توقيع الرئيس الأميركي على اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، والمباشرة بإجراءات نقل السفارة الأميركية إلى القدس... لم يشكّل صدمة عنيفة للمتابعين لمسار الأحداث، ولا سيّما خلال الفتنة المذهبية التي امتطت صهوة تدمير كلّ الواقع العربي والإسلامي من خلال الحركات التكفيريّة المتطرّفة، بقدر ما أشعرَ المخلصين بالخطر؛ لكون هذا التوقيع يمثّل – في توقيته – عملية استثمار لكل ما أنجز في تلك السنوات.


ولأجل ذلك، يراهن كثيرون، سواء من جهات رسميّة عربية وعبريّة، أو من محلّلين سياسيّين، على أنّ هبّاتِ الشعوب العاطفيّة لم تكن لتستمرّ أكثر من أسبوع أو اثنين وتنتهي القصّة؛ لتعود هذه الشعوب إلى الواقع وتفتح أعينها على استمرار تغيير المعالم والمواقع على الأرض لا على الورق! تماماً كما هو تاريخ هذه القضيّة.
قد يذهب البعضُ إلى أبعد من ذلك؛ ليعتبر أنّ الشعوب نفسها تقع دائماً ضحيّة خطط لإنضاج طبخة ما، بحيث يكون من ضمن هذه الخطط استثارتها لتنزل إلى الشارع على وقع رفع السقف عالياً من قبل الجهات المتآمرة، ثمّ إذا تمّ الالتفاف عليها شكّل أي تنازُلٍ عن هذا السّقف ربحاً لهذه الجهات، وخسارة «مقبولةً» للشعوب!

توظيف الديني في «الربيع العربي»!

من المهمّ إعادة التذكير بأحد أخطر نتائج ما سمّي بالربيع العربي، وهو تعقيد الشعوب العربيّة من الهويّة الفلسطينيّة، حيث تمّ ربطُها بالتفجيرات المتنقّلة التي ضربت أكثر من بلدٍ من بلدان الطوق، أو البلدان التي مثّلت تاريخياً ويمكن أن تمثّل خزّاناً بشرياً في أيّ عملية تحرير كبرى مفترضة لفلسطين من الاحتلال. يكفي للإنسان أن يجول في مواقع التواصل الاجتماعي ليجد مستوى التفاعل مع الفلسطينيّ، بين العراقيّين أو السوريّين أو المصريّين، أو في الأردن أو في لبنان – والقضيّة مع لبنان عمرُها من عمر الكيان الغاصب -.
المشكلة مع الفلسطينيّ اكتسبَتْ أيضاً بُعداً مذهبياً حادّاً، وذلك لأنّ الاتّجاه الذي استعادت فيه بعض الحركات الإسلامية الخطاب المذهبي الحادّ تجاه المسلمين الشيعة، شكّل مناسبة لاستعادة أو لإنتاج حالة ضديّة مقابِلة، وربّما بات كثيرون من الشيعة يهمسون سرّاً أو جهراً، بفقدان العزم على تحرير فلسطين لأجلِ أناسٍ يميلون إلى الحالة السلفيّة وبالتالي يكفَّرونَ كشيعة من قبل أدبيّات «شيخ الإسلام ابن تيمية» ونحوها.
في المقابِل، وُضع الشيعة على أنّهم يعملون ضدّ الإسلام، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية قبل أكثر من سبعة قرون في أحد توصيفاته للرافضة (1) أو الشيعة بتوصيف هذه الأيّام، حيثُ يقول: «والرافضة هم معاونون للمشركين واليهود والنصارى على قتال المسلمين، وهم كانوا من أعظم الأسباب في دخول التتار قبل إسلامهم إلى أرض المشرق بخراسان والعراق والشام... وكذلك في الحروب التي بين المسلمين وبين النصارى بسواحل الشام قد عرف أهل الخبرة أنّ الرافضة تكون مع النصارى على المسلمين... وإذا غلب المسلمون النصارى والمشركين كان ذلك غصّة عند الرافضة، وإذا غلب المشركون المسلمين كان ذلك عيداً ومسرّة عند الرافضة» (2)، في ما بدا على أنّه استعادةٌ لمرحلة تاريخيّة بكلّها وكلكلها.
هي مرحلة غزو التتار لبلاد المسلمين، وإسقاط دولة الخلافة العباسيّة، واتّهام الشيعة بالتآمر على إسقاطها بشخص وزير الخليفة ابن العلقَمي ونصير الدّين الطوسي. وتمّ إلباسُ الأمر من جديد لتمكين الولايات المتّحدة الأميركية من احتلال العراق، وقتال حزب الله الشّيعي ضدّ القوى التي ترفع شعار «لا إله إلا الله محمّد رسول الله» وتعزم على استعادة الخلافة الإسلامية، إلى جانب قوى الكفر المتمثّلة بروسيا.
هذا المنطق لا ينبغي التهوين منه في رصد طبيعة المشكلة الثقافيّة وحجمها؛ تلك المشكلة التي شكّلت غطاءً – وما تزال – للكثير من الأحداث التي جرت باسم السنّة أو الشيعة، أو أُلبست لهؤلاء وأولئك، على مساحة المنطقة، في هذه المرحلة الحسّاسة جدّاً من تاريخ أمّتنا.

