الهوية الاثنية


من أهم أسباب نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، هو النزاع بين الدول الأوروبية القومية على مناطق تستعمرها في آسيا وأفريقيا. ومن أهم المناطق المستهدفة تركة الإمبراطورية العثمانية التي امتد نفوذها ليشمل العالم العربي بأكمله وصولاً إلى المغرب، عدا عن اقتطاع مناطق في أوروبا الشرقية.
لم تكن المناطق التي حكمتها السلطنة العثمانية تمثّل دولاً قومية، والسلطنة نفسها لم تكن في وارد التطوّر باتجاه قومي، فبنيتها قائمة على المفهوم الديني، وقوانينها تتبع نمط التقسيم ليس على أساس شعوب وقوميات، بل على أساس ملل وأديان.

لذلك، القانون السني بمدارسه الأربع هو الملزم لكل السنة في السلطنة العثمانية بمعزل عن أصولهم الإثنية، والأمر نفسه ينطبق على الملل الأخرى.
إذاً، منذ القرون الوسطى وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، معيار الاختلاف ضمن السلطنة العثمانية هو المعيار الديني لا الإثني، لذلك لا نجد حدوداً جغرافية بين المناطق التي تسكنها اثنيات مختلفة كما حدث في الغرب إثر انهيار إمبراطورية الكنيسة الكاثوليكية. ما نجده في منطقة الشرق الأوسط هو تجمعات لقبائل وعشائر تستوطن مناطق قد تضيق وقد تكبر بحسب كبر القبيلة أو صغرها، وعلاقتها ببعضها هي علاقة شخصية تقوم على صلة الدم من جهة الأب لا الأم، لذلك سُميت بالمجتمعات البطريركية (patriarchal)، بينما نجد في أوروبا نشوء ممالك على حيّز جغرافي، تتنافس وتتحارب فيما بينها لضمّ هذه المنطقة أو تلك إلى دولتها، كما واجه ملوكها سلطة البابا واستطاعوا التغلب عليه في نهاية الأمر.
صحيح أنه في بداية القرن السادس عشر الأوروبي، تمحورت الممالك حول العنصر الإثني، لكنها سرعان ما تحولت عن ذلك إلى تبني الدولة القومية التي أصبح انتماؤها وولاؤها للأرض (territorial)، وهذا من أهم ظواهر تطور المجتمعات التي لم تعد تدين بولائها للعشيرة أو القبيلة أو الاثنية، أو الدين، بل إن انتماء مواطنيها الأساس هو للوطن القومي، وللهوية القومية.
مفهوم الدولة القومية في القرنين العشرين والواحد والعشرين هو هذا المفهوم المتقدم الذي لا يعير اهتماماً لدين الشخص أو طائفته أو اثنيته، فهذه لم تعد عناصر اختلاف، بل الاختلاف والتنافس هو بين مجتمعات قومية مختلطة الاثنيات والأديان، خاصة وأنه مع تقدم الاتصالات والمواصلات وسكك الحديد والطائرات انتفى وجود أي اثنيات خالصة بما فيها قبائل الأمازون! أي شعب اليوم في أي دولة قومية هو خليط من الاثنيات والأديان، والمطالبة بدولة اثنية ليس فقط سراباً ووهماً لأن لا اثنيات خالصة في القرن الواحد والعشرين، بل هو مرفوض من قِبل كل المجتمعات الحديثة التي تدحضه لأنه مشروع عنصريّ يرفض الآخر الموجود على الأرض نفسها.
كذلك الأمر بالنسبة للعروبة، فهي لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تمثّل إثنية أو ديناً، لأن سكان «سوراقيا»، يمثلون مجموعة من الاثنيات والأديان والملل والمذاهب، وما يجمعهم هو انتماؤهم إلى الأرض المشتركة والمصير المشترك، فإذا نشبت حرب ضد أيّ عنصر من عناصرها ستتضرر جميع العناصر، فالقذيفة لن تفرق بين سوراقي أصله شركسي أو كردي أو عربي أو مسلم أو مسيحي، والأمر نفسه ينطبق فيما لو تعرضت سوراقيا لحصار اقتصادي بحريّ أو بريّ. العروبة هي ثقافة مشتركة لكلّ هذه الإثنيات والملل، فالتراث العربي هو مجموع ما أنتجته هذه المجموعات بما فيها الأكراد.
