«الراديكاليون مسكونون بالشغف بالحقيقي»

(آلان باديو)

حين نزل «الشباب» إلى ميدان التحرير واعتصموا فيه لمدة 18 يوماً، أو ما عرف بـ «ثورة 25 يناير»، لم يعيروا المسألة الطبقية أي اهتمام، وبدا الميدان كتجمع عابر للطبقات.
فمتخرجو الجامعة الأميركية يقفون كتفاً إلى كتف مع بائعي الملابس في العتبة، وبالتالي كان أي حديث عن أجندة لسحق «الأغنياء» وسلبهم ممتلكاتهم وأموالهم وتوزيعها بالقوة على المعدمين، أي إعطاء الفقراء حلماً أو خلاصاً، محض رغبة في «شق الصف الثوري»!

فـ«الثوار» قبلوا، منذ زمن، بمعطيات المجتمع الرأسمالي، وتعايشوا مع واقع الانقسام الطبقي، بل يرون أن التحرك ضد ذاك الانقسام، وإن كان رائعاً، إلا أنه «يوتوبيا» ثبت خطأها، وانخرطوا في مسار الترقّي الاجتماعي، وباتوا يرون أنفسهم كأفراد «أحرار» ومواطنين «يريدون ترسيخ المواطنة»، وليسوا جزءاً عضوياً من طبقة ما.

