مرّ أسبوعان على المواجهات المتواصلة في فلسطين، وجاءت المشاركة فيهما متغيرة المستوى في الضفة المحتلة وضواحي القدس، وثابتة في غزة، مع شبه غياب للداخل المحتل. هي حالة تطرح تساؤلات ليس عن استمرار الاشتباك مع العدو، إنما عن وجهته وحجمه، وذلك في مشهد تراقب فيه قيادة السلطة والفصائل الشارع، في حين أن عيون الشارع مفتوحة أكثر على القيادة.


خلال الأيام الأخيرة، ورد تصريح لقيادي فلسطيني جاء فيه أنّ «الفصائل الفلسطينية والشعب ذاهبون إلى مزيد من الاشتباك الجماهيري مع العدو لإبقاء قضية القدس مفتوحة... الأولوية اليوم هي للعمل الجماهيري»، واستدرك أنه «في حال تحرّك ميزان الدم لمصلحة إسرائيل، فإنّ المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي». وبجانب ملاحظة تحوّل الفصل بين التنظيمات والشعب من فصل نظري إلى عملي حتى في ذهنية القيادة الفلسطينية، فإن التصور المطروح في التصريح ــ وهو واحد من كثر ــ يجيب عن السؤال السابق، خاصة أن إسرائيل أظهرت خلال الأسبوعين الأخيرين أنها تراعي من تلقاء نفسها ألّا توقع ضحايا في الجانب الفلسطيني بصورة كبيرة تستفز الشارع (ميزان الدم).
وبمراجعة أوساط عدة، في كل من «فتح» و«حماس» و«الجهاد»، إلى جانب باحثين وصحافيين، يمكن استخلاص نتيجة مشتركة: الجمهور الفلسطيني ذكي، والتجربة علمته متى تكون الانتفاضة مستحقة ومجدية. لعل جملة «الناس عارفة الّي فيها» بالعامية تلخص جزءاً من هذا الوجدان الشعبي، فرغم الشعور العام بالإهانة والاستفزاز من القرار الأميركي، صارت التضحية اليوم تتطلب التفكير مراراً في النتائج، خاصة أن سنوات المفاوضات ومشروع «أوسلو» وتبعاته، ثم حصر المقاومة المسلحة في «غزة الصغيرة»، رسخت قدراً كبيراً من الإحباط.

