أشياءٌ كثيرةٌ في الحياة تستعصي على الفهم، وأحداثٌ جمةٌ نقف حيالها حائرين مرتبكين لا نجد لها تفسيراً أو تعليلاً منطقياً. وكلّما كان الواقع زاخراً بالمتناقضات والمفارقات كلّما كان مدعاةً للاستغراب والصّدمة. وخير شاهدٍ على ما تقدّم، مثالاً وليس حصراً، واقعنا اللّبنانيّ؛ بلد الغرائب والعجائب أو وطن المفارقات العميقة والقاسية. فلا وطن بالمعنى الحقيقي والواقعي لمفهوم الوطن، بما يعني من كيان مستقل ومنتظم وفق منظومة معقّدة ومتناسقة ومتّسقة من المؤسّسات، ولا هو أيضاً كيان هلاميّ أو متخيليّ لا واقع محسوس له، وهنا تكمن الإشكاليّة البنيويّة في الانتماء اليه بما يمثّل هذا الانتماء من دلالاتٍ وأبعادٍ اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ وعاطفيّة...


واللّبناني يقف إزاء هذا الواقع الإشكاليّ والعويص موقف الإنسان الغارق في دوّامة الفراغ والضّياع، والمراوحة القاتلة لكل أحلامه وآماله، وهو ينظر من حوله إلى عالم يتغير بسرعة قياسيّة مذهلة، وهو أيضاً المشدود بقوّة الى فكرة تميّزه وأسبقيّته وتقدّمه على محيطه العربي في الانفتاح على كل ما هو جديدٌ وحديث.
فالمواطنيّة هي أولاً وأخيراً فعل انتماءٍ والتفافٍ وتكوّرٍ حول مجموعة مفاهيم قيميّة تكتسب قوتها الجوهريّة من خلال توازن العلاقة بين الفرد والجماعة من ناحية، وبين مؤسّسات الوطن من ناحية أخرى، وأيّ إخلال بهذه المعادلة ولو كان عابراً أو سطحيّاً أو مرحليّاً قد يفتك بأسس هذا التّوازن ويطيح بالمؤّمل والمنشود منها. وإذا تعمّق الخلل بفعل تراكم الإخفاقات والانتكاسات يصبح عندها مفهوم المواطنيّة أمام خطر الإمحاء والتّلاشي وتصبح معه كلّ الأسئلة الوجوديّة والكيانيّة مشروعة لا بل ملحّة، لأنّ المواطن هو في المحصّلة إنسان لا يملك الحقّ في التّلاعب بقوانين الحياة في كلّ زمانٍ ومكانٍ. ومن قوانينها التّي لا رادّ لها هي أن الوطن يمثّل، اجتماعيّاً وثقافيّاً واقتصاديّاً ووجدانيّاً الحضن الآمن لأبنائه، وغياب أو تلاشي هذا الحضن ينتج عنه بالضّرورة التّفاعليّة انكسارٌ حادٌ للإطار الجامع وشرخٌ عميقٌ، عموديٌّ وأفقيٌّ، في النسيج الوجدانيّ والإنسانيّ، وقد يتجاوز الخطّ الأحمر المتمثّل في تكبيل إرادة الفعل التضحويّ المنبثق أساساً من مفهوم الروح الوطنيّة.
وعليه، فإنّ لبنان الواقع تحت تأثير حالاتٍ متعددةٍ من التمزّق الداخليّ والفوضى العارمة والفساد المتغلغل حتّى النخاع في مؤسّساته الهرميّة، بالإضافة إلى خطابه السياسيّ الذي يعكس حالة الهشاشة والميوعة التي تستبد بكل مناحي الحياة فيه، قد أفرز واقعاً مأزوماً بات يحاصر اللبنانيّ في مختلف مطالبه الحياتيّة الضروريّة، وأضحى يهدّد... وهنا الأخطر والأدهى؛ بنيته الاخلاقيّة ونسيجه القيميّ وكيانه الانسانيّ، حتى ليمكن القول بأن السيّل قد بلغ الزّبى لناحية الاقتراب من الانزلاق العدميّ واللارجوعيّ.


