ثمة طُرفة متوارثة تُشبِّه نظام «المخزن» في المغرب بـ«معمل سكر»، ليس فقط لأن أحد أكبر معامل السكر في المغرب كان جزءاً من «الهولدينغ الملكي» (أكبر تجمع شركات مغربية) قبل أن يتم بيعه بعد أحداث «الربيع العربي» في إطار خطة لإبعاد «البزنس الملكي» عن المنتوجات الاستهلاكية الأساسية، وإنما للتشبيه ما بين عمليات التصنيع والتدوير التي تقوم بها معامل السكر لإنتاج هذه المادة الأساسية، وما يقوم به النظام في عمليات صناعة وتحجيم وقص وتقطيع وتدوير الأحزاب هذه المكون الأساسي لكل عملية سياسية.


تُشَبِّه الطُرفة الحياة السياسية المغربية بحقل شمندر شاسع أغلب إنتاجه (أي الأحزاب والهيئات المدنية) تنتهي في معمل السكر (أي جهاز المخزن) الذي يُصنِّعه على أشكال مختلفة حسب احتياجات السوق (المجتمع)، على شكل مكعبات وقوالب مختلفة الأحجام والألوان أو فقط على شكل دقيق صافي البياض وسهل الاستعمال، وكل هذه المنتوجات باختلاف أحجامها وألوانها تنتهي بالذوبان في «البراد» المغربي (طاحونة السلطة) أي إبريق الشاي التقليدي المغربي.
وداخل هذا «البراد» تم تذويب أغلب الأحزاب السياسية المغربية بما فيها الأكثر معارضة وتشدداً، وذلك بتكسيرها وتفتيتها حتى تصبح قابلة للإلقاء بها في عمق «البراد»، وخضعت لهذا المنطق كل الأحزاب المغربية من تلك الوطنية إلى الشيوعية إلى اليسارية، الجميع خضع لعملية تصنيع وتدوير جعلته قابلاً للذوبان داخل عمق «البراد».
أحدث عمليات التدوير، ولعلها الأسرع، في تاريخ الحياة السياسية المغربية هي تلك التي نشهدها هذه الأيام مع الحزب الإسلامي الذي يقود الحكومة منذ عام 2011. فإذا كانت عملية تدوير الأحزاب اليسارية المعارضة قد تطلب نحو أربعة عقود من المعارضة بكل أشكلها انتهت بسقوط «الاشتراكيين» و«الشيوعيين» المغاربة في عمق «براد» المخزن عام 1998، وذوبانهم اليوم بصفة نهائية، فإن عملية «تدوير» حزب الإسلاميين «العدالة والتنمية» لم يتطلب أكثر من عقد من الزمن، وكانت آخر مراحل التدوير هي تلك شهدها مؤتمر الحزب الذي انتهى يوم الأحد 10 كانون الأول/ ديسمبر، وقام خلاله «إسلاميو القصر» بإزاحة زعيمهم «المشاكس» عبد الإله بنكيران استجابة لإشارات صادرة عن «السلطة العميقة» في المغرب أصبحت شعبية وشعبوية الزعيم الإسلامي الذي قاد الحكومة السابقة تزعجها.
مصير حزب «العدالة والتنمية» لن يختلف كثيراً عن مصير حزب «الاتحاد الاشتراكي»، فمسار الحزبين رغم اختلاف السياقات التاريخية لكل منهما فإن نهايتيهما تكاد تقترب من التشابه. ظل حزب «الاتحاد الاشتراكي» حزباً معارضاً طيلة 28 سنة منذ أن اختار النضال الديمقراطي من داخل المؤسسات عام 1975، واستطاع طيلة هذه السنوات أن ينمي رصيداً شعبياً ممتداً حتى تحول إلى تيار مجتمعي كبير وواسع، وفي لحظات حاسمة في تاريخ صراعه مع السلطة عرف متى يقول «لا» للحاكم، لكن قيادته ستضعف أمام إغراء السلطة نفسها عام 1998 عندما قبل كاتبه الأول عبد الرحمن اليوسفي، من دون شروط، المشاركة في الحكومة وقيادتها بناء على عرض من الملك الراحل الحسن الثاني.
يومها برر الاشتراكيون مشاركتهم في الحكومة بالمساهمة في بناء «الانتقال الديموقراطي»، وأطلقوا على تجربتهم في الحكومة مفهوم «التناوب التوافقي» في انتظار الانتقال إلى «التناوب الديموقراطي» الحقيقي. لكن من البداية كان واضحاً أن الحزب تم استدراجه إلى اللعبة نفسها، أي لعبة التدوير، التي تبدأ بالإدماج وتنهي بالذوبان، فسرعان ما بدأ الحزب يشتكي من «جيوب مقاومة» داخل الدولة تحارب تجربته، وعندما حان وقت الحسم في مؤتمر الحزب المنعقد عام 2001، انشق الحزب إلى تيارين، تيار الوزراء الذين كانوا يدافعون عن تجربة استمرار الحزب داخل الحكومة من أجل إنجاح «الانتقال الديموقراطي»، وتيار النقابيين وشبيبة الحزب الذين كانوا يسعون إلى فتح نقاش صريح حول تجربة الحزب في الحكومة والقيام بقراءة نقدية للمرحلة، وهو ما رفضه التيار الآخر تحت ذريعة أن «إثبات»، «حسن النية» ضروري لكسب ثقة القصر.