سنوات من «الجراحة» الإسرائيلية

«الضفة تغيرت كثيراً بعد عملية السور الواقي، حتى مخيم جنين، الذي كان أيقونة المقاومة والصمود، تحوّل إلى ما يشبه المنطقة الصناعية، ومخيمه صارت شوراعه أوسع قليلاً حتى تنتهي معه ذكريات الزقاق، هكذا أرادت لجنة الإعمار! أما رام الله، فحدث ولا حرج، صارت مجمعاً لكل شيء. ولكل مدينة أو مخيم قصة»... ليس غريباً أن يُسمع هذا الكلام من الزائرين الآتين من الضفة ووفودها إلى عواصم عدة. فالشكوى واحدة، والخوف يجعل عائلات وأشخاصاً كثيرين يحملون السلاح، فقط لخوفهم من المستقبل، فقد تغادر السلطة خلال يوم وليلة.
يشرح هؤلاء أن الإسرائيلي، بعدما أدرك «الوجع» الذي تركته الضفة في خاصرته خلال الانتفاضة الثانية، لم يرفع يده عنها يوماً ما. لا اعتبار لمناطق «أ» ولا «ب» أو «ج»، إذ يعمل عسكرياً وأمنياً في مناطق الضفة مدناً ومخيمات وقرى، ويدخل بنفسه ليعتقل وليحقق وليستدعي، فيما لا ينتظر من السلطة إلا أن تكمل النقص. كل ذلك راكم معتقلين و«داتا» وقدرة على الضبط كبيرة، وصعّب المقاومة إلى أقصى حدّ. لذلك، كي تنجح الانتفاضة ــ كما يرون ــ يجب أن تكون شعبية وشاملة وكبيرة ومتسقة، فلا يعود لـ«الميركافاه» أو التنسيق الأمني أن يقف في وجهها، علماً أن الأخير لا يملك حتى محمود عباس قرار إيقافه، فالتنسيق صار مباشراً مع الضباط والقادة الأمنيين الفلسطينيين في كل منطقة على حدة، حتى إن الإسرائيليين باتوا يعرفون المناوبات وحالات الغياب يومياً.
وفي ظل أن لا أحد يطرح سيناريو تراجع الأميركيين قريباً، أو بسهولة، عن قرارهم، بجانب أن إسرائيل لم تبادر بعد إلى خطوات عملية، فإن الرهان الأساسي قائمٌ على لعبة «النفس الطويل» في ظل أن الفلسطينيين لن يغمضوا أعينهم عن الإجراءات الإسرائيلية يوماً بيوم. صحيح أن العدو تجنب إيقاع شهداء كثر في هذه المواجهات، وأن الاستنفار الكبير حال دون نجاح عدد أكبر من العمليات الفردية، وأن وضع المسجد الأقصى لم يتغير بعد، لكن كل هذا يدل قبل كل شيء على الحساب الذي تحسبه إسرائيل للشارع.
وبما أن السلطة الفلسطينية تناور ولم تتخذ أي قرار تصعيدي، رغم محاولة الاستنفار التي تبديها أذرع «فتح» والسلطة الإعلامية والمناطقية، فإن قسماً كبيراً من الشباب سيأخذ جانباً من الاحتياط والمراقبة، في ضوء أن الحركات الطلابية (باستثناء جامعتي بيرزيت في رام الله وخضوري في طولكرم) تخلو حالياً من القيادات الطلابية الفعالة التي صار جزء كبير منها في السجون.
كذلك، لا يمكن نسيان التأثيرات الطويلة المدى للمشاريع التي عملت عليها السلطة الفلسطينية في إلغاء مظاهر العسكرة والمقاومة، وتحويل الطبقة الوسطى إلى فئة متورطة في القروض والأزمات الاقتصادية، بجانب التهجين السياسي الذي حمل مشروعه عنوان «الفلسطيني الجديد» على مدى عشر سنوات. تضيف الأوساط السابقة أن تقديراتها تشير إلى أن تحرك الشارع سيكون بالتوازي مع تحرك التنظيمات، فكلما تقدمت الأخيرة خطوة، سيتقدم معها الشارع، خاصة أن تنظيمات كبيرة تحيي ذكرى مرور ثلاثين أو خمسين عاماً على انطلاقتها هي التي يجب أن تطلق الانتفاضة، لا أن تدعو لها.
ومن جانب آخر، إذا عادت رام الله ورضخت لقواعد اللعبة كما يراها الأميركيون والسعوديون والمصريون وحاولت تحجيم المظاهرات، فإن الانتفاضة ستكون ــ كما ترى أوساط في فصائل المقاومة ــ على السلطة والاحتلال في آن.