ثورة بلا هيمنة؟

ما زالت تحليلات غرامشي للهيمنة والثقافة والطبقات والثورة صالحة للتفسير والتحليل. فهناك قوانين اجتماعية عنيدة، على الإنسان أن يعترف بها ويفهمها تمهيداً لتغييرها. فالمشكلة الكبرى في مصر تكمن في أن قاعدتها الصناعية محدودة للغاية، نشأت في ظل سيطرة استعمارية مباشرة، وقبل أن تتمكن البرجوازية الصغيرة من تحديثها بنحو ملائم، انقلبت على مشروعها السياسي وانضوت تحت مظلة الإمبريالية.
ومع أن غرامشي يفترض أن أي طبقة برجوازية يجب أن تطور أبنية فوقية معقدة يصعب الارتداد إلى ما قبلها، إلا أن البرجوازية المصرية لا ينطبق عليها هذا الحكم، فقد نشأت كوسيط للمصالح التجارية العالمية، غير منتجة في النهاية، ومن ثَمّ كان من مصلحتها الإبقاء على البنى التقليدية، سواء الاقتصادية أو الثقافية والسياسية، فهو ما يمنحها امتيازاً اقتصادياً وثقافياً وسياسياً.
ومن هنا لم تستطع البرجوازية الكبيرة أن تنجز هيمنة ثقافية، التي هي بتعبير غرامشي، قدرة الجماعة الاجتماعية الحاكمة على اكتساب قبول المحكومين بها، وفي غيابها تلجأ إلى أجهزة القمع البوليسية، لتكون الغطاء الصلب على ذلك الوضع المختل، أو لتعويض العجز عن القيادة الفكرية والأخلاقية للجماعات التابعة.
وحين استطاعت البرجوازية الصغيرة الحاكمة (المرحلة الناصرية) دفع المجتمع إلى الأمام وإحداث هيمنة ثقافية، وإن جزئياً، لم تلبث أن استنفدت وظيفتها السياسية ووصلت إلى أقصى مدى طبقي يمكن الوصول إليه (الإصلاح الزراعي، وتقديم الخدمات الاجتماعية)، فدخل النظام السياسي مرحلة الأزمة، وأخذ جهازه الإيديولوجي يتداعى حين تحولت أهداف النظام السياسية والاجتماعية من العداء للاستعمار و«تذويب الفوارق بين الطبقات» إلى مولاة الإمبريالية والعداء للطبقات الأدنى، كما فعل السادات حين لجأ إلى اليمين الديني «الهيمنة البديلة» لضرب اليسار «الهيمنة المضادة». ومع مجيء مبارك، استقر النظام على السيطرة بالقوة وحدها، مع هامش من الهيمنة الثقافية التي تمثلت في استقطاب المثقفين لإنجاز ما عرف بـ«التنوير الحكومي» الذي انحصر في دوائر نخبوية معينة، وعجز عن اختراق وعي أي جماعة اجتماعية أخرى.
وحالياً، يمكن القول إن أجهزة الهيمنة الثقافية والسياسية للمجتمع المصري، تكاد تنحصر في الكيانات التقليدية والمنعزلة تقريباً عن أي حراك ثقافي أو سياسي في الفضاء العام، وهي: الجيش والأزهر والكنيسة، فالعسكرية الطفيلية، بتعبير غرامشي، تقاوم أي تغيير بشراسة، والأزهر والكنيسة مؤسستان منحدرتان من أنماط حضارية قبل رأسمالية، تحجرتا وبقيتا على جوهرهما الكهنوتي الأصيل.
وليست تلك المؤسسات مهيأة للقبول بأي تغيير إلا بصعود طبقة «برجوازية ثورية» قادرة على إخضاع نفوذ رجال الدين والعسكريين ومصالحهم للسياسات العلمانية للدولة الحديثة، كما أشار غرامشي في كراساته، إلا أن هذه الطبقة لن تظهر في مصر أبداً بحكم «التبعية العضوية للمركز»، لكن في الوقت نفسه لا يمكن الحديث عن «فك ارتباط» مع الرأسمالية العالمية ــ بلغة سمير أمين ــ والانتقال إلى الاشتراكية التي تتولى مهمة التحديث في ظل هذا الضعف المُهِين لليسار في مصر.
هذا لا يمنع من التأكيد أن شهدت مصر على مدار القرن العشرين أشكالاً مختلفة من التنظيم الثقافي، بعضها شكَّل أداةً للهيمنة، مثل الجامعات، وبعضها رأس حربة للهيمنة المضادة كالحركات اليسارية، لكن الأولى انزوت وصارت ملحقاً هامشياً يؤدي وظيفة تخريج أجيال من المهيّأين للخضوع، والثانية جرت تصفيتها، ما جعل الوضع السياسي والثقافي برمته مختلاً للغاية، أو بمعنى آخر أصبح النظام الاجتماعي برمّته «معطوباً».
وعندما انطلقت «الثورة»، كان موقف القائمين بها من البنى الثقافي والهيمنة غامضاً، فعلى عكس ما يحدث في الثورات، لم تتمكن الشريحة «الثورية» الجديدة التي ظهرت في 2011 في مصر من فرض هيمنتها الثقافية والسياسية على المجتمع، ولم تكافح بجدية في سبيل ذلك، بل اختارت أن تميز نفسها كـ«جيل جديد» مختلف عن الأجيال السابقة، «متحرر وعصري»، وليس كطليعة ثورية تسعى إلى فرض تغيير جذري على المجتمع، وليست مجبرة على تقديم تنازلات جوهرية لـبنى الهيمنة القديمة، بل تخطط لتفتيت تلك البنى.
وفي الأساس يعود تشكل هذا «الجيل الثوري» لسببين، الأول: أن احتكار العسكريين للوظائف القيادية في المجتمع السياسي عرقل تكوين شريحة عريضة من الكوادر المكونة إيديولوجياً والمتمرسة سياسياً.
والثاني، وهو مترتب عن سابقه: أن الثوار لم يكونوا ثمرة للتقاليد النضالية الوطنية في البلد، التي انحصرت بين اتجاهين: قومي ضد الاستعمار، وطبقي ضد الاستغلال، بل كانوا ثمرة لسردية ثقافية ليبرالية تسيّدت منذ الثمانينيات يمكن وصفها بـ«الليبراليّة المعولَمة» عقب الانتصار الكاسح للمنظومة الرأسمالية على الاشتراكية، وفي هذا السياق طرحت قضيتي «الدمقرطة وحقوق الإنسان»، بل أصبحت القضيتان جزءاً من أجندة الإمبريالية. وفي موازاة ذلك، صعد اليسار الثقافي المشغول بقضايا «سياسات الهوية» على أنقاض اليسار المهزوم المشغول بالاقتصاد والطبقة والسياسة، وهو ما ألقى بظلاله أيضاً على التكوين الإيديولوجي لهذه الشريحة.
ومع تراجع الهويات القومية، عالمياً، أصبح «الثائر الليبرالي» مغترباً عن تاريخه الوطني الذي اعتبر تدريجاً أنه مجرد «ماضٍ»، أو بمعنى آخر انفصمت عرى ارتباطه العضوي والعاطفي بشعبه وتاريخه.


