يوم الاثنين 20 تمّوز 2015، أطلّ علينا السيّد إبراهيم الأمين بمقالة بعنوان «انقلاب دموي من أجل لبنان» (1). هكذا مقالة، لا يجب أن تمرّ مرور الكرام في صحيفة، أو في كتاب، ليس لأنّها لم تكن مصيبة في ما جاء فيها فقط، ولكن لأنّ ما جاء فيها يشكّل خطراً على الناس، وعلى فكرة المقاومة الشعبيّة والتحرير.

هناك بلا شكّ كثير من القرف والخوف والسخط يسود في نفس كلّ إنسان عند كلّ حادثة تُظهر للملأ انهيار مقوّمات الدولة والتسيّب الطائفيّ العشائريّ المسلّح في لبنان، وفقدان الإنسان في هذا البلد للعدالة والحماية الأمنية والاقتصاديّة والصحّية وغيرها من مقوّمات الحياة الإنسانيّة.

من هنا نفهم ما تورده المقالة حول الحاجة إلى تربية على «أصول الحياة» الاجتماعيّة، أو المواطنة. بالطبع هكذا تربية لا تتمّ فقط بالإقناع، وإنّما أيضاً بقوّة القانون الذي تذكره المقالة، والذي لولاه ما كان من مجتمع قائم في أيّة دولة. وقد يتفهّم المرء ألّا تذكر المقالة في معرض الكلام حول تعلّم أصول الحياة مع الآخرين واحترام القوانين، مدى أهمّية التربية العائليّة والمدرسيّة التي لولاها لا يمكن إيجاد قناعة داخليّة لدى المواطن بأهمّية احترام القوانين، ودور هذه في العيش في بلد واحد. بالطبع السؤال الذي لا يواجهه السيّد الأمين هو مَن هم هؤلاء الذين سيعلّمون الناس أصول الحياة؟ ومن ذا الذي سينصّبهم؟ هذا سؤال ليس بالسهل، وليس بالهامشيّ بل هو الذي يحدّد طبيعة التعليم المنشود، وطبيعة الحياة التي ستنتج عنه.


المقالة لم تكن تهتمّ بأمر حرّية الناس لأنّها تدعو إلى «قوّة الحاكم المستبدّ»


ولكن المقالة لم تكن تهتمّ بهذا السؤال ولا بأمر حرّية الناس، لأنّها تدعو إلى «قوّة الحاكم المستبدّ». عالج السيّد الأمين مسبقاً إشكاليّة حرّية الناس الذين يريد لهم أن «يتعلّموا» في ظلّ حاكم مستبدّ، بقوله إنّ سؤالاً كهذا عن حرّية الناس «لا ضرورة له» لأنّه سؤال عن «حرّيات كلّها سموم، ومنفوخة» و«تريد أن تعيش خلافاً للقانون». لا يوجد في المقالة مكان لوجود حرّية حقيقيّة محترمة، خلط الكاتب بين الحرّية الإنسانيّة في التصرّف والتعبير من دون أذى للآخر، هذه الحرّية التي هي جزء من كرامة الإنسان وتميّزه عن الحيوان، وبين «حرّية» القتل والسلب. أقلّ ما يقال إنّ هكذا كلام يخلط الأمور، وبعيد عن الجدّية، وعن أيّ منطق سليم في مقاربة موضوع حرّية الإنسان. لربّما كان الكاتب في حالة غضب وقرف من الحالة المزرية التي وصلت إليها حال البلاد، وهذه حال الكثيرين، ولكنّنا أمام مقالة مكتوبة في جريدة، ومنشورة، ولا يجوز أن يقرأ القارئ أيّة مقالة على أنّها مجرّد «فشّة خلق». إنّ عدم التمييز بين الحرّية الإنسانيّة وبين انفلات الغرائز، قتلاً وسلباً وحقداً طائفيّاً أو غير طائفيّ (وهذه ليست «حرّيات»)، هو أمر غير مقبول ولا متّزن، ولا يؤدّي إلا تصوير حرّية الإنسان على أنّها علّة العلل، وأنّ الحلّ يكمن في إلغائها مع ما يستتبع ذلك من قمع واستلاب للإنسان ومحاولة التعامل معه على أنّه شيء أو حيوان.