أما قول بعض المسؤولين في «قوات سورية الديمقراطية» إن سبب الحرب التي نشبت في سورية عام 2011 هو قمع النظام للمجموعات الإثنية، فهو تماماً كقول معارضات الخارج إن الحرب نتيجة غياب الديمقراطية.
لو كان ذلك صحيحاً لنشبت الأزمة في المدن الكبرى وفي العاصمة دمشق لا في الأرياف حيث بدأت القلاقل. حين يبدأ الحراك في الريف فذلك يعني أن الأسباب اقتصادية، لأن الحركات الفكرية، والحراك السياسي، والإعلام، والثقافة تتمركز في المدن لا خارجها. وبعد مرور سنين على هذه الحرب تبين أنها مدبرة من الخارج وأن بعض الدول الخليجية موّلتها وأرفدتها بالإرهابيين الوهابيين التكفيريين كما اعترف رئيس وزراء قطر السابق، حمد بن جاسم.
يتبادر إلى ذهني بداية الحرب على سورية في عام 2011 وهروب العديد من سكانها خارج سورية طلباً للأمان، ومنهم العديد من العائلات الأرمنية التي تركت حلب، صورهم كما بثتها قناة الميادين التي التقتهم في أرمينيا، وكان اللقاء مؤثراً، إذ إن هؤلاء الأرمن قالوا إنه بالرغم من تأمين العمل لهم، ومعاملتهم بالحسنى، كمواطنين في أرمينيا، إلا أنهم يريدون العودة إلى حلب حالما تسنح الفرصة لأن طريقة حياة أرمن أرمينيا غير طريقتهم! هذا تماماً ما أعنيه بالعيش المشترك.
نخلص إلى القول إن لا وجود لدولة اثنية خالصة في العصر الحديث، لا عربية ولا كردية ولا شركسية، بل خليط من الأعراق يوجدون على أرض محددة، والعروبة لا تختص بإثنية معينة بل بنتاج فكري نشأ وتبلور في أرجاء «سوراقيا» وشارك في صنعه جميع سكان «سوراقيا»، ومن بعدها انتشر في العالم العربي أجمع بفضل انتشار اللغة العربية. فلقد كتب ونشر وغنى باللغة العربية السرياني والكردي والأرمني والشركسي وكل الإثنيات التي سكنت هذه المنطقة.

المطالبة بالفيدرالية

الإشكال الأول في هذا الموضوع يتناول تفسيراً مغلوطاً للأمور، يتضارب مع كل المصطلحات السائدة عالمياً في تحديد ما نعنيه بـ«الفيدرالية»، فانفصال الأكراد عن سورية وتكوين دولة مستقلة لهم كما ينادي بعضهم، لا يمكن تسميته نظاماً فدرالياً بأيّ شكل من الأشكال، فاستفتاء اسكتلندا الذي حصل العام الماضي سُمي انفصالاً عن إنكلترا لا فدرالية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى كاتالونيا. وفشِلَ المسعيان الانفصاليان لأن الولايات المتحدة الأميركية بذلت جهوداً كبيرة إبان رئاسة باراك أوباما لمنع ذلك، كون إنكلترا حليفاً موثوقاً لأميركا وترفض هذه الأخيرة تناثره، بينما وقف الاتحاد الأوروبي إلى جانب إسبانيا مخافة اندثار دول أوروبا.
