انطلقت أعمال الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف وسط مناخ يسوده التعقيد والتناقض والالتباس. ويتعلق ذلك بعوامل متعددة، منها ما يعاني منه ممثلو أطراف الصراع من إشكاليات، إضافة إلى طبيعة علاقاتهم الدولية والإقليمية. ولذلك علاقة مباشرة وأخرى غير مباشرة بمصالح تلك الدول، ومخططات يُعمَل على تنفيذها في سوريا وباقي دول الإقليم. فالأطراف الدولية ما زالت تهيمن على المشهد السياسي والميداني السوري، ما يعني أننا أمام مشهد يستمر فيه التناقض الداخلي المحمول على تناقضات دولية وإقليمية. وذلك بحد ذاته يحمل مخاطر وتحديات مستقبلية لدول المنطقة شعوباً وأنظمة.


ومن نافل القول إن شعوبنا ما زالت خارج دائرة التأثير والفاعلية السياسية. أما في ما يتعلق بنظامنا السياسي، فإن استمراره يرتبط بطبيعة علاقته السياسية والاقتصادية مع حلفائه الدوليين والإقليميين. وأيضاً بطبيعة علاقته بنا كجمهور، ما أدى إلى تحويلنا إلى أرقام سالبة. ويفيدنا ذلك بالقول إنه حتى اللحظة يجري توظيفنا كأفراد وكتل بشرية في أسواق النخاسة السياسية.
فالمؤتمرون في جنيف وغيره من المؤتمرات، يدّعون تمثيل السوريين. وإذا دققنا قليلاً في قضية التمثيل السياسي التي ما زالت حتى اللحظة إشكالية، نلحظ أن ثمة تناقضاً بين أوضاع تلك الأطراف وبنيتها وتركيبتها، وبين ادعاءاتها بأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري.
فالنظام ما زال متمسكاً بمقولة تمثيل السوريين والدفاع عن مصالحهم، وخصوصاً الأقليات. وذلك يخالف ألف باء السياسات التي يعتمدها منذ سنوات وحتى اللحظة. ويدلّ على ذلك سياسات الإفقار التي تجلّت بوضوح في سياق تحرير الاقتصاد والأسواق وعدم القيام بأية إجراءات حقيقية لحماية الاقتصاد الوطني ومصالح السوريين. وتزامن ذلك مع الاستحواذ على الثروات الوطنية مقابل حرمان السوريين إياها، ما أفضى إلى ارتفاع معدل البطالة والتضخم وتغريب السوريين عن وطنهم وتحويل أعداد كبيرة منهم إلى متسولين. وجميعها عوامل أسست لتضخم الفساد الاجتماعي الاقتصادي الإداري والسياسي، ويكشف عن ذلك ارتباط رجال المال بالسياسية والسلطة. وانطلاقاً من ذلك، كان لسياسات النظام الاقتصادية النقدية والمالية الدور الأساس في وصولنا إلى ما نحن عليه. وبداهةً فإن لذلك علاقة مباشرة بالممارسة السياسية القائمة على احتكار القرار والسيطرة على المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية. فالهيمنة المتمثلة بسلطة الحزب الواحد الشمولي، ومحاربة أية ميول سياسية معارضة شكّلتا مدخلاً إلى تمكين السلطة المطلقة. والسلطة المطلقة في علم السياسة تؤسس إلى/ أو هي بحد ذاتها مفسدة مطلقة. بعد ذلك، هل يحق لممثلي النظام القول إنهم يمثلون السوريين؟
أما في ما يخص أوضاع المعارضة، فإنه لا خلاف بنيوي بينها وبين بنية النظام، وإن بدا ما يخالف ذلك ظاهرياً. وأوضاعها أثناء الأزمة لا تعدو عن كونها امتداداً لأوضاعها قبل الأزمة. والأخطر في ذلك ارتباط بعض من أطرافها بفصائل إسلامية متطرفة، يضاف إلى ذلك ارتهانها لدول خارجية ما زالت تدَّعي الدفاع عن مصالح الشعب السوري. ما جعلها رهينة توازنات وتناقضات دولية وإقليمية، إضافة إلى كونها باتت تستمد أسباب وجودها ومشروعيتها السياسية من الخارج. يقابل ذلك أو يتقاطع معه عدم اشتغال الأطراف المعارضة على بلورة هوية سياسية وفكرية تستند إلى تحليل موضوعي لأوضاع السوريين وطموحاتهم السياسية التي تتمثل في الانتقال إلى نظام ديمقراطي يتيح لهم المشاركة السياسية، ويضمن العدالة الاجتماعية. في السياق، نشير إلى أن عدم مراجعة الأطراف المعارضة لأوضاعها وتحالفاتها ومآلاتها الراهنة كان من الأسباب التي قلصت من صدقيتها ومن مشروعيتها السياسية السورية، ما جعلها بنظر الكثير من السوريين لا تختلف عن النظام إن لم تكن أسوأ. هذا في وقت يبدو فيه أن اختبار فاعلية تجميع الوفود الثلاثة (الهيئة العليا للمفاوضات ومنصتي القاهرة وموسكو) في وفد واحد سيكون في ميادين التفاوض على القضايا المصيرية.
