منذ سنواتٍ سبع، عامل العديد من المتفائلين صعود باراك اوباما كمشرّحٍ رئاسي على انّه حدثٌ «ثوري» في اميركا (ربما لأن اوباما أسود البشرة)، وكان ذلك سذاجة في أفضل الأحوال. الّا أنّ هناك في اميركا اليوم، بمقاييس سياستها التقليدية، مرشّحٌ «ثوري» فعلاً، هو دونالد ترَمب.

حتى أشهر قليلة، كان ترَمب ملتهياً بأعماله وبرنامجه التلفزيوني، ويخوض، دورياً، معارك على «تويتر» مع نجومٍ وكوميديين، فيشتم روزي اودونل أو يدخل في جدال حول متسابقات ملكات الجمال؛ فصار اليوم المرشّح الجمهوري الأبرز للرئاسة، ويقول استطلاع لـ «واشنطن بوست» وقناة «اي بي سي» إنّه يحظى بضعف مستوى التأييد الذي يحوزه منافسه الأقرب في معسكره، جِب بوش.

المثير في الموضوع هو أنّ ترَمب يخوض حملته الرئاسية بعقلية «تلفزيون الواقع»، وقد قال، خلال الشهرين الماضيين، أموراً يكفي كلّ منها لانهاء مسيرة أي سياسي اميركي للأبد، ولكنه يحلّق في استطلاعات الرأي. أهان ترَمب، منذ أسابيع، الجالية اللاتينية في اميركا، ثم اتهم السياسي الجمهوري المخضرم، جون ماكين، بأنه ليس محارباً بطلاً كما يقدمه الاعلام، بل جندي فاشل (لأن الفييتناميين أسروه واعتقلوه لسنوات)، قبل أن يعرض يوم أمس، في حفلٍ جماهيري، رقم الهاتف الشخصي لمنافسه السيناتور ليندسي غراهام (هذا حتى لا نتكلّم عن المواجهة بينه وبين رئيس كارتيل «سينالوا» المكسيكي «ال تشابو»، الذي هدده ــــ اثر فراره من السجن من حسابه الشخصي على «تويتر» ــــ بأنّه سيصل اليه ويقتله).
في الانتخابات الأميركية، الهدف من الحملة والخطابات والنقاش هو ليس أن تعبّر عن نفسك، أو أن تقدّم منظومة ايديولوجية، بل، ببساطة، أن تفوز. لهذا السبب، لا يتكلّم المرشحون عادة بلسانهم، بل يحدد لهم فريقٌ سياسي\تقني، يستند الى استطلاعات الرأي واتجاهات الجمهور، كل جملة ينطقون بها. ترَمب هو «ثوري» بمعنى أنّه يقول فعلاً ما يفكّر فيه؛ هو لا تثقله حسابات حزبية وفرق مستشارين، ويعرف انّه ــــ في نهاية الأمر ــــ لن يصير رئيساً.
الانتخابات ما تزال في مراحلها التمهيدية، ولكن صعود نجم ترَمب يثبت، مجدداً، قاعدة أساسية في السياسة الأميركية: لا يهمّ ما تقول طالما انّك تقدر على جعل الناس يستمعون اليك. ترَمب ثقيل وعنصري وفجّ (ولهذا هو أفضل من يعبّر عن الجمهور الأبيض اليميني)، ولكنه لا يخلو من الذكاء. في العادة، يحتاج المرشّح الى تمويل بمئات ملايين الدولارات حتى تصل رسالته ــــ المهندسة والمملة ــــ الى الجمهور؛ وترَمب أضحى اليوم، بفضل «العرض» الذي يقدمه، أشهر شخصٍ في السياسة الأميركية قبل أن يشتري اعلاناً تلفزيونياً واحداً. هو ضحّى بالناخبين اللاتين معتبراً أنّ مواقفه العنصرية ستجذب غالبية الجمهور الأبيض، وهذا صحيح، ولكنّه يثير جنون الحزب الجمهوري الذي ــــ بسبب ترَمب واهاناته ــــ قد يخسر ملايين الأصوات يوم الاقتراع. ترَمب قد لا يصير رئيساً، وقد لا ينال ترشيح حزبه، ولكنّ جزءًا كبيراً من الجمهور الأميركي يحبس أنفاسه، ويدعمه في سرّه، لأنّه يريد أن يرى الى اين سيصل هذا «العرض».