الفيدرالية تعني، كمصطلح عالمي توافَقنا عليه، ضمّ دولة أو أكثر، فنستطيع القول مثلاً إن المطالبة بوحدة العراق وسورية قد تكون على شكل فدرالي أو كونفدرالي مع تأكيد ما تعنيه الفيدرالية من تخصيص لصلاحيات السلطة المركزية، إذ إن الدول الفيدرالية في العالم أجمع لها سلطة مركزية واحدة، وجيش وطني واحد، وسياسة خارجية واحدة، وسلك ديبلوماسي، ومجلس نواب، ومجلس وزراء ومؤسسات دولتية واحدة. وهذا يتنافى تماماً مع استحواذ الأكراد على جيشهم الخاص، أو تمثيلهم الدبلوماسي الخاص كما حصل في أربيل العراق، أو كما يحصل مع ما يُسمى «قوات سورية الديمقراطية».


لا يكفي أن نضع عنواناً باسم «الديموقراطية» حتى يصبح تنظيم ما ديموقراطياً


الإشكال الثاني لبرنامج «قوات سورية الديمقراطية» هو مطالبتها بإعطاء حقوق للجماعات مساوية لحقوق المواطنين وهذا يتنافى بشكل تام مع حقوق الدولة القومية. فهل نستطيع أن نتصوّر مثلاً، ما ستكون عليه الحال في الولايات المتحدة الأميركية فيما لو أعطت حقوقاً للجماعات من اثنيات صينية ويابانية وأفريقية، ولكل اثنيات العالم الموجودة على الأرض الأميركية؟ وهل الولايات المتحدة الأميركية مستعدة لإعطاء هذه الجماعات حقوقاً كالتي تريد أن تعطيها للأكراد في سورية والعراق؟ وماذا سيبقى حينئذ من دولة الولايات المتحدة الأميركية؟ فبالرغم من أنها فيدرالية إلا أن فدراليتها مستمدّة من جغرافيتها الضخمة التي لا إمكانية لدولة مركزية أن تلمّ بكلّ أمورها، إلا أن هذه الفيدرالية تمنع منع باتاً هيمنة مجموعة اثنية على أخرى ضمن هذه الولايات، وكلّ أميركي له كلّ الحق في التنقل والعمل والإقامة حيث يشاء، بينما «فدرالية/انفصال» الأكراد يريدون أرضاً لإثنية خاصة.
نشوء الدولة القومية/الوطنية هو انتصار لحقوق الفرد/المواطن الذي كان يسيطر عليه تعسف الجماعات والقبائل والعشائر، ولا إمكانية لوجود الاثنين معاً: فإما يسود منطق القبيلة والطائفة وتختفي حقوق المواطن، أو تنتصر الدولة الوطنية وتؤمن حقوق مواطنيها، وأكبر مثال على خطل مشروع كردي من هذا النوع هو النظام الطائفي اللبناني الذي ألغى وجود الدولة المركزية، وبالتالي حقوق المواطن، وأقام مكانها هيمنة الجماعات الطائفية.
الإشكال الثالث في منطق «قوات سورية الديمقراطية» هو الاستيلاء على أراض سورية واعتبارها ملكاً خاصاً لها. ففي الأساس شمال سورية ليس أرضاً كردية، ولم يستوطنها الأكراد لا في التاريخ القديم، ولا الوسيط، ولا الحديث حتى نشوب الحرب العالمية الأولى ونشوء دولة تركيا التي بنت قوميتها على تهجير الأكراد والأرمن والمسيحيين من جنسيات أخرى. الأكراد كالأرمن تماماً دخلوا شمال سورية التي سمحت لهم بالبقاء ولم تقضِ عليهم، لأن تراث «سوراقيا» منذ القدم هو تراث الانفتاح على الآخر وقبوله، وما علينا إلا العودة الى ملحمة جلجامش السومرية ليتبيّن لنا بوضوح كيفية احتفاء كاهنات المعابد (ومنهن من كنّ من بنات الملك) بالأجنبي أو الغريب الذي يدخل المدينة. وبدلاً من أن يقدر هؤلاء الأكراد هذه الميزة السوراقية ويندمجوا ضمن مجتمعهم السوري كما فعل غيرهم من شركس وأرمن، لجأوا الى نفس المنطق العنصري الذي أقساهم عن ديارهم في الدرجة الأولى، وأخذوا يطالبون باقتطاع أرض سورية لهم ولو بقوة السلاح!
