(الزمن الأول)


كتب توني كليفتون، الصحافي البريطاني والمراسل الحربي لمجلة «نيوزويك» الأميركية، في كتابه «بكى الله» (God Cried)، الذي نشرته «دار كوارتيت» البريطانية للنشر عام 1983: «إن عدد الذين نُحِروا بالفؤوس والسكاكين تجاوز الألف نسمة»، وأضاف: «إن الأمر الذي هز أعماقي وأثار شجوني كان مشاهدة أحدهم مطروحاً على الأرض، وآثار الحروق تغطي كل جسده، ليتَّضِحَ بعد ذلك أنهم قد صبَّوا البنزين عليه قبل إحراقه وتحوله إلى كتلة من الفحم».

لم يكن كليفتون، بالطبع، يصف «داعش» الذي نحر رقاب الآلاف كالشياه، ولا بحرقهم أحياء كما فعل مع معاذ الكساسبة وعزام عيد، وإنما كان يصف ما قامت به مليشيات حزب «الكتائب اللبنانية»، في صبرا وشاتيلا، انتقاماً لاغتيال بشير الجميِّل من قِبَل الحزب السوري القومي الاجتماعي، بيد حبيب الشرتوني، وبتخطيط من المسؤول الأمني في الحزب نبيل العلم، وهما مسيحيان مارونيان، كما يروق للبعض توصيفهما.
بالمقياس الليبرالي الإنسانوي، في أشد عياراته، لا يمكن وصف عملية الاغتيال، التي تم تنفيذها بعبوة ناسفة تزن خمسين كيلوغراماً من المتفجرات، زُرِعَت في الطابق الذي يعلو «بيت الكتائب» في الأشرفية، ويتم التحكم بها عن بُعد، وأدَّت إلى مقتل الجميّل بعد بدء خطابه بعشر دقائق، مع 26 سياسياً كتائبياً آخرين، وتمزيق أشلائهم، إلا بالجريمة البشعة والمُدانة؛ ولكن، لم يكن ممكناً أبداً، في ذلك الزمن، وحتى على أرضية التخندق (العقلاني) مع قوى المقاومة، أن يتم توصيف ما حدث بأنه رعونة سياسية، وحماقة كبرى، ستُحَرِّض على المزيد من الاشتعال، ولو من باب أن عملية الاغتيال جاءت في خضم حرب طاحنة بين الأطراف المتناقضة في تخندقاتها السياسية إزاء الصراع مع القوى الدولية الإمبريالية، محلياً وإقليمياً ودولياً، وعلى إثر اجتياح قوات العدو للبلاد، وحصار واحتلال بيروت، من أجل القضاء على المقاومة، وطرد قوى الثورة الفلسطينية، وهو الهدف المُعلَن من قِبَل كيان العدو الإسرائيلي.