وما لا يمكن أن يُقبَلَ أيضاً هو دعوة المقالة إلى ضرورة «الحاكم المستبدّ»، وهو إنسان تصفه المقال بأنّه «ليس في قلبه رحمة»، «قاسياً الى حدّ اختلاط التعسف بتطبيق القانون»، فهو كما يبدو ينفّذ القوانين ولكن لا بأس أن يسمح لنفسه بأن يمارس التعسّف. ولكن مَن سيضع تلك القوانين؟ الحاكم المستبدّ؟ أم الذين سيعيّنهم لتنفيذ رغباته ورؤيته للبلد السعيد؟ ومَن يقرّر متى يجب استخدام التعسّف؟ ومَن يحدّد موعد انتهاء الحاجة إلى التعسّف؟ النتيجة الواضحة هي أنّ الحاكم المستبدّ سيعمل ما يريد، سيكون حاكماً مطلقاً، والحكم المطلق نعرف مآله على الشعب الذي يعمل الحاكم «لأجله».
لبنان شبه مفلس كدولة، إذ نشهد فيه القتل المجانّي، والعنف ضدّ النساء وصولاً إلى القتل، وحماية القتلة، وحكم العصابات الذي يمارسه بعض السياسيّين؛ ولهذا نفهم إحباط وغضب أيّ إنسان بقي لديه شيء من الإحساس بالآخرين. لكنّ الإحباط والغضب شيء، والوصول إلى الدعوة إلى «الانقلاب الدموي» شيء آخر. ولو وردت هذه الجملة الأخيرة بلا سياق، لقلنا إنّه مجرّد وصف للانقلاب الذي تدعو إليه المقالة، لأنّ معظم الانقلابات هي كذلك. ولكنّ الجملة وردت في سياق مقطع يدعو إلى الدمويّة، مقطع يعكس قناعةً بضرورة الدمويّة حتّى «ولو تطلب الأمر ارتكاب جرائم جماعية»، بحقّ الحاكمين وعصاباتهم. وبغضّ النظر عن مَن هم الحاكمون، كيف يمكن لإنسانٍ أن يدعو إلى ارتكاب مجازر جماعيّة بحقّ أية مجموعة من الناس؟ ألا يتناقض ذلك مع الهدف الأصلي للمقال ألا وهو أن يحلّ حكم القانون؟ القانون لا يجيز المجازر الجماعيّة إلا إذا كانت كلمة «القانون» قد أُفرِغَت من معناها، كما يحصل في الدول التي يحكمها سفّاحون باسم الشعب. بالطبع القانون في لبنان هو أيضاً قد أُفرغ من معناه من قبل كثير من السياسيّين الذين يستخدمون القانون لإفقار الناس أكثر، وتمرير صفقات النهب والسلب، ودعم مشاريعهم السلطويّة الاقتصاديّة والسياسيّة.