تعقيد الشعوب من الفلسطيني!

أيّاً يكن الأمر هنا، فإنّ تعقيد المحيط الشعبي من الفلسطيني ليس بالقضيّة الهامشيّة في حركة القضيّة؛ لأنّ الشعوب هي حاملة القضايا على مدار التاريخ وليست الأنظمة؛ بل تاريخ الأنظمة العربية عموماً يشي بأنّها كانت دائماً تمهّد للاحتلال احتلاله، وتعمل دائماً على الضغط على الشعوب وحركات المقاومة المنبثقة عنها، والتبرير للاحتلال وحمايته من أي إحراجٍ... وعلى هذا فإذا تعقّدت الشعوب وخفّ نبضُها الذي لم تستطع الأنظمة قمعه على امتداد تاريخ القضيّة، فإنّ الشعب الفلسطيني سيسهُل ضربُهُ وتهجيره، بل قد يكون الأمر مدعاةً للتشفّي لدى بعض الذهنيّات الساذجة، وبذلك يتمّ شطب القضيّة بالكامل.
انطلاقاً من ذلك، يصبح من السذاجة النظر إلى كل هذا الجدل المذهبي العابر للفضائيّات ومواقع التواصل الاجتماعي، وكلّ هذا التدمير الممنهج للمساجد والكنائس والأضرحة والمقامات وكلّ هذا التراث العمراني على امتداد مساحة هذا الوطن العربي، على أنّه تعبير عن أزمة تاريخية فقط لها علاقة بالنقاش حول الخلافة والإمامة.. وكأنّه أريد لشعوبنا أن تعتاد أعيُنها على استسهال ضرب المقدّسات وتدمير التاريخ وتغيير الجغرافيا، على خلفيّات دينية مقدّسة، تجعل الإنسان يُمارس الانتحار الثقافي باسم الله والدّين والأمّة، وحتّى باسم تحرير المقدّسات!

الجدل حول «الربيع العربي»!

لا ينفع كثيراً اليوم استمرار الجدل حول ما سمّي بالربيع العربي لجهة تحديد المسؤوليّات؛ فإنّ كثيرين ربّما ينظّرون اليوم أنّنا دخلنا في مرحلة الوضوح للمشاريع التآمريّة، وأنّ فلسطين كانت هي المقصودة؛ فقد قطع الرئيس الأميركي الشكّ باليقين، وهذا ما يرون على أنّه يدفع إلى صحوةٍ لدى الحركات الإسلامية التي تنافرت مواقفها في الأزمة السوريّة بالخصوص إلى شبه القطيعة، فحدّد حزب الله على لسان أمينه العامّ في مسيرة النُّصرة للأقصى التي دعا إليها أنّ الحزب سيتفرّغ الآن للقضية المركزيّة، فلسطين، وقابلته حركة حماس على لسان رئيس مجلسها السياسي من غزّة في تأكيده على أنّها ستعمل على «بناء تحالفات قويّة في الإقليم» وتجاوز المرحلة الماضية.
هذا الأمر كلّه لا يمنع من افتراض أنّ الساحة الشعبية ما زالت تحمل رواسب المرحلة الماضية على المستويين الشعوري والفكري، بمعنى أنّه ليس ما يمنع أن يعتقد فصيلٌ بخطأ فصيل آخر ومع ذلك يتحالف معه للمرحلة تحت ضغط الضرورة واختلال موازين القوى، من دون أن يعني ذلك أنّها تنطلق من بنية واحدة في مشروع تحرير ومقاومة يرتكز إلى أدبيّاتها الدينية وقواعدها التشريعية.


