسى الماضي وإبراهيم عيسى الحاضر تكمن ليست فقط في تحوله من روائي يبحر في عالم الأدب كي يقدم نقداً سياسياً خبيثاً لم يكن قادراً على أن يعبّر عنه علناً، بل أنه بكونه مسموحاً له الكلام الآن في عهد السيسي وفي يده جريدة مصرية وبرنامج إعلامي سابقاً، تم رسم له الحدود التي يقدر أن يتكلم فيها، مثلما كان الأمر بخصوص شفيق حين نافس محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية عام ٢٠١٢. كلاهما قبل أن يلعب دوراً، وفي قبولهما ذلك العرض تم تقويضهما، فلم يعد إبراهيم عيسى قادر أن يتمرد على اليد التي تطعمه بعد أن أصبح له جريدة، ولكن هل يقدر شفيق أن يقلب الموازين؟ وهل يطالبان الشعب المصري بمن يرأف بهم ويشفق عليهم؟
فاليوم نرى شفيق جديد مثل أن هناك إبراهيم عيسى جديداً. هذا الشفيق الجديد يحاول يكسر الحاجز المرسوم له وتخطى حدوده، وبهذا يقوم بشق أحد آخر صفوف الاصطفاف الذي بناها عبد الفتاح السيسي بتغيير ولائه، فلم يعد باقياً للسيسي أي مِن مَن بدأوا معه رحلته. رحل عنه رئيس الأركان صهره الذي يقال إنه رهن الإقامة الجبرية، ورحل عنه أحمد شفيق أيضاً يوم ما أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية المزمع إقامتها بعد بضعة أشهر. ليست صدفة أن يخرج أيضاً مبارك عن صمته يوم ترشح شفيق ببيان شديد اللهجة رافضاً أن يفرّط بأرض سيناء من أجل توطين فلسطينيين بعد أن نادت وزيرة إسرائيلية بتوطين الفلسطينيين في سيناء في ذات الفترة التي تنظر المحاكم المصرية دعوى بخصوص منع التوطين بعد بداية تهجير مصريين من رفح على الحدود المصرية مع غزة.
صدفة بحت أيضاً أن مقيم هذه الدعوى وصاحب البصيرة هو المحامي خالد علي، أحد أوائل من أعلنوا ترشحهم للانتخابات الرئاسية كمنافس وخصم للسيسي بعد أن استنزع من المحاكم حكماً قضائياً ضد بيع جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. صدفة أيضاً أن خروج شفيق عن صمته جاء أثناء قضية الجزيرتين ليقول ليس هكذا تُدار الأمور وأن لا بد لاستفتاء للتنازل عن أراضٍ مصرية، محاولاً طرح نفسه لا جنرال من حكومة مبارك لكن معارض قوي وطني لا يفرّط عن أراضيه.
لكن يبقى السؤال، إذا كان الحريري هرب من قبضة ابن سلمان بفضل واصي لبنان، فرنسا، فمَن يتدخل لإنقاذ شفيق من المقر السري لإقامته الجبرية في القاهرة؟ وإذا بالفعل حدث في ليلة ما أن نجح الرجل الكبير في الهروب من قبضة الإماراتيين، حتى وإن كان «مُرحلاً»، فماذا سيحل له في القاهرة: قضية قضائية تمنعه من الترشح مثلما أصبح لخالد علي قضية؟ هل بمنافسته للسيسي تدخل مصر إلى حقبة المربع الذهبي مثلما حدث في العراق حين قام ضباط الجيش بتكوين تنظيم شيوعي لضرب الإنغليز لكن خرج من هذا التنظيم القيادات البعثية التي انقلبت على نفسها وحصل تنازع بين الضباط؟ الصورة لم تعد مطمئنة خاصاً بعد إعلان عقيد مغمور اسمه محمد قنصوة الترشح للانتخابات الرئاسية أيضاً - وبزيه الرسمي مثلما فعل السيسي حين أعلن ترشحه بالبزة العسكرية، لكي يتم التحقيق معه من قبل المدعي العام العسكري واصدار قرار بحبسه على ذمة التحقيق.
ليست المسألة في الارتباك على الساحة بين كل المرشحين، على العكس هناك شيء من الوضوح في الرؤية. غرض ترشح محمد قنصوة هو فقط تذكير السيسي أن ما يحل لك يحل لغيره، ولم تكن الظروف الاستثنائية في عام صعودك للحكم بعد تحايل طويل تبيح لك تمثيل المؤسسة العسكرية بالكامل التي بادت تتكبد خسائر شعبية فاضحة، وأن الجيش المصري نفسه يدفع ضريبة باهظة بتصرفاتك. أما ترشح أحمد شفيق وبيان مبارك عن عدم تفريطه بأراضي سيناء فإن الرسالة في الحقيقة أوضح... لم نعد نحن النخبة العسكرية مستعدين للقرارات المرحلة المقبلة وأن أي صفقات مع إسرائيل بتبادل أراضٍ لم ولن تنال موافقتنا.
ولعل هذا هو الدرس التاريخي المنسي. لم تُمنع رواية محفوظ لأنها تطاولت على السادات بل لأنها ذكرت حقيقة مكبوتة في الكتب: مقتل أنور السادات على يد خالد الإسلامبولي كان لتماديه في التطبيع مع إسرائيل وأميركا لم يكن من نزعة دينية فحسب، بل كان تعبيراً عن غليان داخل الجيش. ربما هذا الغليان هو الذي حرّك إبراهيم عيسى لكتابة «يوم مقتل الرجل الكبير» في حالة مبارك، وترشّح شفيق ما هو إلا إشارة مباشرة إلى غليان جديد ضد السيسي.
قطعاً إبراهيم عيسى ليس مثل نجيب محفوظ، وإن كان هناك شيء تنبأ به محفوظ وأصبح أمرٌ «خالد»، فهو أن بين هذا الصراع العسكري الذي لا يخص ولن يفيد أغلب المصريين، فهو كناية عن موت شخصية «حلمي» في رواية «الكرنك»، ذلك الشاب الصغير الطموح المحبوب الذي بموته تنقلب الرواية التي تتحسر عليه حبيبته قرنفلة. وإن كان هناك شيء يذكرنا بموت «حلمي» اليوم، أو شخص ما في هذه الرواية الرخيصة التي بدأت في الإمارات وعادت للقاهرة، لعله هو أن حبيبة «حلمي» التي تدعى «خلود» لم تعد تأبه مثلما كانت في الماضي، فلا عودة «لحلمي» بعد مقتله. ضعيفة وهزيلة في سنها المتأخر، أصبحت «خلود» بعد مقتل «حلمي» في حالة صعبة لأنها عرفت أن لا «شفقة» لها في هذا الصراع المسرحي الذي لا يتمتع بأدنى معايير «سواسية»... فالجميع يعلم أنه كابوس.
* كاتب عربي