على الرغم من التراجع العربي الرسمي في مسار التسوية مع إسرائيل، فإن قضية القدس باقية بمثابة عقدة الحرب أو السلم في منطقة الصراع العربي ــ الإسرائيلي وفي الشرق الأوسط.

في 27/6/1967 أصدر الكنيست والحكومة الإسرائيلية قرار ضم القدس الشرقية بعد حرب 1967، وفي عام 1980 أصدر الكنيست قرار توحيد القدس (شرقية وغربية) واعتبارها عاصمة إسرائيل.

وما بين هذين التاريخين مباشرةُ عمليات التهويد في المدينة المقدسة، ونقل عدد من الدوائر والوزارات الإسرائيلية إليها، وإقامة الحيّ اليهودي لاحقاً في القدس الشرقية، ثم تطويق المدينة بالاستيطان (عشرة أحياء) وإقامة 18 مستوطنة لمحاصرتها، وذلك كله بالتزامن مع الحدّ من نموّ الأحياء العربية، وتهجير المقدسيين مسلمين ومسيحيين.
لم تكن المواقف العربية الرسمية بمستوى التحدي، وإن كانت المواقف الشعبية على عكس ذلك، خاصة مع انطلاق الانتفاضات الفلسطينية وتأييد الشارع العربي لها. فزيارة السادات للقدس في 19 تشرين الثاني 1977 التي مهّدت لاتفاقات كامب ديفيد في عام 1978، أجّلت بتّ مصير القدس ومصير اللاجئين الفلسطينيين إلى آخر مراحل المفاوضات العربية – الإسرائيلية. لماذا؟
حتى يسهل لإسرائيل المساومة على مصير القدس، وزرعها بالاستيطان وتهجير أهلها العرب، فالاتجاهات الإسرائيلية على تعدّدها (يمين ويسار ودينيون) التقت على اعتبار القدس عاصمة موحدة لإسرائيل!
تجدر الإشارة هنا إلى أن «كامب ديفيد» أخرجت المفاوضات العربية – الإسرائيلية من دائرة الأمم المتحدة ووضعتها تحت الرعاية الأميركية، ودائماً في عهدة المفاوضات المباشرة بين العرب وإسرائيل.
وعند التوقف مع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام المزعوم في 30 تشرين الأول 1991، نجد تأجيل بتّ مصير القدس واللاجئين إلى آخر مراحل المفاوضات. هذا ليس محض صدفة، إنه مشروع إسرائيلي ــ أميركي لتغيير الجغرافيا السكانية والسياسية، بالتزامن مع انتفاخ التطبيع بين حكومات عربية وإسرائيلية وصلت في مرحلتنا الحاضرة إلى حدّ الصفاقة بلا خجل.
كنا نسأل دائماً: أين الدولة الفلسطينية الموعودة بين أعوام 1995 و2000 و2002 و2005؟
أين تعهّد إسحق رابين لياسر عرفات بوقف عمليات الاستيطان، فيما يتّسع الاستيطان، ثم يُبنى الجدار العازل الذي أدانته محكمة العدل الدولية في لاهاي؟
هذا جزء من المسار التراجعي العربي، على الرغم من التضحيات الفلسطينية والعربية. حسبنا هنا استعادة ما ذكره وزير الخارجية الأميركية الأسبق جورج شولتز، عندما جال على عواصم الشرق الأوسط إبّان الانتفاضة الفلسطينية، فقال: لم أسمع من حاكم عربي مطالبة بإنشاء دولة فلسطينية.

وأين القدس؟

ماذا حقّقت الرعاية الأردنية للأماكن المقدسة – مسيحية وإسلامية – وحماية القدس من التهويد؟ ماذا أنتجت لجنة القدس المنبثقة من منظمة التعاون الإسلامي التي قادتها المملكة المغربية؟
كان السباق دائماً بين تهويد القدس الشرقية والبيانات الرسمية العليا ذات الصدى المسمعي دونما نتائج فعلية لمصلحة القدس وقضية فلسطين. وظلّت إسرائيل تراكم تغييرات جغرافية وديموغرافية على الأرض.
صحيح أن القانون الدولي العام يقف مع قضية فلسطين منذ عام 1947. ومجلس الأمن أصدر القرار الرقم 478 في عام 1980، ليبطل إلحاق القدس بإسرائيل، ورفض هذا القرار الاعتراف بالإجراءات الإسرائيلية في القدس الشرقية.