قرار واشنطن بسحب
حراسة الجميل مؤشر تاريخي على قيمة
العملاء عند مشغليهم

بالتحليل الماركسي اللينيني، كان اغتيال بشير، آنذاك، نتاجاً ثورياً لا مناص منه؛ ولم تكن المبادئ الثلاثة الأولى للحزب السوري القومي الاجتماعي، الرجعية في تقوقعها الإقليمي، والتي تعتبر أن «سورية للسوريين، وأن السوريين أمة تامة، وأن القضية السورية هي قضية الأمة السورية والوطن السوري، وأنها بذلك قضية قومية قائمة بنفسها مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية أخرى»، تُشَكل عائقاً مبدئياً أمام اعتبار هذا الاغتيال عملاً بطولياً بالمفهوم الأخلاقي، وضرورياً بالقراءة العلمية السياسية، كما لم تلعب الطائفة الدينية التي ينتمي لها مُنَفِّذا العملية دوراً في إثارة أية زوبعة سياسية أو إعلامية ضمن صفوف المنتمين لخندق المواجهة؛ لم يحدث ذلك، ليس لأن الحزب كان يحمل مشروعاً اجتماعياً تقدمياً من خلال طروحاته الليبرالية العَلمانية الرومانسية إن صح التوصيف، وإنما لأن الزوبعة الوحيدة التي كانت قد فرضت قوانينها على الوعي العربي آنذاك، هي زوبعة الكفاح المسلح، بغض النظر عن كونها زوبعة القوميين السوريين، أو الشيوعيين، أو الاشتراكيين، أو القوميين العرب، أو مقاتلي الثورة الفلسطينية بكافة أطيافهم، أو حتى التيارات الدينية المقاومة للعدو.
إن وضوح العدو، كان بحد ذاته، عاملاً أساسياً آخر في وضوح التعاطي مع الحدث؛ فبعد لقاءاته مع مناحيم بيغن وإسحق شامير وآرييل شارون ورفائيل إيتان وأوري ساغي وغيرهم، في نهاريا وبكفيا، والاتفاق على الاجتياح الإسرائيلي لطرد قوات الثورة الفلسطينية وشن حرب على قواعد الجيش السوري من أجل «تحرير لبنان»، حسب توصيفه، وتأمين الأرضية السياسية اللبنانية من أجل توقيع اتفاق سلام مع العدو، كان بشير الجميل يُوَقِّع بيَدِهِ على قرار إعدامه؛ ليس رغبة منه بذلك بالطبع، وإنما كضرورة ثورية تاريخية لا بد من حدوثها، لأن غضّ الطرف عن ذلك كان سيعني، بعد ما تراكَمَ من تضحيات، إدخال لبنان في غياهب «كامب ديفيد» جديدة، وهو ما حاولت القوى والتيارات التصفوية آنذاك إكماله في سياق مشروع تصفوي، عند توقيع اتفاق 17 أيار/ مايو 1983 الخياني بمقاييس زمن الكفاح المسلح. أبرز من تصدّى لذلك الاتفاق كان حركة «أمل» (الشيعية)، التي وصفته على لسان رئيسها بأنه: «اتفاق الذل والعار، وقد وُلِدَ ميتا»، والتي ساهمت وبقية قوى المواجهة في إسقاطه.
من الجدير بالذكر، وحسب ما أوردته صحيفة «ذي تايمز» البريطانية بتاريخ 30 آب/ أغسطس 1982، أن شارون ذاته، كان قد أجاب على سؤال الصحافية الإيطالية المتكرر عن سبب تراجعه إزاء ما وَعَدَ به بشير الجميل بتحرير لبنان من الوجودين السوري والفلسطيني، بما مفاده أن البيت الأبيض حَذَّرَ تل أبيب من التمادي في ضرب السوريين، لأن موسكو هدَّدَت بالتدخل العسكري، فأمَرَهُ بيغن بوقف الغارات وسحب قواته المشتبكة مع الوجود السوري. لم يكن ذلك منفصلاً، بالطبع، عن قرار واشنطن بسحب الحراسة التي كانت قد وفَّرَتها للرئيس بشير الجميل تماماً قبيل اغتياله، كمؤشر سياسي على أن التضحية به كانت خياراً مفضلاً على مواجهة عسكرية كبرى وخسائر سياسية ممكنة الحدوث، وكمؤشر تاريخي على قيمة العملاء عند مشغليهم.

(الزمن الثاني)