الشعوب هي حاملة القضايا على مدار التاريخ لا الأنظمة


وما يجعلنا نركّز الحديث هنا عن الشّعوب إنّما هو لضمان استمراريّة القضيّة على المستوى الحركي؛ لأنّ هذا هو الرهان الأخير – أعين الرهان على الحركات الإسلامية - بعدما أسقطت الأنظمة – عموماً - ورقة التوت فيما يخصّ قضية فلسطين حتّى بناءً على مبادرات التنازل العربية التي اعتبرها الكيان الصهيوني أنّها لا تساوى الحبر الذي كتبت فيه.
في كل الأحوال، لا ينفع الجدل هنا لأنّ الوقت لا ينتظر؛ والجدل فيما جرى يحتاج إلى نقاشات طويلة، بعضُها يرتقي إلى الرؤية التي يبني عليها كلّ فصيل قراءته لسنن التاريخ وحركة التغيير وتحقيق الأهداف الكبرى. لو تخيّلنا هنا أنّ واحدةً من المفردات المأزومة هي أنّ «الربيع العربي» كان يمهّد لإعادة الخلافة الإسلامية وتوحيد الراية، وبالتالي يصبح تحرير القدس تحصيلاً للحاصل، تماماً كما صنع صلاح الدّين. وبالتالي كان الوقوف في وجه هذا «الربيع»، ولا سيّما في سوريا، يصبُّ في خدمة العدوّ وتكريس احتلاله لفلسطين. وفي مقابلها قراءة ترى أنّ هذه الفكرة خيالٌ وإسقاط على التاريخ من دون ملاحظة المتغيّرات بين الماضي والحاضر، وبالتالي كان شطب القضيّة كلّها هو النتيجة البديهيّة لسقوط سوريا.
الموضوع برمّته شائك على مستوى النُّخب، فكيف بالشعوب؟! وتحتاج الحركات الإسلامية إلى مسافة طويلة لغسل ما أوغرَ صدر جماهيرها المتنوّعة؛ لأنّ الأمر لا يرتبط بالبُعد الحركي فقط، وإنّما بإعادة إنتاج الهويّة الإسلامية ومنهج إنتاج المعرفة الدّينية وقراءة التاريخ وما إلى ذلك ممّا يمثّل نهضة أمّة.

إعادة تصويب فكر القضية

ولأنّ الوقت لا ينتظر؛ فإنّ من المفيد لنا إعادة صوغ وبيان لقضايا بديهيّة حسبنا لفترة أنّنا لن نحتاج إليها بفعل وضوح قضيّة فلسطين في أذهان الشعوب، ويقينية الحقّ فيها؛ فإذا الشكّ والقلق المعرفي الذي يطبع كلّ مساحة المعمورة اليوم، والذي اهتزّت فيه يقينيّات كثيرة، يسري إلى القضيّة الواضحة، وهي فلسطين والقدس!
لا نحتاج إلى أن نختفي وراء الإصبعٍ لنعتبر بأنّ البُعد الفكري والفقهي للقضيّة ما يزال واضحاً لدى أجيالٍ تغيّرت حتّى باتت تعتبر أنّ الدين كلّه بالنسبة إليها تلقينٌ ومقولات جاهزة تُلقى من على منابر المساجد، فكيف بقضيّة تضافرت عليها الدول الكبرى، والمنظمات الدولية، وتآمرت عليها كيانات ودول عربيّة وإسلاميّة، وتقادَم عليها الزمن، وخلقت على أرضها فتنٌ شاب فيها الصغير، وأقحمت في مذهبيّات تقتاتُ من قرونٍ غابرةٍ بكلّ ما فيها من مشاعر معقّدة وتناقضات شديدة. ولو قمنا باستطلاعٍ للشارع، ولوسائل التواصل الاجتماعي، لوجدنا أنّ شرعيّة القضيّة وضرورتها ليست بهذا الوضوح، وإنّما يساهم في حضورها حضورُ قياداتٍ في وجدان النّاس ما تزال قادرة على التحشيد إذا ما دعت لحركة أو لتظاهر...
هذا كلّه، إذا غضّينا الطرف عن أنّ القضيّة أصبحت قضايا؛ ففلسطين أصبحت للبعض غزّة والضفّة، ولآخرين خاضعة للتفاوض، ولقسمٍ هي ما تزال من النهر إلى البحر. واليوم يُطرح شطب القضية كخيارٍ، ليكون الأمر «ترانسفير» كبيراً للفلسطينيّين إلى الأردن أو سيناء، لتصفو الأرض كلّها للصهاينة، كما بدأ المخطط وكما عُمل له باستمرار.
أمام ذلك كلّه يبدو أنّنا معنيّون بإعادة التأكيد على المبرّرات التي تحتّم علينا الالتزام بالقضيّة، وهذه المبرّرات ذاتُها هي التي تحدّد لنا أيضاً عن أيّ قضيّة نتحدّث، وما هو موقعها من التزاماتنا المتنوّعة.
وما سأطرحه هنا هو القراءة وفق القواعد الفقهيّة الإسلاميّة أوّلاً، ثمّ مصلحيّاً ثانياً، وأخيراً انطلاقاً من الاستراتيجيا الإنسانية فيما يرتبط بموقع القضيّة من الصراعات الكبرى على مستوى سياسة العالم واتّجاهاتها.