قراءة في أحداث الأسبوعين

ربما يكون من الصعب تقبّل بعض التقديرات خاصة إذا كانت صادرة عن جهات تكون في الصف المعادي، كإسرائيل والولايات المتحدة، لكن من الجيد الالتفات إليها في مراقبة أسس اتخاذ القرارات، خاصة أن قراراً كإعلان القدس «عاصمة إسرائيل» لم يكن مفاجئاً على أي صعيد.
بتتبع التصريحات السياسية والإعلامية الإسرائيلية والأميركية طوال الأسبوعين الماضيين، وما قبلهما، كان هناك إجماع على أن الغضب الناتج عن القرار الأميركي: أولاً يمكن احتواؤه ولن يتطور إلى انتفاضة، وثانياً لن يدوم إلا شهراً على الأكثر، وثالثاً أنه من بعده يجب تجنب أي إجراءات تمس المسجد الأقصى بذاته، أو التصعيد الشامل في الضفة، أو الانجرار إلى حرب في غزة، فهل أتى تقديرهم في محله؟
القدر المتيقن منه وسط موجة الغضب الجارية أن خطوة مثل التي خطاها دونالد ترامب لم تكن نتاج عاطفة حب جيّاشة مقارنة بسابقيه لإسرائيل، ولا قفزاً في السياسة وحرقاً للمراحل، بل كانت مدروسة من جوانب عدة، وقائمة على تقديرات مسبقة. مثلاً التوقيت الذي اختير لإعلان القدس «عاصمة لإسرائيل» راعى عوامل عدة على صعيدين، فمحلياً الجمهور الفلسطيني منهك بعد سنوات طويلة من إجراءات الاحتلال المستمرة، وهو لم يكد ينتهي في الضفة والقدس والـ48 من هبة شعبية كبيرة (أزمة البوابات الإلكترونية في المسجد الأقصى)، كما أن سياسات السلطة هي نفسها لم تتغير، وغزة مشغولة بمحاولة إنجاح المصالحة الصعبة. أما إقليمياً، فلا تزال المنطقة منهكة من جراح «الربيع العربي»، فيما عادت الأنظمة العربية لتتشكل بصورة جديدة، والأهم أنها صارت أقرب إلى إسرائيل.
بمقارنة سريعة لجهة الأسباب والنتائج وطبيعة المظاهرات وحجمها، كانت هبة القدس السابقة أكثر تركيزاً في أهدافها، بل إن السلطة والفصائل كانت تلحق فيها بالجمهور ولا تنادي بخروجه للتظاهر، كما كانت تسير في منحى تصاعدي، وحتى إن أجهزة السلطة الأمنية اضطرت بعد أسبوع واحد إلى العمل على كبحها. ومن ثَمَّ انتهت بتراجع العدو عن إجراءاته في القدس، التي كانت تمس تحديداً الأقصى والصلاة فيه والوصول إليه، رغم أن قراراً بحجم إعلان ترامب لم يُواجه بالآلية نفسها، وما يستدعي بحثاً في الأسباب.
بلغة الأرقام، شهدت مناطق الضفة والقدس ما قبل الإعلان الأميركي (غير المفاجئ) 6 نقاط مواجهة في الخامس من الشهر الجاري، و18 نقطة في السادس في الشهر نفسه. لكن منذ ليلة الإعلان قفز العدد إلى 75 نقطة مواجهة (7/12)، وبقي المعدل نفسه في الجمعة الأولى (8/12) بنحو 77 نقطة. و«نقطة مواجهة» تشمل هنا كل مكان ألقيت فيه الحجارة أو زجاجات «المولوتوف» وصولاً إلى اشتباكات بالحجارة استمرت لساعات مع جنود الاحتلال. وفي يوم السبت (9/12)، انخفضت نقاط المواجهة إلى 41 ثم ارتفعت الأحد إلى 52 لتعاود في اليوم الذي بعده الانخفاض إلى 39، ثم تواصلت بـ47 نقطة و45 يومي الثلاثاء والأربعاء بالتوالي، هذا مع احتساب النقاط الثابتة للمواجهات اليومية في قطاع غزة وهي لا تتعدى الخمس وانخفضت الآن إلى ثلاث.