وفي ظل تكاذب الدول الضالعة في الصراع السوري، وارتباط أطراف الصراع الداخلية بها، بات واضحاً أن الشعب السوري بغالبيته العظمى رهينة صراعات دولية وإقليمية مباشرة وغير مباشرة. وجميعها ساهمت في تدمير سوريا، وتحويلها إلى ساحات صراع لا علاقة للسوريين بها، وأيضاً بإخراج السوريين من حقل الفاعلية السياسية.
نستخلص مما سبق، أولاً: أنّ أياً من الأطراف المتفاوضة لا يحق له احتكار تمثيل السوريين. ثانياً: نجاح الجولة الثامنة لمفاوضات جنيف أو «الحوار الوطني» في سوتشي أو غيرهما يرتبط بنحو كبير بالتوافقات الدولية والمعطيات الميدانية. ثالثاً: أي حل سياسي محتمل سيكون على قاعدة الدور الإقليمي لسوريا. رابعاً: يرتبط مصير الرئيس الأسد بالتوازنات الدولية والإقليمية، وأيضاً بطبيعة التوافقات الدولية على كيفية إعادة إنتاج النظام السياسي وتركيبة الدولة وبنيتها. ولذلك علاقة مباشرة بالمشاريع الدولية والإقليمية المتصارعة على مستوى الإقليم. ويكشف عن ذلك ما يُعَدّ بجنوب سوريا، وأيضاً في شمالها الشرقي التي تميل التوقعات بخصوصها إلى إمكانية تمكين النزعات الانفصالية. وذلك يستدعي بالضرورة تطويقها بالحوار والتفاهم مع القوى الكردية على ضرورة الانتقال إلى نظام ديمقراطي يضمن حقوق كافة السوريين ويضمن وحدة سوريا أرضاً وشعباً.
أما الكلام عن انتخابات ديمقراطية بإشراف أممي، فيبدو أن لا معنى له من دون توفير مناخ سياسي ديمقراطي. وذلك بحاجة لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بما يتناسب والمحافظة على حقوق المواطنة والحريات السياسية. خامساً: في ما يتعلق بـ«الثورة السورية» فإن تحوّلها لإحدى أدوات الصراع الخارجية جعلها أقرب ما تكون لثورة مضادة للسوريين وللديمقراطية. أخيراً: بعد القضاء على البؤر الرئيسية للإرهاب، يقف النظام والمعارضة بأطيافها كافة أمام الاستحقاقات الداخلية، ما يعيد الجميع إلى حقل التناقض الأساس بين السوريين أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير الوطني الديمقراطي، وبين النظام بتركيبته وبنيته وآليات اشتغاله التي كانت من أسباب الحراك الشعبي السلمي. ما يعني ضرورة الاشتغال على إنتاج رؤية سياسية مختلفة عمّا كانت سائدة سنوات الصراع، أي التركيز على إيجاد مخارج سياسية سلمية يشارك فيها السوريون جميعاً. كل ما تقدم يفيد بأن مسار المفاوضات لا يزال طويلاً ومعقداً، والأكثر خطورة يتمثل في التوافقات غير المعلنة والسرية بين الدول الكبرى، التي يُخشى أن يعاد على أساسها إنتاج بنية النظام بأشكال أخرى جديدة لا علاقة لها بجوهر القضية السورية... ما يعني أنه لن يكون للسوريين أي دور مستقل في مجمل المتغيرات الدولية والداخلية. ويدلّ ذلك على أننا مجرد أدوات وظيفية.
* كاتب وباحث سوري