القضية في الميزان الإسلامي

ثمّة أدبيّات وقواعد يؤمن بها أتباع كلّ المذاهب الإسلاميّة، وهذه القواعد والأدبيّات تنطبق على قضيّة فلسطين، وهو ما ينبغي إثارته ضمن عناوين مترابطة، ونبني تنظيرنا على المجموع في نهاية المطاف:
١ـ مبدئيّة رفض الغصب:
يُعتبر الغصب أحد العناوين الفقهية الثابتة، والتي ترتبط بالحقوق التي يعتدي عليها شخصٌ أو جهة ما، فإنّ هذا الاعتداء لا يجعل تلك الحقوق ملكاً للمعتدي عليها، وإنّما هو مطالَبٌ دائماً بإرجاعها إلى أصحابها، وإذا مات الإنسان أو انعدمت الجهة فإنّ الورثة لذلك الإنسان أو لتلك الجهة مطالَبون بإعادة الحقّ إلى أصحابه.
هذا يفتح بنا على مبدأ إنسانيّ، وهو أنّ تقادُم الزمن لا يُلغي الحقوق، وهو الأمر الذي لا يبرّر لنا فحسب، وإنّما يحتّم علينا أن نبقى نطالبُ ونتحرّك لإرجاع الحقّ إلى أصحابه.
٢ـ تنازل أهل الأرض:
يطرح كثيرون أنّ أهل الأرض إذا تنازلوا عن جزء من أرضهم، وحتّى عن أرضهم كلّها، فهذا يُلغي الحقّ، وبالتالي يصبح تملّك الغاصب شرعيّاً، وهذا يعني أنّ القضية الأولى لا يعود لها موضوع!
ولكنَّ هذا المنطق يقوم على مغالطة، وهي أنّ أهل الأرض يتنازلون بإرادتهم، والحال أنّ كلّ ما حول فلسطين، منذ بدء احتلالها وحتى الآن، هو استمرار الضغط والإكراه على الفلسطينيّين، قتلاً وتدميراً وتضييقاً وحصاراً، حتّى يُدفعوا إلى أن يتركوا الأرض، أو إذا لم يتركوها أن لا يتمكّنوا من توريثها لأبنائهم... وهذا يعني أنّنا أمام قبول بالإكراه، وأيّ تنازلٍ عن إكراه لا يكون شرعيّاً ولا قانونيّاً!
٣ـ الأوطان ليست قطعة أرض:
ثمّة أمرٌ في غاية الأهمّية، وينبغي الوقوف عنده في فكر الاجتماع السياسي، وهي هل أنّ الأوطان عبارة عن قطعة أرض يمكن أن تُشرى وتباعَ قياساً على الأفراد؛ أمْ أنّ الكيانية السياسية ملكيّتها أوسع من دائرة الجيل الحاضر، ويشمل الأجيال القادمة التي لها حقٌّ مفترضٌ في الوطن والكيان. تماماً كما لا تُعتبر الدّيون التي على بلدٍ معيّن هي ملك الجيل الأوّل، بل هي توضع على الشّعب كشعبٍ، وبالتالي تصبح الأجيال الآتية كلّها مسؤولة عنها ولا يُعفى منها البلد لو فني الجيل المدينُ بأكمله!
على هذا، فلا يملك الجيل الذي احتُلّت فلسطين في عهده وزمانه الحقّ في بيع هذه الكيانية، ولا ما يؤدّي إليها؛ وبالتالي فإنّ تقزيم القضيّة إلى قضيّة عقارٍ يُباع ويُشترى غير صحيح ولا منطقي، ولا ترضاه أيّ دولةٍ تشعرُ أنّها عُرضة لمثل هذا النوع من التغيّرات.
٤ـ مبدئيّة إنكار المنكر:
ورد في الحديث عن رسول الله (ص) أنّه قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (3).
يحمّل الحديث – بوضوح – كلّ إنسان مسلم – مسؤوليّة تغيير المنكر، والمنكر هو كلّ ما يتناقض مع إرادة الله تعالى حيث تتمّ مخالفته على أرض الواقع... ويضع الحديث ثلاث مراتب لتغيير المنكر:
أــــ التغيير المباشر.
ب ـــ التغيير غير المباشر؛ وذلك بواسطة التوجيه الذي يدفع مرتكب المنكر إلى تغييره.
ت ـــ الإنكار القلبي.
قد نفهم التغيير المباشر على أنّه تحريك الآليّات المتاحة في سبيل تغيير الواقع؛ وهذا يفترض أن تكون أسباب التغيير بيد الإنسان؛ كمن كان صاحب سلطة وله الحقّ بأخذ قرار بإيقاف سلوكٍ ما، فهذا واجبه أن يصدر هذا الأمر وبالتالي يتحقّق التغيير بشكل مباشر.
البعض قد يفهم التغيير المباشر على أنّه استخدام العنف حتّى ممّن لا حقّ له باستخدامه، كما يوحي بذلك الأسلوب الغليظ الذي تعتمده جهاتٌ سلفيّة؛ وهذا قد يكون فهماً خاطئاً؛ لأنّ كثيراً من الوقائع والتجارب أثبتت أنّه قد يساهم في تكريس المنكر وليس تغييره، ويخلق حالة من الفوضى في المجتمعات. وبالتالي يجب أن يكون التغيير ضمن النظام الذي يحتكم إليه الناس، وبالتالي يكون التغيير بأدوات الواقع؛ إلا في حالات استثنائيّة قد تتطلّب حالة ثوريّة للتغيير؛ لأنّ النظام نفسه أصبح منغلقاً على أيّ عمليّة استخدام للحقوق المشروعة.