لم تسر المواجهات بمنحى تصاعدي بل تذبذت أعدادها صعوداً وهبوطاً

أما في الجمعة الثانية (15/12)، فرصد أكثر من 130 نقطة مواجهة، لتعود وتنخفض إلى أقل من 20 في الأيام التالية، قبل أن تعاود الارتفاع الأربعاء فجأة (20/12) بسبب دعوة حركة «فتح» إلى التظاهر. وبالنسبة إلى أعداد الشهداء، ارتقى في الضفة اثنان خلال «عمليات طعن»، فيما قدمت غزة نحو تسعة آخرين. لكن الفارق لجهة عدد الإصابات في الضفة كان أكبر بأضعاف مقارنة بغزة، مع الانتباه إلى أن طبيعة الإصابات الجمعة الماضية كانت أعنف من الأيام السابقة لها.
وعن الصواريخ التي تطلق من غزة بصورة شبه يومية، لم تصدر أي جهة معروفة أو غير معروفة بياناً تتبنى فيه إطلاقها، وهو ما يعني أن لو كان وراءها تنظيم عامل على الساحة فإنه لا يريد تبني هذا الفعل، وفي هذا دلالات كبيرة، وإن صح القول خطيرة. وإن كانت ثمة مجموعات سلفية تتحرك على هذا الصعيد، فتحركها حكماً في خانة المشبوه قياساً إلى التجربة الماضية لها في إطلاق الصواريخ على مدار عشر سنوات مضت، مع أن المبرر مقبول هذه المرة، لكنها عملياً تحجّمت بفعل حملة «حماس» الأخيرة بحقها.
ووفق إحصاء أوردته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، هاجم جيش العدو منذ بداية الأحداث 40 هدفاً للمقاومة في القطاع، غالبيتها تتبع «حماس» التي لا تزال تُحمّل المسؤولية عن ذلك سياسياً رغم أنها سلمت غزة ــ إلى حدٍّ ما ــ للسلطة. ويتقارب هذا العدد مع أعداد الصواريخ التي كانت أطلقت (35 ــ 40)، ولم يسقط منها سوى ثلاثة صواريخ على مدى بعيد، وواحد في منطقة مأهولة نسبياً (قبل 3 أيام). تشرح الصحيفة أن المواقع المستهدفة في غزة كانت مراكز تدريب أو نقاط مراقبة أو مخازن أسلحة، كما لمّحت مواقع عبرية أكثر من مرة إلى دور لـ«الجهاد الإسلامي» في إطلاق هذه الصواريخ، أو منح الحركة صواريخ لمجموعات مسلحة صغيرة تطلقها بالنيابة عنها.
أيضاً، يمكن تسجيل جملة من الملاحظات بجانب الأرقام السابقة، إذ بقي عدد نقاط المواجهة متذبذباً رغم رفع أجهزة أمن السلطة يدها بصورة مقبولة عن منع المظاهرات (هذا لا يعني أنها لم تراقب وتسجل المشاركة ومنظميها وطبيعتها)، كما لعبت الأجواء الباردة دوراً كون المواجهات شعبية، لكن الأرقام في المجمل لم تتحرك بصورة تصاعدية. أيضاً، لم يُسجل إلا يوم إضراب واحد للمدارس والجامعات، إذ تؤدي الإضرابات إلى تصاعد المواجهات، وهو ما يفسر زيادة المواجهات أيام الخميس والجمعة أكثر من غيرها، فيما كانت المشاركة البارزة في المواجهات لطلاب ثلاث أو أربع جامعات فقط.
من جهة أخرى، أوحت الزيادة المفاجئة في عدد المظاهرات بعد إعلان ترامب بهبة شعبية إلى حد ما، لكن القيادة الفلسطينية الرسمية كانت غائبة. فبينما بقي رئيس السلطة، محمود عباس، خارج الضفة لـ12 يوماً قطعها ليوم واحد عُقد فيه اجتماع سريع ثم عاد وسافر، نزل أمناء وكوادر فتحاويون لتحريك الشارع، وهو ما أثار شعوراً لدى الجمهور بأن التحرك الذي تريده السلطة هدفه رصيد سياسي مرحلي فقط، ولا أفق له. كذلك، تعاني غالبية الفصائل ضعفاً في بنيتها التنظيمية داخل مناطق الضفة بسبب ملاحقة الاحتلال والسلطة المستمرة لها طوال سنوات، وحتى الفصائل التي لها «خلايا نائمة» تفضل الاحتفاظ بها لمراحل أكثر أهمية. وفي الوقت نفسه، أدت حملات الاعتقال الإسرائيلية المدروسة بحق الشخصيات المحفزة إلى تشتيت التحرك الشعبي المنظم إلى حدّ ما، ومثال ذلك القيادي في «الجهاد الإسلامي» خضر عدنان، والقيادي في «حماس» حسن يوسف.
من جانب ثانٍ، فرغم أنه سجلت عمليات إطلاق نار على حافلات وسيارات للمستوطنين والأبراج العسكرية، فإنها لم توقع أي إصابة، وكان إطلاق النار بأسلحة من تصنيع محلي وغير دقيق، ما يعني غياب الكوادر المدربة إلى حدّ ما (التابعة للفصائل). كما أن «العبوات الناسفة» التي يتحدث عنها الإعلام المحلي هي «أكواع حديد» مصنعة محلياً، ولا تؤدي إلى القتل في حال انفجرت بالجنود الإسرائيليين. لكنّ هذا كله لا يعيب الحراك أو ينقص قدره، بل يعود بالذاكرة إلى بدايات الانتفاضة الثانية، فيظهر في النتيجة إلى أي مدى عُمل على إضعاف المقاومة في الضفة.
أما في غزة، فتركزت التجمعات عن نقاط حدودية، علماً أن الحدود شبه مخلاة من الجنود بالصورة المعتادة، بسبب التصعيد الأخير بين المقاومة والعدو بعد حادثة قصف نفق فلسطيني، وذلك في مناطق «ناحل عوز» (شرق) و«إيريز» (شمال) وخزاعة (جنوب)، فيما كانت دعوات الفصائل تركّز على التظاهر داخل مدن القطاع أو الحدود، أو دعوة المواطنين في الضفة والقدس إلى «انتفاضة»، تحت رؤية مفادها ضرورة إفساح المجال لهبة شعبية والابتعاد في المرحلة الحالية عن عسكرة المشهد، مع أن هذا لم يكن نمط الانتفاضتين الأولى والثانية، عندما كانت العمليات تحفز الغضب الشعبي.

* من أسرة الأخبار