«كامب ديفيد» أخرجت المفاوضات من دائرة
الأمم المتحدة


ومنظمة الأمم المتحدة لم تعترف باتفاقيات كامب ديفيد، لأنها لا تقرّ بحق تقرير المصير لشعب فلسطين، مع الإشارة إلى أنّ رسائل بيغن - السادات حول تأجيل بتّ مصير القدس واللاجئين صارت جزءاً من تلك الالتزامات. ثم يتكرر هذا السيناريو مع اتفاقات وادي عربة وأوسلو لاحقاً.
السؤال هنا: ما دام القانون الدولي يساند بوضوح المطالب الفلسطينية والعربية العادلة، فلماذا لم ينجح العمل العربي – عبر الجامعة العربية أو غيرها – باسترجاع الأراضي المحتملة وتحرير مدينة القدس التي أُخذت بالقوة؟
لأنّ المواقف الحكومية العربية كانت ولا تزال دون المستوى المطلوب. بل كيف تبرّر الدخول في التطبيع دون أي مقابل مع إسرائيل؟
صحيح أن المواقف الشعبية العربية كانت دائماً سبّاقة، وتضغط على المواقف الرسمية العربية. بيد أن الصحيح كذلك هو تفشّي الاضطراب السياسي والاجتماعي بعد كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو في الجسد العربي، وكيف إذا أنزل الربيع العربي أفدح الهزائم في الأمة العربية؟
تدمير ليبيا وسوريا والعراق والسودان والصومال واليمن، ومحاصرة مصر والمقاومة اللبنانية التي أثبتت جدارتها في حرب 2006. وإطلاق حروب العصبيات المدمرة على أسس طائفية ومذهبية وعشائرية وقبلية وعرقية!
المال العربي الذي أُنفق في هذا الربيع البائس كان كافياً لتغيير خريطة الشرق الأوسط لمصلحة العرب لا لمصلحة إسرائيل والولايات المتحدة.
يجدر الاعتراف أيضاً بنشوء متغيرات إقليمية ودولية لمصلحة إسرائيل، خاصة بعد حرب الخليج 1990 – 1991، ولا تزال تفعل فعلها في تدمير الأطر الرسمية والشعبية إلى حدّ تدمير الدولة الوطنية العربية. بالطبع هذا لا يبّرر التقصير العربي الذي أشرنا إليه.
لا يندرج إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتماد القدس عاصمة إسرائيل، ونقل سفارته إليها، في إطار الانحياز الأميركي الواضح وحسب، بل يأتي أيضاً في سياق تراجع قضية فلسطين – قضية العرب الأولى – إلى مستوى القضية الثانوية. هل نسينا شعارات الخمسينيات والستينيات؟
هل نتجاهل وجود إعلام عربي يرفض اعتبار إسرائيل عدواً، ويحدّد العدو الأول بدولة إيران؟
هل نُعمي بصرنا وبصيرتنا عن الفتن المستحضرة من كهوف التاريخ، ودفع المال العربي لإشعالها من دون رحمة، فيما يسود الفقر والنزوح والمرضى، وتدفع البلاد العربية ثمناً مادياً وبشرياً أفدح مما دفعته البشرية في الحرب العالمية؟
كفى دجلاً على الناس. فلسطين هي القضية. هي المحور وهي الأساس لأي عمل عربي.
وعندما تراجعت قضية القدس، ومعها قضية فلسطين، في العمل العربي دخلنا في مزيدٍ من الانقسامات والصراعات العربية ـــ العربية.
على ذلك، لا بد من إعادة تصويب العمل العربي والإسلامي، بل العالمي، انطلاقاً من قضية القدس، وتالياً قضية فلسطين وفق محدّدات أساسية:
1ـــ قضية فلسطين هي قضية العرب الأولى، بل قضية العالم الإسلامي والعالم الأوسع شرقاً وغرباً، والقدس فلسطينية عربية، وتخصّ المسلمين والمسيحيين من الناحية الدينية، ولا يجوز التخلي عنها. بعبارة أخرى، لتسقط كل الحروب الداخلية العبثية.
2ــــ إطلاق انتفاضة فلسطينية جديدة استناداً إلى الخبرة التاريخية في الانتفاضات السابقة. وكما كانت ساحة الأقصى نقطة انطلاق الانتفاضات كافة، ها هي تعود – ويجب أن تعود – بأصالتها المنفتحة على أحرار العالم.
3ـــ التفاعل مع العالم الخارجي، بما فيه عالم الغرب، لجهة نصرة قضية القدس. ولا يجوز التعامي عن مواقف أحرار العالم، فيما نحن غارقون في الفتن – وما أكثرها – وفي الجهالة السياسية! كيف نطلب من الخارج مناصرتنا، ونحن، أي أهل الدار، نتخلّى عن حقوقنا المشروعة؟
4ــــ مطالبة حكومتَي مصر والأردن بتجميد الاتفاقيات والمعاهدات الموقّعة مع إسرائيل. ومطالبة حكومات العالمين العربي والإسلامي بوقف التطبيع، ريثما تمتثل إسرائيل لقرارات الشرعية الدولية المتراكمة منذ عام 1947.
5ـــ إعادة بناء القوة الفلسطينية والقوة العربية على كافة المستويات للمواجهة، واحتضان المقاومات كافة.
أما القوة، فهي ليست قوة السلاح وحده، إنها إلى ذلك قوة الإرادة السياسية المبنيّة على التخطيط الاستراتيجي الذي لا يضيّع الهدف، والذي يدرك حقيقة إسرائيل، وأن «ما أُخذ بالقوة لا يُستردّ بغير القوة».
* وزير لبناني سابق