لا ينفع اليوم استمرار الجدل حول «الربيع العربي» لجهة تحديد المسؤوليّات


في كلّ الأحوال، نُريد أن نركّز على مفهوم «أضعف الإيمان» الذي ذكره الحديث، وهو قد يعني الحد الفاصل بين أن تكون مؤمناً وبين أن تخرج من دائرة الإيمان؛ وبالتالي لا يسمح الحديث للإنسان المسلم في أن يقبل بالأمر الواقع، بحجّة أنّه لا يستطيع تغييره مباشرة ولا بشكل غير مباشر. وعليه، فإذا رجعنا إلى هذا الكيان، لوجدنا بأنّه كيانٌ غاصبٌ للأرض، قد شيّد بنيانه على قاعدة المجازر والتجاوز لكل نظام الحقوق الإنسانيّ.. وبالتالي لا يجوز للمسلم القبول بشرعية دولةٍ اسمُها «إسرائيل»؛ لأنّه يعني – بمنطق الحديث عن رسول الله (ص) – تجاوز حدّ الإيمان إلى خارجه، وكلُّ ما يخرج عن دائرة الإيمان يندرج في دائرة الكفر والباطل والضلال، وبالتالي لا يكون جائزاً للمسلم أن يقاربه.
بل إنّ المسلم مُطالَبٌ بتفعيل آليّات المحافظة على هذا الحدّ، بمعنى أن المسلم مسؤول عن تفعيل حركة المقاومة لكل قوى الأمر الواقع التي تعمل – ضمن ما يسمّى بالحروب الناعمة التي تستهدف التطبيع الفكري والثقافي – على أن يتقبّل الأمر الواقع شيئاً فشيئاً حتّى يصل إلى مرحلة إعطائه الشرعية.
إلى هذا التنازل اللاشعوري غالباً يشير حديثٌ مرويّ عن رسول الله (ص) يقول: «كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ فقيل له: ويكونُ ذلك يا رسول الله؟! فقال: نعم وشرٌّ من ذلك؛ كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ فقيل له: يا رسول الله، ويكونُ ذلك؟ قال: نعم، وشرّ من ذلك؛ كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً» (4).
هذا الحديث يؤكّد أنّ السكوت عن الفساد أو المنكر أو على عدم ملاءمة الواقع للمعايير الواجب اتّباعها لا تنحصر آثاره في الواقع نفسه، وإنّما تصل تداعياته على الإنسان نفسه، سواء كان هذا الإنسان مجتمعاً أو فرداً؛ ذلك أنّ الواقع يرتبط بالمجال الذي يحيا فيه الإنسان، وهذا المجال يتمّ تكييفه ليخدم وجهة معيّنة من حياة الإنسان؛ فإذا كان نظاماً ملائماً للقيم والمعايير الواجب اتّباعها فردياً وجماعياً فهذا النظام يوصف بالصَّلاح، وإذا كان – على العكس - غير ملائم لكل ذلك وُسم هذا النظام بالفساد... ونتيجة كلٍّ من الحالتين هو تأثيرٌ إيجابيّ في الحالة الأولى، بحيث ينعكس صلاح النظام بشكل لا شعوريّ على توجهات الناس، فنجدهم ينخرطون في تطبيق القيم حتّى بشكل لا شعوري، كما ينعكس فساد النظام أيضاً بشكل لا شعوري، فنجد النّاس مضطرّة لسلوك أحد خيارين:
