(إلى المربي الأستاذ علي نمر بزي)

ثلاث من الروابط شدّتني إليك، كنت لي أباً وأخاً ومعلماً، روابطت امتزجت لتختلط عليّ الأمور... وعندما لاعب الزمن الاحلى ذاكرة الأيام والتقينا ومررنا على البيت العتيق، سألتني ماذا تغيّر هنا، وماذا رأيت؟ كل شيء على حاله، أجبتك، أكاد أرى طيف أمّنا في زاوية الشارع تراقص رغيف العجين على كارة الأيام... ذكريات حفرت ثلماً عميقاً رغم أنّ فراش الذاكرة غطاه لحاف العتم.

تابعت قائلاً لك: وأكاد أرى الوالد مبتسماً على كرسيه، إنه الأب الرضي المرضي، الذي رغم اغتساله برغوة التعب والهم، أتحسسه وهو يصفّف لحيته ويقول: ولسوف يعطيك ربك فترضى. أعطاه ورحل. رحل بعد أن أعطاك صنارة الحياة. وعاد إلى صمته في محراب الحياة... كانت الصنارة هذه قلماً ودفتراً. قلم: خشبه من عصا معوله، حبره عرق الجبين مجبولاً بدم.
صنارتك هذه فرّخت آلاف الصنانير التي أعطيتها لأجيال عديدة. هنا اكتشفت أن علاقتي بك كمعلم كانت الأقوى. يوم أعطيتني صنارة كالتي اعطيتها للاجيال التي تعاقبت عليك. وهنا أحببت أن أقول لمعلمي: إنّ بين المعلم والرّسل صلة رحم، وبين التلامذة والملائكة قواسم مشتركة، وبين الرسل والملائكة نسيج علاقة حاكها إله.
أنت المعلم، ذلك الخلوق الذي إقترب من خالقه، وسمع النداء، فحمل الكتاب والقلم مردداً معه: إقرأ...
معلمي لم تزل عصافير الكلام تأكل من أغصان الذاكرة. ولم تبرح تبني أعشاشها من يابس العشب الذي نبت على لسانك. معلمي أنت الذي زرع القصيدة الحرة في تربة خصبة. أنت من كتبت على لوح القمر لتبتسم النجوم. أنت من مسح غطاء الليل، أنت من أزحت نعاس الغسق من أجل صبحِ جميل.
ابي، أخي، معلمي... يا من حوّل تراب جسده تبراً بين يديّ تلاميذه. لا أزال أراك واقفاً وبشرف ملوحاً قائلاً: العلم كنز... أريدكم حماة وطن... لا حراس مواكب وقصور. سلام عليك يوم ولدت، فأنت حيٌّ فينا.
حسن المير بزي