والمضحك أنه، وفي الوقت ذاته، تضغط «قوات سورية الديمقراطية» على الدولة السورية كي تعطي الجنسية لمن هاجر من تركيا. وبمعنى أوضح هم يريدون إكثار عدد الأكراد السوريين المطالبين بالانفصال! فأيّ انفصام في الشخصية هذا؟ أيّ كردي يعلم علم اليقين أنه حين يطلب الجنسية الألمانية أو الأميركية فهذا يعني حتماً الالتزام بالولاء المطلق لهذا البلد الذي يصبح وطنه ومن واجباته الدفاع عنه، فلماذا يختلف الوضع بالنسبة للسوري من أصل كردي الذي يبدو أنه يطالب بجنسية سورية كي يخون سورية بعد حصوله على هويتها؟

مشروع «قسد» لا ديمقراطي

لا يكفي أن نضع عنواناً باسم «الديمقراطية» حتى يصبح تنظيم ما ديمقراطياً! الديمقراطية تعني «حكم الشعب»، كل الشعب الموجود ضمن حدود وطن معين بمعزل عن دين أفراده أو عرقهم أو معتقدهم، لأن أحد أهم أهداف الديمقراطية هي إرساء المساواة بين المواطنين، وجعل المواطنين مصدر السلطات بدلاً من سلطة العشيرة والقبيلة والطائفة والإثنية. لا إمكانية في أيّ نظام ديمقراطي القبول بسلطة الطائفة والعرق لأن ذلك يتعارض كليّاً مع حقوق الفرد، ولطالما كان الفرد مقموعاً من قبل العشيرة قبل نشوء الدولة الحديثة. ما تطلبه «قسد» هو الإبقاء على النظام التقليدي القديم، إنما تحت مسمى «الديمقراطية»!
المفهوم الإثني مفهوم لا قومي ويتعارض مع مفهوم الديمقراطية للأسباب التالية:
أولاً، الإثنية هي هوية متوارثة بالدم عبر الأب ولا فضل أو خيار للفرد في اختيارها، أي إنها مفروضة عليه، بينما الدولة الديمقراطية تحرّر الفرد من ارتباطه بعشيرته أو اثنيته، فيتحول إلى مواطن له ما لغيره من حقوق وواجبات.
ثانياً، الانتماء الإثني هو انتماء عامودي، أي إنه قسريّ ومفروض على الفرد، فلا حريّة خيار له، ولا مجال لأيّ حراك للخروج منه والاندماج ضمن المجتمع الأرحب، فيتقوقع الفرد الذي يعتبر نفسه جزءاً من العشيرة، وينظر بريبة إلى الإثنيات الأخرى الموجودة على أرض الوطن، ويصل به الأمر إلى اعتبارها عدواً داهماً يجب محاربته، ما يؤدي إلى انقسامات وتشرذم وحروب أهلية، بينما النظام الديمقراطي أفقيّ، يفتح المجال لكلّ مواطن الانتقال من فئة إلى أخرى بحسب كفاءته واجتهاده، لا بحسب شجرته العائلية. فالديمقراطية جامعة للاثنيات والأديان وتفتح الباب واسعاً للاندماج المجتمعي، بينما تبنّي المبدأ الاثني من فئة ما يعني تقسيم المجتمع بأكمله إلى إثنيات سينتهي تنافسها إلى تدمير الوطن، لأن هذه الاثنيات ترفض أن تشاركها أية اثنية أخرى أرض الوطن.