من يرتضي العيش في ظل «جماعة» لن تكتب له الحظوة في وطنٍ مستقلّ

فاللّبنانيّ الّذي يتجرّع كلّ يومٍ كأس الخيبة والمهانة، ويعضّ على جراحه ويكتم آهاته، ولا يملك حقّ تقرير مصيره الذي أصبح مستباحاً ومنتهكاً من أحزابٍ وقوى سياسيّة لا تتقن من أبجديّة المواطنيّة سوى شعاراتٍ خاويةٍ وخطاباتٍ جوفاء، ومن قاموس الانسانيّة غير ترديد لمفرداتٍ فارغةٍ من أي محتوى.
ومع تعمّق الأزمة وانسداد الأفق وتنامي الإحساس لدى المواطن بأنّه ضحيّة ابتزازٍ واستغلالٍ متوحّشين، مع عجزه الكليّ عن تغيير المسارات أو اختيار معابر أخرى للتّخفيف من معاناته اليومية، مع كل هذا وأكثر بات يتساءل اليوم: «هل تستحقّ الأوطان الفاسدة، الظّالمة لأبنائها والقابضة على مصائرهم بقوّة الحديد والنّار أو بالنّفوذ والاستئثار، والمستهترة بأحلامهم المشروعة ومطالبهم المحقّة، هل تستحقّ مثل هذه الأوطان أيّ شكلٍ من أشكال التّضحية؟ أليست العلاقات الإنسانيّة بكلّ مستوياتها وأنماطها مبنيّة على الأخذ والعطاء وعلى الجزاء مقابل البذل؟».
طيلة عقودٍ منصرمةٍ واللّبناني لم يبخل في تقديم نفسه وقوداً للمدافع وحطباً للحروب وكبش فداء لتسويات مختلفة... وليس هذا فقط، بل وجد نفسه بحكم تطوّر الأحداث المتجاوزة لإرادته، منساقاً إلى دهاليز العبث السّياسيّ ومستنقعات الابتزاز الطائفيّ ووحول التّناطح المذهبيّ والتّصارع الكيديّ حتى أصبح مستنزفاً ومنهكاً في رمقه الأخير.
ويتساءل، ماذا قدّم له الوطن غير الخيبات المتكرّرة والانكسارات المتلاحقة والمهانات القاسية؟ وماذا وفّر له ولأولاده من مقوّمات الحياة الإنسانيّة والعيش العزيز والكريم؟ ويتساءل أيضاً، وهو القابض على أحلامه كالقابض على الجمر، إلى متى سيبقى مادّة للابتزاز في لقمة عيشه، ودمية للعبث السّياسيّ والتّراشق الإعلاميّ في تقرير مصيره، وكبش فداء للنزاعات الكيديّة والمصالحات الكاذبة؟ وماذا زرع غير فلذات أكباده في كلّ ركن من أركان وطنه حتى يحصد كلّ هذا الواقع الفاسد والفوضويّ والعابث، وكلّ هذا الكمّ من الاستهتار بأمنه الصّحيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ! ومتى قصّر أو تقاعس أو تخلّف في الذّود عن وطنه حتى يصار الى تسميم حياته بصفقاتٍ مشبوهةٍ ومشاريع استغلاليّةٍ وانتهازيّةٍ وتلويث أنفاسه بالرّوائح المنبعثة من أكوام النّفايات المنتشرة هنا وهناك؟
وكل تساؤل مبني على مفارقات صارخة غير مفهومة منطقيّاً وأخلاقيّاً هو مشروعٌ لا بل واجبٌ وضروريّ، لأنّ السّكوت يكرسّ حالة التّخدير والتّهميش والاستهتار، ويعزّز رصيد العابثين بأحلام النّاس ومستقبلهم. وعلاوة على ذلك، هو يضع المواطن أمام نفسه لمراجعة ذاتيّة نقديّة يمارس من خلالها حقّه وواجبه في محاولة تصويب المسار وتصحيح البوصلة وتقويم الاعوجاج، وهي محاولة حتماً ستكون شاقّةً ومجهدة ومكلفة لأنّها تطال أسلوبه في التّفكير ورؤيته العميقة لوجوده الإنسانيّ ونظرته الحقيقيّة والواقعيّة لمجموعة حقوقه بإزاء واجباته. وهكذا محاولة لن يكتب لها النّجاح والموفقيّة إذا لم تقترن بشرطها الجوهريّ المتمثّل في حريتّه واستقلاليتّه في التّفكير والتّعبير ومن ثم التّغيير.
فالحرية فعل تحرّرٍ، يحفّز الفرد المواطن على الاانعتاق من كل ما هو حيزيّ أو انغلاقيّ أو تقوقعيّ، إلى ما هو أرحب إنسانيّاً وفكريّاً وتعامليّاً... فالفرد الذي يرتضي العيش طيلة حياته في ظل جماعة بعينها (طائفة أو مذهب أو عشيرة أو حزب) ويخشى فكرة مواجهة الحياة بعقله المنفتح وخياره الحرّ وفرديتّه الإبداعيّة الخلّاقة، لن تكتب له الحظوة في وطنٍ مستقلّ وغدٍ أفضل.
ومن هنا كان التساؤل واجباً أكثر منه حق وأصبح معه التّغيير ولو ضمن المساحات الضيّقة، ضرورة لا بد منها. والضرورة هنا رغم كلفتها الباهظة تبقى أرحم بكثير من ذاك الإحساس القاسي بالغربة داخل الوطن.
* كاتب لبناني