انتهى مؤتمر الاشتراكيين بانقسامهم وعندما تم إعفاء زعيمهم عبد الرحمن اليوسفي من رئاسة الوزراء بالرغم من أن حزبه تصدر نتائج انتخابات 2002، ظل «تيار الوزراء» متشبثاً بالاستمرار في الحكومة تحت قيادة وزير أول تكنقراطي، بدعوى مواصلة الإصلاح الذي كانوا يتوهمون القيام به من الداخل، أو يبررون به استمرارهم في مقاعدهم. والنتيجة أن حزب «القوات الشعبية» فقد شعبيته ومصداقيته حتى تحول إلى ما هو عليه اليوم مجرد نادي لأصحاب مصالح و«أعيان» همهم الوحيد هو التنافس على المناصب والكراسي.
مسار حزب «العدالة والتنمية» اليوم لا يكاد يختلف عن مسار «الاتحاد الاشتراكي»، فطيلة خمس سنوات من قيادته الحكومة، ظل خلالها رئيس الحكومة وزعيم الحزب يشتكي ما كان يسميها «التماسيح» و«العفاريت» و«التحكم» في إشارة إلى «السلطة العميقة» التي كانت تعرقل تجربة حزبه في الحكومة، وبالرغم من فوزه في انتخابات 2016 تم إعفاء زعيمه من رئاسة الحكومة.
وعندما حانت لحظة النقاش داخل مؤتمر الحزب الذي انعقد يومي السبت والأحد 9 و10 كانون الأول/ ديسمبر الجاري وجد الحزب نفسه يتقاسمه تياران، «تيار الوزراء» الذي يبرر استمرار الحزب في الحكومة وفي المهادنة من أجل مواصلة الإصلاح «المُفترض» من الداخل، وتيار يرفض استمرار تقديم الحزب لتنازلات بدون مقابل وبدون أفق واضح.
انتهى مؤتمر حزب «العدالة والتنمية» بالتضحية بأمينه العام السابق، وعكست نتائج التنافس على قيادته استقطاباً بين التيارين اللذين باتا يشقان صفوفه، وبالرغم من حفاظه ظاهرياً على وحدته إلا أنه أصبح هشاً منهكاً من الداخل ما قد ينعكس على شعبيته ويؤثر على مصداقيته ومستقبله.
المؤكد هو أن حزب «العدالة والتنمية» بعد مؤتمره الأخير الذي انتخب فيه سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، أميناً عاماً له، لن يكون هو الحزب نفسه الذي كان يقوده أمينه العام المنتهية ولايته بنكيران، ليس لأن لكل منهما أسلوبه الخاص، وإنما لأن الحزب استنفذ رسالته التي بنى عليها أطروحته السياسية، أي فكرة الإصلاح التدريجي من الداخل، إنها نفس أطروحة «الاتحاد الاشتراكي» التي برر بها دخوله إلى الحكومة قبل 20 سنة وانتهى الحزب ولم يظهر أي أثر لإصلاحه المزعوم.
فالعثماني، رئيس الحزب المنتخب حديثاً، ورئيس الحكومة لا يختلف كثيراً عن بنكيران الذي جمع طيلة خمس سنوات هو الآخر ما بين رئاسة الحزب والحكومة ما بين 2011 و2016، ومسلسل التنازلات التي قدمها الحزب لم تبدأ مع العثماني وإنما دشنها قبله بنكيران الذي حرص طيلة ولايته الحكومة على نيل رضى القصر حتى لو كان على حساب ثقة الشعب، ولو كتب لبنكيران أن يظل في الرئاستين: الحزب والحكومة، لاستمر على نفس النهج الذي يؤاخذ اليوم الكثير من أنصاره العثماني عليه ويتهمونه بالتفريط بمبادئ الحزب واستقلالية قراره وينسون أو يتناسون أن بنكيران نفسه وظف الحزب لغاية واحدة هي التقرب من القصر لعله ينال رضاه مقدماً كل التنازلات المطلوبة وغير المطلوبة قرباناً على مذبح السلطة لعل وعسى يفوز برضاها، فكانت نهايته المعروفة إعفاء مهيناً من طرف الملك وخذلاناً قاسياً من طرف إخوانه الذين قال قائل منهم أَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ «براد» المخزن عسى أن يقربكم ذلك من نيل رضى السلطة.
«العدالة والتنمية» مثل «الاتحاد الاشتراكي»، كلاهما لم يمارس نقده الذاتي، ولم يفتح الباب لنقاش حقيقي لتقييم تجربته، وهذا يكاد يكون «وباء» يصيب كل الهيئات السياسية في المغرب التي ما إن تقترب من السلطة حتى تنسى جذورها الشعبية وتبدأ بقطع أوصالها بها الواحدة تلو الأخرى حتى تصبح معلقة بحبل السلطة الذي يشبه حبل الوريد بالنسبة لها حياتها ومماتها معلقة به.
إنه قانون الطبيعة السياسية المغربي الذي يقوم على عمليات «التدوير»، وهي أسلوب مغربي قديم اعتمد نظام «المخزن» مع كل القوى المستقلة، سواء كانت قبائل أو زوايا في الماضي أو أحزاباً سياسية وهيئات مدنية في الحاضر، أو فقط مجرد أصوات مستقلة. تبدأ العملية بالإدماج وتنتهي بالذوبان مع الحالات الطيعة، أو بالاضطهاد بكل أشكاله وأنواعه مع الحالات المستعصية.
* كاتب مغربي