لم يكن ضرباً بالغيب توقع الفشل في جولة جنيف الثامنة (28/11/2017). فهذه الجولة لم يكن يُؤمل منها إلا أن تكون مثل سابقاتها، وذلك مع استمرار غياب اتفاق أميركي - روسي على إيجاد حل سياسي للحرب المستعرة في اللحم السوري منذ أعوام.

تستعجل روسيا الحل، فهي مُكلفة لاقتصادها ولآتها العسكرية.

واستراتيجيتها جليّة للعيان: العمل بمنتهى المرونة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. عدم قطع صلة الوصل مع أي منها مهما اختلفت الرؤى والمصالح! ولكن مع هذه المرونة المذهلة مع الأميركيين والإيرانيين والسعوديين والقطريين والأتراك والأكراد... تعمل على تغيير الوقائع على الأرض منذ سنتين، وهي تعرف أن تغيير ميزان القوى سيؤدي ـ شاء من شاء وأبى من أبى ـ إلى تغيير الرؤى وسلّم المصالح، وإكراه الأطراف الأخرى على تقديم التنازل تلو التنازل على طاولة التفاوض!
هكذا وقّعت روسيا على بيان جنيف الأول في حزيران 2012، ووافقت على القرارات الدولية الخاصة بسوريا عامي 2015 و2016 المتعلقة بالتسوية السياسية، لكنها في الوقت نفسه قصفت داعش وهزمتها، وقصفت وحاصرت عشرات المجموعات المسلحة مثل جبهة النصرة وجيش الإسلام وجيش الفتح رغم التباينات بينها. كانت تبسط سيطرتها وسيطرة النظام على مساحات متزايدة من الأرض السورية وتتيح لقوات حليفها التقدم. هكذا نجد أنه بعد سنة من إعلانها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول الإقليم عن قيام الهيئة العليا للمفاوضات إثر اجتماع فيينا (30/10/2015)، راحت تعمل على قرض مصداقية الهيئة العليا وتمثيلها للمعارضة المولجة بمفاوضة النظام! لأنها اعتبرتها لم تعد تستجيب لتغيرات الواقع العسكري! فرعت منصة موسكو، ونفخت الحياة في منصة القاهرة! ورتبت اجتماعات أستانا العسكرية، ووضعت كل ما تملكه من عصي في عجلة مؤتمر الرياض2، ثم راحت تهيئ الأجواء والأشخاص والمنظمات لوراثة جنيف في «سوتشي» الذي تريد منه أن يكون ترجمة لتغير المعطيات العسكرية، وشاهدة قبر لجنيف 1، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة! وكأنها تقول: إن من يرتفع صوته اليوم هو من يمتلك القوة لا... الحق! وعلى مذبح القوة هذه تذهب حقوق الشعب السوري في مرحلة انتقالية وهيئة حكم كاملة الصلاحية، وفي الحرية والتغيير والديمقراطية... أدراج الرياح!
غير أن روسيا الاتحادية ليست اللاعب الكبير الوحيد اليوم في سورية. فالولايات المتحدة - التي لن يكون هناك مخرج حقيقي من أتون الحرب دونها - لا زالت تملك أوراقاً كثيرة، فبالإضافة الى سطوتها على دول الإقليم المناوئة للنظام؛ ودعمها للحرب على داعش في الرقة ودير الزور، هناك منطقتان في الجنوب وعلى الحدود العراقية تحت هيمنتها، إضافة الى منطقة الجزيرة شرق الفرات والمسيطر عليها من قبل قوات «قسد» والتي تقدر مساحتها بربع الأراضي السورية! هذا إضافةً للقوى الإقليمية وبخاصة إيران التي يزداد حضورها مع الأيام انعكاساً لدورها العسكري المتعاظم.
يحدث ذلك وسط متغيرات عديدة في المنطقة:
1. نجاح المساعي الروسية في اختراق الجبهة الإقليمية المواجهة للنظام، وذلك بتشكيل تحالف روسي - إيراني - تركي، أي سحب تركيا من الجبهة الإقليمية المناوئة للنظام، وضمها لتحالف سياسي يترجم التقدم العسكري الروسي - الإيراني على الأرض وفي نفس الوقت يحفظ المصالح التركية.
2. انزياح تدريجي في مواقف المملكة السعودية في ما يتعلق بالحرب في سورية، لصالح تركيز اهتمامها على الحرب في اليمن، وعلى ترتيب أوضاع بيتها الداخلي! يتجلى ذلك في ميلها للحل السياسي لا العسكري الذي كان عامود سياستها تجاه سورية، منذ 2011، وفي ضغوطاتها اللينة على الهيئة العليا للمفاوضات، وعلى الأطراف العسكرية المموّلة من قبلها. وفي العلاقات الدافئة مع روسيا.
ولا يخفي نفسه هنا تأثير الاشتباك القطري السعودي على الصراع المسلح في سورية الذي أربك المجموعات الممولة من قبل الطرفين، إضافة للتفارق بينهما في ما يتعلق بالإسلام السياسي: ففي الوقت التي تتشدد فيه قطر في دعم الإخوان المسلمين، والمجموعات المسلحة القريبة منهم، فإن المملكة لا تخفي دعمها للتيار السلفي، بغض النظر عن أن الاثنين في السوء سواء.