«الثوار الجدد» منفصلون جذرياً عن الشعب، وبينهم وبينه فجوة لا يمكن عبورها إلا رجعياً

في خضمّ ذلك، لم يكن غريباً أن تكون القضية الرئيسية للمجموعات «الثورية» بقيادة البرادعي و«6 أبريل» ووائل غنيم (الموظف في «غوغل») ونشطاء منظمات المجتمع المدني، وكان دور هذه الكتلة حاسماً في تقرير مسارات الحراك، هي «التحول الديموقراطي»، ومع أنهم جزء من السياق الليبراليّ المعولَم، اضطروا إلى مسايرة الأغلبية التي كانت لديها مشكلات حقيقية مع سياسات الإفقار، بالحديث عن «العدالة الاجتماعية» وهو مفهوم غامض وغير علمي، بالمعنى الماركسي، وإن كان يعود إلى أسباب طبقية تتعلق بتمسك الطّبقة الوسطى بالحد الأدنى من الرعاية التي تسمح باستمرارها، وإلا سقطت درجة على سلم التراتب الاجتماعي وصارت «عاملة» (أو دنيا).
وهنا يظهر التناقض في وعي التيار الليبرالي على أشده بين وضعه الطبقي الذي يتطلب «تدخل الدولة»، شرطُ تحقّق الطبقة الوسطى، وبين تصالحه الثقافي مع منظومة الاقتصاد الليبرالي المعولَم الذي يفترض انسحابها، أعني الدولة.
وحين التحقت أعداد كبيرة من الفقراء بالانتفاضة، احتجاجاً على نيوليبرالية جمال مبارك التي طحنتهم، جرى تسكين احتجاجهم داخل سياق ليبرالي ضد «السلطوية» ومع الحريات الفردية والاقتصادية، فضلاً عن معارضة «الليبراليين» لحركات العمال الثورية في المصانع واتهامهم لها بـ«الفئوية الأنانية وضيقة الأفق»، وبهذا قوضوا إمكانية التحالف والهيمنة على «جماعة ثورية» تستند إلى تقاليد نضالية صلبة، إلى جانب أنهم لم يهتموا بالعمل الموجه إلى الفلاحين بأي شكل من الأشكال.
لم تعرف «الثورة» كتلة «يعقوبية» تفرض نفسها على الحشد السياسي المحتج في الميادين وتقوده إلى مواقف أكثر تطرفاً لخلق واقع جديد يصعب الارتداد عنه ويمنع التوقف في منتصف الطريق، ما جعل «الثورة» تسقط في الشراك التي نصبتها لها السلطة العسكرية بالتنسيق مع اليمين الديني، وبموافقة «ليبرالية» مثل شركي الدستور والانتخابات، غياب هذه الكتلة كان بمثابة «انتحار ثوري» سهّل من إمكانية تنظيم ثورة مضادة كما في «30 يونيو».
هذا لا يعني أنه لم تكن هناك عناصر «يعقوبية»، فقد طرح اليسار الديموقراطي شعار «الثورة مستمرة»، وهو تمصير لشعار «الثورة الدائمة» الروسي، ولم يكن مصير استراتيجية الثورة الدائمة في مصر أفضل حالاً عن روسيا، فحين طرحها تروتسكي وأنصاره عام 1905 ثبت أنها عديمة الفعالية، كما يقول غرامشي، وفي مصر لم تتعدّ كونها مِزاجاً ثورياً بلا مضمون ثوري. كان الاصطدام بالعسكريين في ما عرف بـ«أحداث محمد محمود» شاهداً على تلك الروح اليعقوبية، وعلى ذلك المِزاج الثوري الذي استنزف نفسه من دون تحقيق شعبية سياسية، فالغالبية المحافظة رأت في استمرار تلك الروح تدميراً لحالة الاستقرار، ما سيؤثر في مصالحها، فيما كان اليمين الديني يتسم بالصمت والحذر لاقتناعه بإمكانية تمثيل «صوت العقل» أمام تلك الأغلبية، وبأن مهادنة العسكريين هي الطريق الوحيد إلى «قصر الاتحادية»، وقد كان، وإن «مؤقتاً».

