يهاجم الكثيرون في لبنان دعوة مقاطعة فيلم أو حدث فنّي آخر ليس من باب الاختلاف في صوابيّة مقاطعة ذاك الفيلم وإنّما من باب عدم جواز مقاطعة فيلم أو حدث فنّي آخر لأنّ في ذلك تخلّفاً وظلاميّة وعودة إلى القرون الوسطى. هذا عدا الذين يعيّرون المقاطعة بتقصيرها في عدم دعوة مقاطعة على حدث قديم، وأولئك الذين يتّهمونها بمعاداة الحرّية، وأولئك الذين يتّهمونها في لبنان بالمتاجرة بالقضيّة الفلسطينيّة.


لِنُنْهِ موضوع المتاجرة فوراً، عندما تدعو النقابات وعشرات المؤسسات الفلسطينيّة عام 2005 العالم أجمع لدعمها في مقاطعة الاحتلال، لا تعود الدعوة للمقاطعة والعمل عليها موضوع متاجرة بالقضيّة الفلسطينيّة كما فعلت الأنظمة العربيّة. كيل الاتهامات غير مجدٍ ولا ينفع القضيّة التي يدّعي المتّهمون الحرص عليها. ينتقدون الحملة بكونها «تتاجر» (لا أحد يقول كيف!)، فليبدؤوا عملاً لا «يتاجرون» به وسنفرح بذلك مهما كان ذاك العمل، مقاطعة أو أيّ وسيلة أخرى يبتكرونها، ليس من الضروري أن تكون المقاطعات مركزيّة، بل أحد أسباب نجاحها هو لا مركزّيتها، وبالتالي عدم تمكّن أحد من القبض عليها والمتاجرة بها. إن أحبّ هؤلاء العون والدعم فلهم من المقاطعين الدعم الملموس والمعنويّ؛ أمّا أن يكيلوا الاتهامات غير المسندة بتحليل موزون فأمر لا ينفع ولا يثني العاملين في حقل المقاطعة.
لقد رددنا على الحجة الواهية حول عدم مقاطعة كلّ شيء، في أكثر من مناسبة وقلنا بأنّ حملة المقاطعة لا تملك قدرات لا متناهية وقد تكون لم تتنبه إلى حدث آخر كان ينبغي مقاطعته. وقلنا إنّ كلّ إنسان مدعوّ إلى التعاون في حملة المقاطعة أو أن يشكّل مجموعة للمقاطعة مستقلّة ليكون سبّاقاً في المقاطعة، إن كان هذا هو مبتغاه، عوض التصويب على تقصير مفترض، وإلّا كان فقط يصوّب على المقاطعة من باب إضعافها. وقلنا إنّ المقاطعة لها أن تنتقي ما هو مفيد وما هو فعّال وما هو عدم انتحاري في سعيها إلى المقاطعة الهادفة، وبهذا هي حرّة في اختيار أهدافها بناء على تحليلها للواقع، ويمكن لمجموعات أخرى ممن يخالفها التحليل العمل على حملات مقاطعة سهت عنها الحملات الحاليّة.
طبعاً هناك من يريد إفشال المقاطعة لأسباب أيديولوجيّة لأنّه منسجم مع مساعي التطبيع مع دولة العدوّ. وهي مساعٍ تنتهجها حكومات (ولا نقول شعب) المملكة العربية السعودية وقطر والبحرين، عدا التطبيع الثابت مع حكومة مصر (في ظلّ الرئيس المنقلِب كما في حكومة الرئيس المنقلَب عليه). ولكن هناك من يصوّب على حملة المقاطعة في لبنان بكونها تمثّل فكراً ظلاميّاً ومتخلّفاً، وهذا ما نودّ التركيز عليه هنا.