3. تغيّر في المواقف الأوروبية، تترجمها التصريحات الفرنسية الأخيرة حول الحل السياسي ومحاورة النظام ورأسه، علماً أن المواقف الأوروبية ومنذ سبعة أعوام لم تكن متفقة على خط واحد، ففي ظل التشدد الفرنسي البريطاني كانت المواقف الأوروبية تتراوح بين الاعتدال في النظر للصراع، وبين اللامبالاة، مبتعدة عن الانخراط فيه دعماً أو تسليحاً أو إعلاماً.
4. اختلاف سلم الأولويات للولايات المتحدة في ما يتعلق بالمنطقة. فبالإضافة لتوجيه اهتمامها منذ أعوام الى منطقة جنوب شرق آسيا باعتبارها ساحة المنافسة والصراع في المستقبل، ومركز الخطر على اقتصادها ونفوذها الدولي! بالإضافة لذلك فإن الأشهر الأخيرة تظهر توجيه الثقل السياسي للولايات المتحدة باتجاه المواجهة مع إيران والعمل على الحد من نفوذها الإقليمي المتعاظم، وذلك بالتنسيق مع المملكة السعودية وبمباركة إسرائيلية مؤكدة.
رغم أهمية ما سبق عن الدور العسكري ومن ثم السياسي لروسيا فإننا لا نزال بعيدين عن حل سياسي حقيقي للحرب الدائرة في بلدنا اليوم، والتي ستحتاج الى اتفاق روسي - أميركي، ليس على اقتسام المصالح الاقتصادية، بل على ما هو أهم: الخريطة الجيوسياسية المستقبلية لسورية، أي تحديد هويتها السياسية، وشبكة تحالفاتها الإقليمية والدولية، وهو ما يبدو متعذراً في المدى المنظور؛ فلا النظام بقادر على تبديل تحالفاته، ولا الولايات المتحدة تستعجل الحل السياسي... أي أننا سنعيش في ظل حالة حرب جزئية... وبالوكالة يدفع شعبنا ثمنها. وذلك في انتظار توافق دولي لا تبدو تباشيره واضحة اليوم!
كل ذلك هو في صلب التحرك السياسي الروسي، وفي صلب إعلانها عن مؤتمر «سوتشي»، التي تقول تسريباتها أنه يريد أن يكون مؤتمراً للحوار السوري - السوري، أي أن يكون بمثابة مؤتمر تشترك فيه كل القوى السياسية والمناطقية والدينية! وهذا ما استوجب تأجيله الى نهاية كانون الثاني 2018، لإفساح المجال لضمان نجاحه وتحقيق أوسع مشاركة فيه، ليس من قبل الموالاة (فهذه في جيب روسيا الصغير) بل من قبل المعارضة، والمعارضة الداخلية، والمجموعات العسكرية المحسوبة على تركيا. ولا يبدو للآن أن ذلك يمكن أن يتحقق بالسهولة التي يتصورها البعض! إذ لا شيء مثلاً يدعو المعارضة الى الذهاب الى عرس للنظام يؤبد بقاءه تحت يافطة «حكومة موسعة»!
غير أن المعارضة ليست عديمة القوة؛ فرغم أنها تعرف أن ميزان القوة اليوم يميل لصالح النظام ولصالح حلفائه الروس والإيرانيين (رغم القوّة الوازنة لدى الطرف المقابل) يجب أن تعرف أيضاً أن في يدها ورقة أساسية بل أكثر من أساسية لا يستهان بها؛ وهي عدم المشاركة في «سوتشي». لأن الخصم لا يفاوض نفسه! بل يفاوض خصمه! أي أن عدم ذهاب المعارضة - كل المعارضة - الى المؤتمر يفقده قيمته الرئيسية باعتباره مسعى لعقد جديد بين النظام والمعارضة. ورغم صعوبة ذلك نظراً للميول والأهداف المتباينة التي تحكم مختلف القوى المعارضة؛ غير أنه - لو تم - فسيشكل بيضة القبان التي تحكم على «سوتشي» بالنجاح أو الفشل سلفاً.
لذا على كل المعارضات العمل منذ اليوم لتنسيق مواقفها، وإن لم نقل توحيدها أقله في موضوع المؤتمر، لكي لا تذهب تضحيات الشعب السوري بنصف مليون شهيد، وتدمير نصف مدنه وقراه، وتهجير نصف مواطنيه، لكي لا تذهب هدراً، ذلك أن حقوق الشعب السوري واضحة: حرية وديمقراطية ودولة مدنية ولقمة عيش كريمة... وكل هذا غير مطروح اليوم أمام «سوتشي»، وليس للمعارضة أي سبب لتتخلى عن حقوق شعبنا وآماله، لأن ذلك لن يكون وبالاً عليها بل على شعبنا برمته وعلى مصير السوريين لعقود وعقود قادمة.
(افتتاحية «الآن»، الصادرة عن حزب العمل الشيوعي في سورية)