«الغباء هو تكرار فعل الشيء نفسه مرات عدة وتوقع نتائج مختلفة». ربما تُعتبر هذه العبارة المنسوبة إلى أينشتاين من أبلغ ما عُرّفت به الحماقة.

من توهّم بأن الاحتجاجات التي تلت أمسية اليوم الانتخابي الطويل في 12 حزيران من عام 2009 ثورة كاملة الأوصاف، لا يتوقف الآن عن توهم الشيء ذاته إزاء الاحتجاجات التي تحدث في بعض المدن الإيرانية.

والغريب بأن الأمر لا يتعلق بدعاية سياسية تضطلع بها بعض الدول العربية بهدف المساهمة في إسقاط نظام لا تستسيغه (وهو السياق الذي سيبدو فيه الكذب الإعلامي مفهوماً على أقل تقدير). فالدعم الذي يعتقد بعض الإعلام الخليجي أنه يقدمه إلى الاحتجاجات في إيران لا يفيد هذه الأخيرة من جهة ولا يضرّ النظام من جهة أخرى، ولا يخفى أن التبسيط المُخلّ هو السمة العامة التي تتسم بها نظرة العالم العربي إلى الداخل الإيراني. إنه دعم من قبيل التشفّي الذي يتضمن جزئياً محاولة هذه الأنظمة بيع شعوبها إنجازاً يتيماً يتمثل بضرب النظام الإيراني ـ العدو من تحت الحزام.
عندما تصبح المسافة بين ما يحدث وما نريده أن يحدث صفراً أو تكاد، عندها يتعيّن إطلاق مراجعة شاملة تهدف لإعادة تعريف الحدود بين الواقع ونصف الواقع، أي الافتراض. وفي قلب هذه المراجعة، يحتاج «الفضاء الذوقي» السائد عربياً إلى الاغتسال من معمعة السنوات الماضية كي يستعيد عافيته ويصبح صالحاً كمركز جمعي للانطباعات والتصورات العامة. لا يستطيع أي مجتمع أن يكون مجتمعاً من دون هذا الإجماع حول بعض التصورات المشتركة، فعناء إثبات البديهيات يستهلك طاقة الجميع على المواظبة على الانضواء تحت هوية ما. في الحالة العربية، إنهار التصور القومي للعروبة على مستوى السياسة شعبياً ونظامياً على السواء ولم تعد الهوية العربية قادرة على إملاء الاصطفافات وقول الأشياء الواضحة في التحالفات: مع/ ضد الغرب، مع/ ضد إسرائيل، مع/ ضد إيران، وهكذا. ولكن الأمر أكثر خطورة من الانتكاسة السياسية، بات الجميع متطبعين على زمن يستطيع فيه إعلام ممول من جهات ملكية «كلية القدرة» أن يدعم ثورات في سوريا تنادي بالديموقراطية. الأمر يحتاج إلى مداخلة معرفية للنفاذ إلى الأسباب التي جعلت الغرابة مألوفة لدى المتلقي بحيث يقتاتها يومياً دون أن يفجر المنطق «العادي» عنان دهشته. 7 سنوات من قول الأشياء ذاتها بعيون مفتوحة رغماً عن البداهة، 7 سنوات من لوك السردية ذاتها سورياً وعراقياً والآن يمنياً. وبينما تلملم هذه الآلة خطابها السوري تحضيراً لإخراج ما للهزيمة، يتم دوزنتها لممارسة دور ما في إيران.
أكثر من ذلك، هل تعلم هذه الأنظمة أن خيط المصالح الاستراتيجية لأمة ما لا ينكسر مع تغيير نظام الحكم؟ وأن مشاكسة الشاه سابقاً لدول الخليج اختلفت شكلاً عما هي عليه الحال مع الثورة الإيرانية؟ في أوليات الجغرافيا السياسية، لا يمكن تصوّر نسخة إيرانية صديقة للخليج بشكله الحالي كما لا يمكن تصور صداقة تركية خليجية. لم يتم صنع العالم بحيث ينتصر النكد على الدهاء، أو الأبراج السكنية على مجمعات التصنيع العسكري في بطون الجبال.
في الأخير، ينتصر المنطق. انتصار المنطق لا يشبه انتصار الحق (هذا الأخير ليس ثابتاً ولا يتحقق إلا بقدر غير يسير من التأويلات والانقلابات اللغوية). في عالم المعارك، المنطق التجريبي يقول إن سلاح البر أقدر على حسم المعارك من سلاح الجو. وفي السياسة، المنطق التجريبي يقول إن دول العائلة الحاكمة لن تستطيع أن تنجز الكثير أمام دول الأيديولوجيا، وهكذا. لكنه مزيج العناد والمكابرة الذي يعيد اختراع العجلة من جديد، العجلة عينها التي لا تكف عن دهس أنامله كل مرة والتي سوف تكرر دهسها بضمانة أينشتاين نفسه.
* كاتب لبناني