امتهان الفشل الثوري

ليست الثورة جولة خاطفة، بل تتويج لنضال طبقي وحراك سياسي ونشاط نظري حين يبلغ ذروته تكون، وثمة إشارة لا بد منها بخصوص رهانات «الثوار» الذين ظنوا أنها ستحافظ على موقعهم، فلأنهم لا يستندون إلى أي طبقة اجتماعية محددة، بمجرد وصول السيسي إلى السلطة ــ بمساعدة الليبراليين ــ كان لديهم رهان داخلي يعتمد على عدم قدرة السيسي على الاستغناء عنهم في مواجهة «الإخوان»، وهو ما فعله منذ أيامه الأولى، وآخر خارجي، وهو الأساس، ويتلخص في أن أميركا الديمقراطية بقياد أوباما، و«المجتمع الدولي» لن يتركونا نعود إلى الاستبداد بعدما خرجنا منه، وسيقدمون لنا دعماً سياسياً حاسماً، كما فعلوا مع أوروبا الشرقية، بما أننا «طليعة الحرية» ونسعى لترسيخ الديمقراطية، سيأتينا الدعم، لا محالة، الذي سيمنع تكوين سلطوية جديدة في البلد أو حكم شمولي مرفوض من العالم الحر. بعد عامين على الأكثر انحاز الغرب إلى السيسي! كأحد مفاعيل المعطيات الجديدة لوصول ترامب إلى السلطة، وللهجمات الإرهابية التي اجتاحت مدناً أوروبية، ما استدعى ضرورة التمسك بحاكم «قوي» لدولة محورية في الشرق الأوسط، الغريب أن الثوار لا يزالون يمنون أنفسهم بدعم ما، آتٍ كوعدٍ إلهي، من «المجتمع الدولي»!
وحين انتهج السيسي «السلطوي» الذي كان من المفترض أن يرفضه الغرب، وينحاز إلى «المتحررين» بدلاً منه، المسار النيوليبرالي، وعزز علاقته بإسرائيل، لم يحتجّ الليبراليون الثوار على استكمال تحرير الاقتصاد بعنف أو على خفض الأجور أو رفع الأسعار أو تدمير البنية الزراعية للبلد أو استمرار التبعية لأميركا وتعميق التحالف مع إسرائيل، أو الخضوع للخليج، بل احتجوا على «حكم العسكر» وليس محمد البرادعي!
بعد فشل الرهانين، يهتف «الثوار» الآن بسقوط النظام، من دون أن يتبنوا قضية واحدة تتماس مع فئة، ولو صغيرة، خارج نطاق وسط القاهرة، ومن دون إدراك أن الشرائح التي لم يكن لديها استعداد لأن تقفز في المجهول في 2011 لم تغير رأيها، وأنها ستتحمل مقابل بقاء الحياة التي عهدتها وألفتها، وجود السيسي وصدقي صبحي، أو غيره، من بعده أيضاً. ولم يدركوا أن موقف الذين يهاجمون السيسي في المترو وعلى المقاهي، ويتهمونه بأنه «خرَّب بيوتهم» لا يرقى لأن يصبح موقفاً ثورياً يهدف إلى تحطيم النظام، فإنّ من يدعو الله على السيسي ويترحم على أيام مبارك، لن يثور. وليس الحنين إلى العصر المباركي سوى دلالة ومغزى في هذا السياق، فكلما تسارع الانهيار كسب الحنين إلى عصر مبارك، أرضاً جديدة، والمقارنة حاضرة دوماً بين النمو الاقتصادي (المنهوب أغلبه) والعلاقات شبه المتوازنة التي كانت الدولة تنتهجها مع الخليج في الخارج ومع النقابات والأحزاب و«الإخوان» في الداخل، وبين الانهيار الاقتصادي الراهن والخنوع الخارجي تجاه الخليج وانعدام السياسة الداخلية بالمطلق.