عندما يوقّع المئات والآلاف من أساتذة الجامعات والطلاب في العلوم جميعها، في مختلف البلاد الأوروبيّة وشمال أميركا وجنوبها، ويدعون إلى المقاطعة الأكاديميّة، هل يتجرّأ واحد من هؤلاء اللبنانيّين وغير اللبنانيّين على أن يتّهم آلاف الأساتذة والطلاب بالظلاميّة، بينما واحد من هؤلاء الأساتذة في جامعة واحدة من تلك الجامعات (نوام شومسكي مثلاً) ينتج تنويراً ثقافيّاً أكثر ممّا أنتجه كثير من الأساتذة في لبنان وبلاد أخرى؟ لماذا لا يتنطّح هؤلاء لنقد «ظلاميّة» تشومسكي؟ كيف يمكن لعاقل أن ينتقد «ظلاميّة» سماح ادريس وهو من عانت مطبوعات دار الآداب التي يشرف عليها من سياسات المنع الظلاميّ في دول القهر وممالك القهر؟ أن ينتقد إنسان أخطاء ممكنة لهذه الحملة (ولكلّ عمل إنسانيّ ناقص بالضرورة كونه إنسانيّاً) شيء، وأن يتّهمها بالظلاميّة شيء آخر. نحن نكتب لمن يسمع اتّهامات كهذه وليس لمن يكيلها لأنّ هذا الأخير يعرف أنّها كذب وافتراء، الموضوع ليس موضوع ظلاميّة، الموضوع هو موضوع دفاع عن شعب محتلّ في فلسطين، وبالنسبة إلى لبنان هو موضوع الدفاع عن وجوده من عدوّ يهدّد بقصفه، وسحقه، ويتنزّه بطائراته الحربيّة في سمائه بشكل شبه يوميّ، بينما جيش البلاد لا يملك (بقرار سياسيّ) ما يمكّنه من صدّ العدوّ لا برّاً ولا بحراً ولا جوّاً. الموضوع هو أن تدافع عن وجودك، بما لديك من أسلحة، والسلاح الفكريّ أساس هنا؛ فالفشل مضمونٌ وحتميّ عندما يحتلّ العدوّ وعيكِ ووعيَكَ، لأنّه حينها لن تستخدمَ أسلحة للدفاع عن بلادك حتّى ولو كنت تمتلكها، وتفقد بالتالي أسلحتك فاعليّتها. إنّ الاحتلال الثقافيّ للفكر هو من أدهى الاحتلالات؛ فاحتلال فكرة «إسرائيل لا تهزم» للفكر وللفضاء الثقافي (صحف، مجلات، أفلام) في الماضي (وهو من الماضي) أعطى تسويغا نفسيّاً لشعوب بألّا تقاوم وأعطى تسويغاً للحكومات القمعيّة (وهي جميعاً كذلك إلى حدّ فجّ أو آخر) أن تستكين وتتابع استسلامها، واستغلالها لشعوبها.
القضيّة هي فعلاً قضيّة ثقافيّة ولكنّها في موقع آخر، ليست هي قضيّة ثقافيّة لأنّها قائمة حول أفلام وفنّ تمثيل وإخراج وتصوير وموسيقى؛ القضيّة هي ثقافيّة لأنّها معركة لحماية وتثبيت ثقافة المقاومة في فكر وسلوك الناس في بلادنا، دفاعاً عن أنفسنا، وعائلاتنا، ووفاء للأطفال والنساء والرجال الذين قضوا تحت الركام والنار، وتثبيتاً لما جنيناه من انتصارات على العدوّ، وهي انتصارات موجودة في لبنان منذ بدايات المقاومة اللبنانيّة التي رعاها الشيوعيون والقوميون في الثمانينيات، مروراً بانسحاب عام ٢٠٠٠، وبانتصار جليّ في ٢٠٠٦، ما زلنا ندفع ثمنه مكائدَ كما يجدر بشعب يبني نفسه أن يدفع.
لا يستطيع كلّ إنسان أن يقاوم عسكريّاً، فكيف يشترك في الدفاع عن نفسه وعائلته وبلاده؟ لا يفعل شيئاً! انعدام البديل عند المنتقدين يثير الاستغراب! ما هو المطلوب؟ ألا نفعل شيئاً؟ أن نشترك في المهرجان العربيّ القائم على التنافس على تعميق الانبطاح أمام العدوّ؟ المقاومة الثقافيّة والاقتصاديّة والأكاديميّة هي خطوات ممكنة وملموسة يمكن أن يشارك فيها العاطل عن العمل، وتشارك فيها ربّة المنزل، والعامل اليدويّ والموظّف ورجال الأعمال، البالغ والمراهق والطفل، ويمكن لكلّ هؤلاء أن يفخروا ويشعروا بأنّهم مالكو كلّ انتصار تحقّق في الماضي، وأيّ انتصار سيتحقّق في المستقبل لأنّهم عندها يكونون قد اشتركوا في صنعه بمقاوماتهم اليوميّة الطويلة (خصوصاً الاقتصاديّة). هذا من شأنه أن يساهم في بناء هويّة وانتماء، هذا من شأنه أن يساهم بروح معنويّة عاليّة يمكن توجيهها أيضاً لمقاومة الاستغلال الداخليّ، والمطالبة باقتصاد منتج يخلق فرص عمل، والخروج من نظام الاقتصاد الريعيّ الحاليّ. والوجه الآخر للمعادلة هو أنّ كلّ حركة مقاومة للتعسّف الداخليّ، اقتصاديّاً كان التعسّف أم سياسيّاً أم أمنيّاً، من شأنها أن تساهم ببناء روح معنويّة عاليّة لمواجهة العدوّ.