ثمّ مَن هم هؤلاء الحكّام الذين يجب ارتكاب المجازر بحقّهم؟ هل حزب الله ضمن حكّام هذا البلد مثلاً؟ لا أظنّ أن الكاتب يريد محاكمة سياسيّي حزب الله، وارتكاب المجازر الجماعيّة بحقّهم وبحقّ المقاومين وأهاليهم! مَن ذا الذي يحدّد المجموعة من الناس التي ينبغي، بحسب المقالة، أن تُرتَكَب المجازر بحقّها في جمهوريّة سفّاح الشعب، ومرتكب المجازر الجماعيّة من أجل «تعليم» الناس، وتأمين عيشهم سويّة «بسلام»؟ السيّد الأمين يبدو أنّه يعرفهم. هل بالفعل هو مقتنع بما كتبه؟ من سيتبرّع لدى المستبدّ بكتابة أسماء الذين يجب أن تُرتَكَب بحقّهم المجازر؟ أو ربّما ليس من ضرورة لتحديد بالأسماء وسيُكتفى بتعريفٍ مطّاط؟
لست أدري كيف يمكن لصحافي تسعى «مملكةُ القهر» إلى أن تكمّ قلمه، أن يدعو إلى «انقلاب يجعل الرعب حقيقياً ومانعاً الناس حتى من الاعتراض همساً». أليس هذا بالضبط، ما تحاول الأموال السوداء أن تفعله به وبصحيفة «الأخبار»؟ أليس رفع دعوى بحقّ صحيفة هو في النهاية محاولة لإرعاب صحافيّيها بشكل حقيقيّ وملموس، بحيث يفكّر الصحافيّ مليون مرّة بما سوف يكتب قبل أن يكتب؟ أن تخضع الصحيفة أم لا لهذا الابتزاز، هو شأن آخر، وليس موضوعنا هنا، الموضوع هو أنّ ما تدعو إليه مقالة السيّد الأمين هو بالضبط الوصفة الديكتاتوريّة القمعيّة، وصفة كمّ الأفواه، وسيّان إذ تمّ هذا القمع بالمال أو بالسلاح.
ولكن ما الذي تقدّمه المقالة في النهاية؟ لا شيء جديداً على الإطلاق. إذ أنّ هذه الوصفة قد جرّبها الآخرون. هل «علمّ» الحكمُ المستبدّ، في سوريا، الناسَ كيف يعيشون معاً، ويحترمون القانون، ولا يرتشون؟ هل علّم الوزراء والنوّاب عدم الفساد؟ أليس ذاك نفسه هو البلد الذي يمزّقه حاكمه ومواطنوه أنفسهم قبل الغرباء؟ أم أنّ سيقول قائلٌ اليوم أيضاً، ما قيل عن لبنان، السوريّون من التقاتل براء وما الذي نشهده سوى «حروب الآخرين»؟
وهل هذه الوصفة المستبدّة في السعودية والبحرين واليمن ومصر والعراق قد أدّت إلى ولادة المواطن الصالح الذي قد «تعلّم» كيف يحترم القانون لأنّه أساساً يحترم الإنسان؟ الجواب واضح. لا. هذه الوصفة هي الوصفة الفاشلة إيّاها، ولا يجعل منها وصفة ناجحة أن نبدأ بتطبيقها في بلد جديد. هذه وصفة لا تُنتج إلاّ القتل العبثيّ بحقّ «الآخرين» الذين يحدّدهم مَن يشاء ساعة يشاء. وحتّى ولو كانت وصفة «ناجحة»، بمعيار المقالة المذكورة (تنفيذ القانون، كما يبدو) أو بأيّ معيار آخر، فهي وصفة لا مشابهة تماماً لحالة الانفلات التي ينتقدها الكاتب ويكتب ليناضل ضدّها، الكاتب للأسف ينتهج أسلوباً يتماهى مع الظالم ويتبنّى أساليبه، ويغيّر فقط من وجهتها. أليس أولئك الحاكمون المستبدّون السفّاحون الذين يسفكون حاضر ومستقبل شعب بكامله من دون إراقة دماء، يفعلون بالضبط ما يريده الكاتب: يحكمون بشكل مستبدّ، وبلا رحمة، وبقلب قاسٍ، يختلط فيه التعسّف بتطبيق القوانين، لكي يعلّموا الناس درساً، غير اختياريّ، ألا وهو أن ينصاعوا، وأن يعيشوا في رعب حقيقيّ، ويمنعوا الناس حتى من الاعتراض همساً، على أيّ مشروع يمثّل بالفعل (وليس بالشكل) مصالح المتحكّمين؟ ألا يعيش هؤلاء الحكّام الحاليّون الذين تنتقدهم المقالة عن حقّ، حالة انقلاب حقيقيّ على فكرة الوطن والدولة، وكما أراد الأمين، يفعلون ذلك كلّه، «من أجل لبنان»؟
* أستاذ جامعي