لا يمكن بقفزة زمنية واحدة إيجاز الكم الهائل من المتغيرات والتعقيدات التي طالت أوجه وأدوات الصراع، ذاته، على مستوى القوى الدولية، والأنظمة والتيارات والتحالفات في الساحة العربية، وعلى مستوى الوعي به وفهمه، سواء من قِبَل النخب أو الجماهير في الشارع العربي. إنَّ طرحاً من قبيل أن «عدو الأمس بات حليف اليوم» يلاقي تجسيداً متنامياً له في المجريات السياسية التي نعيشها في العالم، وليس فقط في منطقتنا، منذ سقوط الاتحاد السوفياتي قبل ثلاثة عقود تقريباً. وقد يفرض هذا الأمر ضرورة القراءة المتأنية والفهم الدقيق لما تتضمنه الأحداث الكبرى والمنعطفات، سواء التكتيكية أو الاستراتيجية، من أبعاد ودلالات؛ لأن المواقف لا يمكن أن تكون معزولة عن طبيعة تلك القراءة وعمق ذلك الفهم.
لقد برز نجم علي عبد الله الصالح في زمن كان قد أَتَمَّ ولادته بمخاض عسير، لتشكيل مفاهيم مشوهة وضبابية عن معان أخلاقية كالصمود والمواجهة، أو الانتهازية والخيانة؛ ولم تقتصر تلك المفاهيم العرجاء في تأثيرها، واستحكامها من الوعي العربي، على اليمن، بل أمسكته بين فكيها من خليجه إلى محيطه، وخصوصاً، بعد حالة الفرز والاستقطاب الشديدين التي شرخت المجتمعات العربية، نُخَبَاً وجماهير، عمودياً، وِفقَ معايير ترتبط بإرث ثقافي واجتماعي ثقيل من العلاقات القرابية، عشائرياً وطائفياً. لكن، وفي التحليل الأخير، لم تتخلَّ تلك المعايير عن طبيعتها التاريخية كتعبير عن مجمل المصالح والمكتسبات التي يراد تحقيقها.
الحوثيون، أحفاد الإمامة الرجعية في زمن مضى، أو حركة «أنصار الله»، كما يطلقون على أنفسهم منذ تأسيسهم عام 1992، لم يدَّعوا يوماً، أنهم يحملون، في أدبياتهم وخطاباتهم السياسية، مشروعاً تقدمياً شاملاً بالمعنى الماركسي، لكنهم، وبسبب واقع التهميش المتعمد الذي مارسه صالح عبر أكثر من 30 سنة من حكمه للبلاد، حملوا السلاح، واكتسبوا وعياً متقدماً في فهم طبيعة الصراع في المنطقة، وفهم ارتباطات صالح، ومن بعده عبد ربه منصور هادي، مع النظام السعودي. وليس أدلّ على ذلك الوعي المتقدّم من مضمون ما يطلقون عليه اسم «شعار الصرخة»: «الموت لأميركا، الموت لإسرائيل..»، ذلك الشعار الذي دفعت الحركة إثباتاً لإيمانها بضرورته آلاف الشهداء المقاتلين، وحشدت به مئات الآلاف من اليمنيين القابضين على السلاح، في الوقت الذي كان هادي فيه مرتمياً على عتبات قصور آل سعود، وصالح يحيك تحالفاته البهلوانية في العلن تارة، وفي الخفاء تارات، بينما يتعرض اليمن لأعنف عدوان همجي رجعي مدعوم من الإمبريالية الناهبة على مدار سنوات ثلاث وحتى اليوم.
لقد نسج صالح تحالفه مع الحركة، تحت عنوان صد الهجمة على اليمن، على قاعدة كسب المزيد من الوقت، والمراهنة على تغيير الرؤى التكتيكية السياسية للقوى المشاركة في العدوان نحوه، سواء في أبو ظبي أو الرياض، واقتناص الفرصة المناسبة للانقضاض على حليف الداخل وقلب الطاولة وتسليم زمام القرار السياسي لولي النعمة السعودي، وذلك كله على إثر الإطاحة به في همروجة الربيع العربي. ولم يكن ذلك الواقع الانتهازي خفياً على الحركة، لكن الأخيرة كانت تمسك دائماً بخيوط اللعبة السياسية والعسكرية في الداخل اليمني بقدر إمساكها بصمود اليمن في مواجهة العدوان. ومنذ محاولاته الأولى لخلخلة الوضع الأمني في البلاد، وحتى استقدام الأموال والأسلحة وتدريب المقاتلين من دول العدوان إلى إعلانه في خطابه الأخير عن نيته بالتفاوض من أجل إيقاف العدوان وسحق الحركة: «إن ساعة الصفر قادمة على صعيد المعارك في صنعاء [...] كان لا بد من إنقاذ البلاد من حماقة جماعة الحوثي»، كانت الحركة تدرك أن صالح ينطق بقرار إعدامه، وهنا نكرر، ليس رغبة منه بذلك بالطبع، وإنما كضرورة ثورية تاريخية لا بد من حدوثها، وكمؤشر تاريخي، يتأكد على الدوام، على قيمة العملاء عند مشغليهم؛ لأن غض الطرف عن ذلك كان سيعني، بعد ما تراكَمَ من تضحيات، إدخال اليمن في غياهب اتفاق عار وذل، سيرزح تحته لعقود طويلة قادمة، عدا عن كونه بمثابة طعنة في خاصرة قوى المقاومة في المنطقة اليوم.
قد لا يكون من السهل التمييز، اليوم، بين حالة تقدمية وأخرى رجعية بذات الأحكام التي تنتمي لزمن مضى، ولا تنتمي لزمن ضبابي كالذي نعيش فيه، وقد يكون التوصيف الأكثر دقة للخندقين هو الخندق المقاوم والخندق الانتهازي. فالتقدمية حالة ثورية علمية شاملة على جميع الأصعدة الثقافية الاجتماعية والاقتصادية السياسية، ولا يمكن إفراغها من مضمونها الضروري في الاشتراكية العلمية، بينما تمثل الرجعية الحالة النقيضة للتقدمية، الحالة المضادة، والتي تدخل صراعاتها معها على ذات الأصعدة؛ بمعنى أن المقاومة لا تفترض حالة تقدمية بالضرورة، ولكن الانتهازية صفة ملازمة للرجعية. قد يكون السبب في الخلط عوامل عدة أهمها مدى الانحدار على مستوى القوى اليسارية التقدمية الثورية والتغلغل العميق للانتهازية في صفوفها، وفي المقابل، نشوء الضرورة لحالة مقاومة بديلة، حتى ولم تحمل المضمون التقدمي. هذا لا ينتقص من قيمة قوى المقاومة في المنطقة، بل يفرض ضرورات توحيد الصفوف بين تلك القوى، وخلق حالة تقدمية ثورية حقيقية تشكل رافعة نحو مشروع تحرري قومي تقدمي شامل.
وبغض النظر عن احتمال قصف طائرات تحالف العدوان لموكبه الهارب، تضحيةً منها به لأن خيار تصفيته أفضل من خيار الإمساك به من قِبَل الحوثيين وتعريته أمام الشارع اليمني مما سيفقد التحالف ورقة تبدو لها رابحة في تحريك الشارع ضد الحركة، أو أن «حبيباً شرتونياً» يمنياً، نفَّذَ به حكماً ثورياً بالإعدام الميداني، وبغض النظر عن عدم وضوح العدو في زمن صالح، إلا أن خيانته تلك لعبت دوراً حاسماً في جعل إعدامه حتمية تاريخية ضرورية بمقاييس زمن الكفاح المسلح.
* كاتب سوري