الأوّل: المقاومة الدائمة لفساد هذا النظام بالفعل والتوجيه والتربية وما إلى ذلك من وسائل متاحة، وبالتالي الحدّ من تأثيراته على النفوس... وهذا يتطلّب وعياً وصبراً كما هو واضح.
الثاني: المماشاة للأمر الواقع، وهنا تفرض علينا آليات النظام المتّبع أن ننخرط في إطارها؛ لأنّ الحياة تتوقّف على هذه الآليّات التي هي فاسدة حسب الفرض، وهي غير منسجمة مع المعايير وقيم الفرد والجماعة، وبالتالي يفرض الاستسلام للنظام الفاسد أن يخالف الإنسان قيمه ومعاييره، وهذا في حدّ ذاته موجبٌ للقلقِ النّفسي وعدم الراحة.
الثالث: انقلاب المفاهيم؛ لأنّ الاستمرار مع القلق يغدو حرجاً على الإنسان كلّما امتدّ به الزمن وتعقّدت أوضاع الحياة، وعندئذٍ تنزع النفس نحو إضفاء الشرعية على الأمر الواقع، فيصبح الباطل حقّاً والحقّ باطلاً، ويصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً، وبذلك يخرج الإنسان من حيّز الإيمان حيث تنقلب لديه المفاهيم، ويصبح الواقع – الأمر الواقع - هو الذي يفرض القيم وليس العكس.
لو لاحظنا اللاءات العربية التي بدأت منذ إعلان الكيان الصهيوني عام ١٩٤٨ حيث «لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف»، وشيئاً فشيئاً كانت الوقائع التي تضنعها دول الاستكبار وتتحرّك على وقع المؤامرات تُسقط اللاءات واحدة تلو الأخرى، حتّى وصلنا إلى حالٍ تحوّل فيه الكلام عن تحرير فلسطين إلى أمرٍ غير واقعي، والكلام عن مقاومة مسلّحة أصبح إرهاباً وضد السلام، ومصافحةُ مع الكيان الصهيوني أصبحت انفتاحاً وتسامحاً ولقاء أديان، وأمّا العداوات فانقلبت، فتحوّل الكيان الصهيوني إلى صديق، وتحوّلت إيران التي عمرها في المنطقة أكثر من خمسة آلاف سنة إلى عدوّ للكثيرين!
وعلى هذا الأساس، فلا خيار للمسلم في أن يقبل أو لا يقبل باحتلال فلسطين... لأنّه إذا قَبِلَ بالاحتلال فهو لا يفي بالتزامه الإيماني وهو بالتالي يجانبُ شرع الله إلى شرع الطاغوت، بحسب التعبير الديني.
وعندما تُطرح مسألة التطبيع مع العدوّ الصهيوني، بأيّ لونٍ من ألوان التطبيع، فإنّنا لا نتحدّث هنا عن موقف سياسي، وإنّما موقف شرعي؛ لأنّ عدم التطبيع تعبيرٌ آخر عن إنكار المنكر بالقلب، حيث المطلوب إبقاء المنكر مُنكراً في القلب، لا أن يتحوّل إلى أمرٍ عاديّ مقبولٍ في الحياة. وعلى هذا كان ابتكار الآليات التي تحافظ على الذاكرة الجمعية لوناً من ألوان الواجب السياسي الشرعي الذي لا يقلّ أهمّية عن أي واجبٍ شرعيٍّ آخر كالصلاة والحجّ.