راديكالية بالمغالطة

إن النضال ضد النظام القائم فعل نبيل ومشروع، ومطلوب كذلك، لكن طبيعة هذا النضال ينبغي أن تكون محل سؤال، ويجب توضيح شكل النظام المراد تأسيسه، فليست المشكلة منحصرة بتسلط العسكريين على السلطة، بل تمتد لتشمل الكل الاجتماعي بتقسيماته الثلاثة التي حددها مهدي عامل: الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية (الثقافية) هذا الكل الاجتماعي هو ما أفرز سيطرة العسكريين تلك، وبدورهم يعملون في إطاره ويعبّرون عنه.
لكن التفكير في البنية الاجتماعية الكولونيالية بلغة مهدي عامل، أو الرأسمالية المحيطية بلغة سمير أمين، ليس مطروحاً على أجندة نقاشات المعارضة في مصر التي تحددت خطوطها العريضة في مقاومة الاستبداد لإنجاز «التحول الديموقراطي» حتى طبيعة الديموقراطية والطبقة التي تخدمها ليست محل سؤال أيضاً.
وهناك حاجة للإشارة إلى أن صميم الرؤية الليبرالية يكمن في النظر إلى ذاتها على أنها راديكالية ضد المحافظين أو «القطيع» الذين عليهم أن يتعلموا منها ما ينفعهم وما يخدم مصالحهم. في التحليل الأخير، هذه النظرة ليست أكثر من مبالغة بلا معنى، فإذا كان من الممكن توصيف تبني مجموعة من الآراء التي تنتسب إلى الإيديولوجيا السائدة عالمياً بأنها «ثورية»، فبماذا بوسعنا أن نسمي السعي نحو نسف النظام الاجتماعي بمجمله وتأسيس بديل آخر؟
وعلى المستوى الطبقي، هذه الرطانة الليبرالية حول مسألة «الحريات» التي يضمنها النظام الاجتماعي وينظمها ضمن أطره الخاصة بشكل أو بآخر، ليست سوى تغطية على الرغبة الليبرالية العميقة في الحفاظ على تراتبية النظام الاجتماعي والفوارق الطبقية، مع تغييراتٍ بعضها سياسي وآخر ثقافي، وهنا يكمن الخداع الليبرالي: نريد تغييراً سياسياً الآن وهنا، أما تغيير البنى الاجتماعية التي تسمح بذلك فـ«لا»!
بالوصول إلى هذه النقطة، نجد أنه ليس منفصلاً انشغال الليبرالي الثقافوي عن انعزاله عن الأغلبية التي لا يواجهها إلا من خلف «شاشة» ومهما أملى عليهم من تعليمات حول ضرورة التحول الديموقراطي ومعايير التقدم والتخلف، وميزات التعددية الحزبية، وحق المثليين في إعلان أنفسهم، لن يستطيع أن يخفي احتقاره لتلك الأغلبية، أو يتخلص من ألم تجاهلهم له، فالسمة التي لا تخطئها العين أن «الثوار الجدد» منفصلون جذرياً عن الشعب وبينهم وبينه فجوة لا يمكن عبورها إلا رجعياً، بـ«التوبة» والرجوع إلى البنى الثقافية التقليدية، أو عبر تثوير تلك البنى، وهو ما يتطلب حراكاً مختلفاً تماماً أساسه «البناء القاعدي الثوري» أو حتى الشعبوية اليسارية، كملجأ أخير.
* باحث مصري