ثالثاً، تمنع العصبية الإثنية زواج أعضائها من خارج مجموعتها، وينطبق ذلك بشكل خاص على المرأة، التي تواجه تعسّفاً من قبل العشيرة فيما لو حاولت الخروج من بيئتها الضيقة.
رابعاً، النظام الديمقراطي يسمح للأفراد بالانتماء للوطن غير آبه للأصول الإثنية، وتُعطى الهوية بحسب الإقامة، أي مكان الولادة، وهذا يجعل الحيز الجغرافي يتفوق على الإثني-العشائري، فالدولة الوطنية/القومية تعني أن مصدر السلطات هو الشعب كمواطنين لا كإثنيات أو طوائف أو عشائر، لذلك تشديد بعض الأكراد على أن الكرد «قومية» يتناقض تماماً مع مفهوم الدولة الديمقراطية. فالدولة الديمقراطية هي دولة وطنية/قومية لا وجود فيها لـ«قوميات» أخرى! (راجع تصريح الكاتب السياسي من أصل كردي، صلاح بدر الدين المتناقض في المفاهيم وفي منطق الأمور: «إن القضية الكردية لم تطرح بالشكل المطلوب، ولم يحصل تفاهم بيننا، نحن الشعب السوري، كرداً وعرباً و«قوميات» أخرى على برنامج للذهاب الى حل نهائي» جريدة الوطن السورية، «أحزاب كردية تتنافس لحضور مؤتمر الحوار في سوتشي»). كيف نتحاور ضمن تناقض من هذا النوع يؤكد الشيء ونقيضه في آن معا؟ هل نحن أمام «شعب» أو «شعوب» حين نتحدث عن «قوميات» لا قومية واحدة؟
خامساً، أما قول بعض قيادات «قسد» إن سبب اندلاع الحرب السورية عام 2011 هو «قمع المجموعات الاثنية» يدحضه مسار الحرب، واللاعبون في الداخل والخارج الذين انغمسوا بالحرب، من داعش والنصرة وغيرهما من الفصائل الدينية التكفيرية الوهابية. ولقد وجد بعض الأكراد هذه الحرب وانهماك الدولة السورية في مواجهتها، مناسبة للمطالبة بالاستقلال عن الوطن.
سادساً، التمثيل الاثني الذي يطالب به الأكراد يمنع التقدم والتطور ذلك أنه يقسم الوطن تبعاً للمجموعات الاثنية من أقليات وأكثرية عددية لا تتغير سياساتها عبر الزمن لأن هدفها الحفاظ على هويتها الإثنية لا الهوية القومية/الوطنية الجامعة. ففي النظام الديمقراطي الأقلية والأكثرية هي مجموعات متحركة حسب المشاريع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يتم تقديمها. فلقد يحوز مشروع حزب ما على أكثرية أصوات في انتخابات معينة بناء على قبول مشروعه، ثم تنتقل أكثرية الأصوات إلى مشروع آخر يقدمه حزب آخر لاحقاً، وهذا ما يحفّز على التطور والتقدم واختيار المشاريع التي تمنح الفائدة الأكبر للمواطنين دون استثناء وبمعزل عن اثنيتهم.

البعد السياسي لمشروع الدولة الكردية ودور الإقليم

يعود الأكراد بذاكرتهم الى نهاية الحرب العالمية الأولى ليدلوا على أنهم غُبنوا جراء تقسيمات سايكس-بيكو ولا يلاحظون أن هذا الغبن أشد وطأة على «السوراقيين». فإذا سلمنا جدلاً بإلغاء مفاعيل سايكس-بيكو وتمكّن الأكراد كإثنية من أن يستقلوا بدولة لهم فقط دون غيرهم، فالأمر نفسه سينطبق على العرب كـ«إثنية»، وفي هذه الحالة سيكون الأكراد محاصرين من بحر بحيط بهم وهو بحر اثني مغاير لإثنيتهم! ولا ينتبه الأكراد لهذا النقطة، بل ينطلقون من فرضية أن سايكس-بيكو ستظل تقسم «سوراقيا» فيما هم سيؤلفون دولة تضم أجزاء جغرافية من إيران والعراق وتركيا وسورية! بمعنى آخر، هدف هؤلاء الأكراد الإبقاء على تقسيم سوراقيا وإلغاء سايكس-بيكو فيما يخصهم فقط. وهذا غير ممكن إلا في حالة التحاقهم بالسياسة الغربية التي تريد تدمير استقلالية المنطقة، لأن استقلال سوراقيا المتنوعة إثنياً ومذهبياً يناقض المشروع الكردي الفدرالي_الاثني.