استناداً إلى كلّ ما تقدّم، لا يكون التزامنا بتحرير فلسطين إلا تعبيراً عن التزامنا بإسلامنا وشرعنا من دون فرقٍ بين أن نكون سنّة أو شيعة، وبهذا المعنى لا يمكن التنازل عن شبرٍ من فلسطين، ولا تعود قضية المفاوضات مسألة سياسية بحتة، وإنّما هي مسألة ترقى إلى مستوى الحرام الشرعي عندما تكون حول التنازل عن شيء من الأرض.
ولا بدّ من التأكيد أخيراً على أنّه عندما ينطلق السنّة والشيعة من قواعد اجتهادهم، من آيات الكتاب وسنّة النبيّ وسيرة أهل البيت والصحابة والسلف، فإنّ فلسطين لديهم ستكون فوق المذهبية، وإنّ مذهبة القضية أو تطييفها لتتحوّل إلى عنصر صراعٍ بدلاً من أن تكون موضع إجماع إسلاميّ يمثّل خيانة السنّة لسنيّتهم، وخيانة الشيعة لشيعيّتهم. ومن هنا نفهم لماذا كانت الوحدة الإسلامية من الممنوعات دوليّاً، وأنّ كلّ تاريخ الصراع كان يستهدف دائماً إبقاء جذوة الفتنة بين السنّة والشيعة حيّة.
وإذا كانت مآلات الأمور منذ انطلاق ما يسمّى بالربيع العربي أن جنت الأحداث وتعقيداتها على فلسطين، فإنّ عماد استعادة الدفّة إلى مسارها الصحيح هو الحركات الإسلامية، السنّيّة والشيعية، ولا سيّما حركات المقاومة؛ لأنّها التي لا تزال تملك قدرة التأثير في جماهير عريضة على امتداد العالم العربي والإسلامي.
المسؤولية التاريخية اليوم على عاتق المقاومة الإسلامية في لبنان والمقاومة الإسلامية في فلسطين، لا كمشروعين جهاديّين عسكريّين فقط، وإنّما كمشروع فكري ثقافي أيضاً، يتطلّب إعادة إنتاج القضية فكريّاً؛ لأنّ الأجيال الجديدة التي تشرّبت الفتنة المذهبية خلال الأعوام الماضية باتت تحتاج إلى تشكيل قناعة بالقضيّة المركزية من الصفر.
ومن نافل القول إنّه لا بدّ من العمل على تفكيك الألغام العقدية والفكرية بين السنّة والشيعة، وذلك بإعادة إنتاج الفكر الإسلامي، وغربلة التراث لدى الفريقين من كلّ ما علق به لأسباب متنوّعة، جُلُّها تاريخي، حتّى لا نتحمّل في كلّ مرحلة من تاريخ الأمّة نتيجة الثغرات التي ينفذ من خلالها أعداء الأمّة، ليضربوا الفريقين معاً. وهذه وإن كانت تمثل مساراً طويلاً، إلا أنّها لا بدّ أن تبدأ بعد أن اختبر الجميع عورات لا يُستهان بها، سواء في منهج الاجتهاد، أو في آليّات فهم النصوص الدينية، في التجارب المتطرّفة في الخطاب أو في الحركة.