هذا كلّه يحتاج لجهد فكريّ وثقافيّ يوضح ذاته ويتحرّك، ويتمّ تبنّيه، وتتمّ رعايته، وينمو، أي يحتاج لبناء مشروع ثقافيّ، وهذا هو بالضبط ما تساهم به حركة المقاطعة الاقتصاديّة والثقافية والأكاديميّة في بلادنا. الموضوع موضوع ثقافيّ بامتياز ليس لأنّه موضوع فيلم أو أغنية أو موسيقى بل لأنّه موضوع مقاطعة، أي موضوع ثقافة المقاومة في مواجهة ثقافة الخنوع التي تستلب العقول والروح المعنويّة، وتحتلّهما، وتعطّل أيّة إمكانيّة للدفاع عن الذات، وعن الأرض والحياة فيها بكرامة. عندما ذكر الفنّان الكبير مارسيل خليفة أنّه يريد الحبّ لا الأرض، حذّرنا أن الحبّ يحتاج إلى أرض(1)، المقاطعون يريدون الحبّ، ويحبّون الحياة، ولكن لا توجد حياة ينتعش فيها الحبّ إلاّ إن قرّر أصحاب تلك الحياة أن يقاوموا كلّ عمليّة استلاب خارجيّ وداخليّ لوجودهم على أرضهم.
عندما تكون الأغنية والفيلم والموسيقى، التي ينتجها قاتلنا وداعموه وغير الآبهين لحياتنا، هي رغبتنا، لا يكون هذا سوى مخدّر يخفّف من وطأة عملية الإعدام: إعدامنا، وعمليّة الاستعباد: استعبادنا. الدول والشعوب لا تُحترم من «المجتمع الدولي» إلّا إذا انتصرت، والصين لم يحترمها أحد إلّا بعد أن انتصرت في الحرب الكوريّة، كما يشير جورج قرم (2)؛ الدول العربيّة لا يحترمها أحد لأنّها مهزومة، العدوّ لا يهاجم لبنان لأنّه يخشى مقاومة هذا الشعب، والعدوّ أعلن أيضاً أنّه فشل في مواجهة المقاطعة(3). المقاطعة الاقتصاديّة والثقافية والأكاديميّة هي حركة مقاومة، وهي حركة ثقافيّة بالمعنى الذي شرحناه فوق، وهو أمر نحن بأمسّ الحاجة إليه، ولهذا فإنّ الموضوع بالفعل هو موضوع ثقافيّ ولكن ليس كما يعتقد البعض بمعنى أنّه موضوع دفاع عن فيلم لرجل تبرع بمليون دولار لقاتلنا، وموسيقى أناس لا يهتمّون لمصيرنا، هو موضوع ثقافة المقاومة في مواجهة ثقافة الاستسلام، هو موضوع تنمية فكر وروح مقاومة في شعب ينتصر لذاته، لحياته، ولمصير أجيال آتية، هي ثقافة من يحبّون الحياة فعلاً، ويفضّلونها على المخدّر، وعلى أوهام حياة هي أشبه بالغياب كشعب، وعلى المزيد من التشرذم وضياع الهويّة، هي ثقافة من يسعون إلى الانتصار على هيكليّات الموت في هذا العالم.

مراجع

1- خريستو المرّ، الحبّ والمقاومة: مخاطر اللاحبّ في بعض كلام مرسيل خليفة، صحيفة «الأخبار»، العدد ٢٨٤٧ الجمعة ٢٥ آذار ٢٠١٦
2- جورج قرم، «انفجار المشرق العربي: من تأميم قناة السويس إلى غزو العراق 1956-2006»، دار الفارابي للنشر والتوزيع، 2006.
انظر أيضاً جورج قرم، «انفجار المشرق العربي»، ندوة مركز الجزيرة للدراسات 2 كانون أوّل، 2007
https://www.youtube.com/watch?v=bf9Du7pP1kQ
3- The Assault on Israel Legitimacy. The Frustrating 20x Questions: Why is it still growing? January 2017, available on https://electronicintifada.net/blogs/ali-abunimah/leaked-report-highlights-israel-lobbys-failures
* أستاذ جامعي