الأمر نفسه ينطبق على إيران، فهي متنوعة إثنياً وقوميتها نابعة من وحدة أرضها، ومعظم الأكراد فيها يعتبرون أنفسهم إيرانيين من أصول كردية. يبقى الالتباس في تركيا حيث التمييز العنصري لا يزال قويّاً، بينما يقترب مشروع كردستان العراق من العنصرية المقيتة والتدميرية للكيان الصهيوني، ومن العنصرية الوهابية المتمثلة بداعش والنصرة وغيرها من الحركات السلفية التي ترفض من يخالفها الرأي. فهذه الحركة الكردية مستعدة أن تدمر الأرض التي تقف عليها، فتلتحق بالولايات المتحدة الأميركية وبالكيان الصهيوني، وتحارب مجتمعها وأهلها المختلفين عنها إثنياً أو طائفياً من أجل رؤية لم تعد ممكنة في القرن الواحد والعشرين. (راجع تصريح سيهانوك ديبو المتكلم باسم الاتحاد الديمقراطي الذي يقول صراحة بأن الأكراد سيعتمدون الآن وفي المستقبل على الولايات المتحدة الأميركية).
أما بالنسبة إلى تركيا، فمواجهتها مواطنيها من الأكراد مواجهة تاريخية لم تصل إلى اية حلول حتى الآن، وتشترك تركيا وإيران وسورية والعراق في رفض إنشاء كيان كردي كل لأسبابه، ما يعني أن لا منفذ أمام «دولة كردية»، فهي محاصرة من الجهات الأربع وبدلاً من الحوار المجدي مع هذه الدول الأربع إازالة الغبن إن كان ثمة ظلم حاصل، يلجأ بعض الأكراد في سورية والعراق إلى الارتماء في أحضان أعداء هاتين الدولتين، أي إن الأكراد يمارسون «انتحاراً» سياسياً. فكيف يظنون أنهم يستطيعون العيش في ظل حرب دائمة مع جيرانهم؟ لقد جرب البارزاني هذا الخيار، وكانت نتيجته أن الأكراد خسروا موقعهم ضمن دولتهم، ولم يربحوا في المقابل دولة؛ ظنوا واهمين أن غيرهم من الدول الغربية الاستعمارية، ومن ضمنها الكيان الصهيوني سيسارع الى بذل المال والجنود في سبيلهم؟ أي سذاجة سياسية هذه؟
أرجو أن تكون هذه التجربة القاسية درساً للإثنية الكردية بأن مصيرها من مصير هذه المنطقة، ودول المنطقة، وان لا جدوى من اللهاث وراء مستعمر سيستعملهم وقوداً للوصول إلى مآربه، فالمثال العنصري، مهما طال وجوده، سيزول لأنه يسير عكس الواقع الذي أدى إلى اندماج الاثنيات ضمن الدولة الواحدة لا انقسامها في العالم أجمع.
لن تتنازل سورية عن تنوعها البديع الدال على طبيعة مجتمعها المنفتح والذي سبق العالم كله، بما فيه العالم الغربي، بقبول الاختلاف وتقديره كجزء من الحياة الغنية بالألوان المختلفة، والذي يتضارب، ويحارب المنطق الداعشي التكفيري، والكردي الانعزالي، والصهيوني الطائفي العنصري.
* أستاذة جامعية