حوار الأديان مدخل خاطئ!

يبقى أن نُشير إلى أنّ واحداً من المداخل الخاطئة لمقاربة القضيّة هي حوار الأديان، على اعتبار أنّ من احتلّ فلسطين هم يهود، وبالتالي نحن مأمورون كمسلمين بجدال أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وعلى هذا انطلقت بعض المراكز الكبرى في بعض الدول العربية لحوار الأديان، في ما بدا أنّه تمهيد لجعل الحوار مع اليهود المحتلّين جزءاً من حوار الأديان.
من ذلك أيضاً من أو ما جعل قضية القدس قضية سياحة دينية، حيث هي المدينة التي ينبغي أن تكون مزاراً لكل الأديان، سواء للمسلمين أو المسيحيين أو اليهود، وكأنّ المشكلة هي مشكلة دينية للمدينة، وليست مشكلة سياسية.
وهنا لا بدّ من التأكيد على أنْ لا مشكلة مع اليهود أو اليهوديّة كدين أو أتباع دين، وهم جزءٌ من أهل الكتاب، ولكنَّ القضية في فلسطين ليست قضيّة دينية، وإنّما هي قضية سياسية واستعمارية لأرضٍ لشعبٍ طُرد من أرضه، وبالتالي لا تخضع لأي مسارٍ ديني للحوار؛ بل الله تعالى صرّح في كتابه: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسنُ إلا الذين ظلموا منه» (5)، فالاستثناء هو استثناء من الحوار؛ لأنّ اليهود الذين احتلّوا فلسطين ظالمون، والظالم لا خيار معه إلا الإقلاع عن ظلمه وبالتالي الخروج من احتلال والعودة إلى حيث كان.

البُعد العالمي لقضية التحرير

القدس اليوم – بتمثيلها كلّ قضية فلسطين، جغرافية وتاريخاً وإنساناً – هي الوجهُ السّافر للنظام العالمي الراهن. نظام وعد بلفور وترامب... واللائحة الآتية ممّن يكملون مشروع الاستعمار. نظام يحمي فيه عصابات الإجرام ويمنع عنها أيّ محاسبة. نظام يفتح الحدود لكلّ حركات القتل والتدمير طالما تخدم مصالحه. نظام ينادي بالحرّية والقمع على صعيدٍ واحدٍ. نظام يبتزّ الشعوب بما يأخذه من جيوبها ثمّ يمعن في إفقارها. نظام تغيبُ عن ممارسته كلّ قيم الأديان الحقيقيّة باسم مصالح السّوق ورهن الشّعوب. نظام تحكم فيه القوّة كلّ قيم العدالة والإنسانية، ولا تحكم العدالة فيه القوّة... القوة التي لا تقلب الوقائع فحسب وإنما تقلب المفاهيم؛ فيصبح الأمر أن علينا أن نطالب للفلسطينيين بدولة، وأن نبرهن أن المقاومة ليست إرهاباً، وأن أصحاب الأرض يحق لهم أن يعودوا إلى أرضهم ووطنهم.
ولذلك تتحوّل قضية تحرير فلسطين إلى قضية إنسانية عالمية، لا ترتكز فقط إلى مبادئ الأديان، وبهذا تجمع فلسطين القضية كلّ الجهات الحرّة على امتداد قيم المعمورة التي ترى في النظام العالمي نظاماً جائراً لا بدّ من إعادة تصويب مساره. ولا يعود البُعد الدّيني الذي حاولنا التركيز عليه أعلاه، أحد أهمّ الأبعاد الفعّالة في خطّ المواجهة والمقاومة والتحرير، والذي لا ينغلق عن الأبعاد الأخرى التي يجب تفعيلها أيضاً ليضمّ ذلك الخطّ أوسع جبهة ممكنة.

المراجع

(1) الرافضة مصطلح بدأ سياسياً، يعطي معنى المعارضة هذه الأيام، ولكنّه حُمّل – بفعل تعقيدات الصراع الديني – معنىً دينيّاً فتحوّل إلى مصطلح عقدي يرتبط بصورة محدّدة لمن رفضوا بيعة الخلفاء الثلاثة الراشدين، وهم تحديداً الشيعة – غير الزيدية – بتوصيف هذه الأيام، وينتج عن هذه الصورة سلوكيّات ومواقف ذات منحى فقهي، كالكفر والزندقة وما إلى ذلك.
(2) ابن تيمية، الشيخ أحمد بن عبد الحليم الحراني، الفتاوى الكبرى، ج٣، ص٥٤٥-٥٤٦.
(3) صحيح مسلم، ج١، ص٥٠.
(4) الكليني، الكافي، ج٥، ض٥٩.
(5) القرآن الكريم، سورة العنكبوت، ٤٦.

* أستاذ حوزوي وجامعي