منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة الأميركية إليها، كان من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى الهيئات الفلسطينية للوقوف على ردة فعلها، بالأحرى كيفية تصرفها بمواجهة هذا القرار الخطير مبنى ومعنى.


صحيح أن الشارع الفلسطيني، ومثله الشارع العربي والعالمي بنسب متفاوتة لم ينتظر من يدلّه على ما يفعل، لكن قراراً فلسطينياً مطلوباً من المستويات كافة، كان ليحدث فرقاً بالتأكيد، وخصوصاً أن حالتَي التردد والانتظار كانتا عامتين، وشملتا هيئات السلطة والمنظمة والفصائل مجتمعة، حيث بدا كل طرف ينتظر الآخر، ويحمّله المسؤولية عن التلكؤ والانتظار.
المهم، بعد طول انتظار عقد المجلس المركزي الفلسطيني اجتماعاً في دورته الثامنة والعشرين. وأصغى أغلب الفلسطينيين، على مدى أكثر من ساعتين، لخطاب طويل ألقاه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، فجاء درساً في التاريخ، على غرار الخطاب الذي ألقاه في اجتماع التعاون الإسلامي في اسطنبول، بعد أيام على قرار ترامب، ومن ثم عاد وألقاه أمام اجتماع دعا إليه الأزهر، والذي انتبه من غفلة طويلة، ليقرر تدريس منهاج عن مدينة القدس.
بدا الخطاب الطويل في اجتماع المجلس المركزي، كما في الاجتماع الذي سبقه، وكذلك الذي تلاه، محتشداً بموضوعات كثيرة. وهو، وإن أعجب البعض لجهة ما تخيّلوه مراجعة يقوم بها الرئيس لكل خطه السياسي والفكري، وحفل وداع لحقبة سياسية اتسمت بالخذلان وأجهزت على تاريخ كامل من النضال، فمن شأن الخطابات الطويلة عادة أن لا توصلنا إلى ما هو مطلوب بالضبط وبكلمات قليلة، ومحددة أيضاً.
عليه، يمكن تفهم حالة الإحساس بالخيبة بعد الإعلان عن القرارات التي اتخذها المجلس المركزي، فبعضها مكرر، وبعضها الآخر لا نية جادة في تطبيقه، وخصوصاً ما يتصل بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال مرة وإلى الأبد. ويعرف ستة ملايين فلسطيني في الداخل وستة ملايين لاجئ في الشتات، حدود قدرة السلطة ومدى عزمها على تنفيذ القرارات. كما يعرفون إن كان الكلام جاداً، أو هو هزل في موضع الجد.
اكتفى البيان الختامي باجترار بيانات قديمة، منذ ما قبل أوسلو إلى ما تلاها من إخفاقات في توحيد الفصائل. وليس آخرها اتفاق المصالحة الذي جرى أخيراً في القاهرة. وجرى تطعيمه ببعض الجديد لخدمة المناسبة والتوقف عند المستجدات.
إن تعليق الاعتراف بدولة «إسرائيل» إلى حين اعترافها بدولة فلسطين، ووقف التنسيق الأمني مع العدو واعتبار اتفاقية أوسلو منتهية الصلاحية، وإدانة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس والعمل على إسقاط القرار، والتشديد على ضرورة إلغاء قرار الكونغرس باعتبار منظمة التحرير منظمة إرهابية منذ عام 1987، واعتبار أن الولايات المتحدة الأميركية فقدت أهليتها لدور الوسيط الراعي لعملية السلام... قابلها بند موجز عن «حق الشعب الفلسطيني بممارسة كل أشكال النضال ضد الاحتلال وفقاً لأحكام القانون الدولي والاستمرار في تفعيل المقاومة الشعبية السلمية ودعمها وتعزيز قدراتها» وهو ما يحتاج إلى شرح طويل وآلية منظمة للعمل الثوري بمعناه الشعبوي والكفاح المسلح ببعده الفصائلي، وليست الإشارة إليه بعبارة كلاسيكية تخدم ضرورات المرحلة.
في كل حال، ليس من الموضوعية في شيء رفض كل المخرجات عن اجتماع المركزي جملة وتفصيلاً، لكن المصلحة الوطنية الفلسطينية، قبل الموضوعية، تقتضي القول: إن ما هو مطلوب لم يحدث. والغرق في جملة قرارات بلا آلية عمل هو خطر مضاف. بينما قرار واحد مع آلية عمل فاعلة هو الذي يحدث الأثر الكبير.
لقد أجمعت معظم الفصائل على نقد مقررات المجلس المركزي، التي جاءت تعبيراً عن «حالة الانحطاط» التي تعانيها السلطة الفلسطينية. وكان تراشق الاتهامات بينهم زبدة ما أنتجه الاجتماع الذي انعقد في ظل تفاقم الأزمة، ولم يجترح أي حلول للقضايا الأهم، ولا عرف كيف يوظف طاقات الشعب الفلسطيني، وبينهم اللاجئون في معركة حاسمة.
كان يكفي المجتمعين الإعلان عن انتفاضة شعبية شاملة، تنخرط فيها كل الفصائل الفلسطينية، سواء تلك التي حضرت الاجتماع، وتحفظت على مقرراته، أو تلك التي لم تحضر مثل حماس والجهاد. نعم. انتفاضة شعبية شاملة ومتدرجة حتى العصيان الشامل، ليستفيق أهل الكهف من نومهم ويهبوا للانخراط في الكفاح الوطني، وإنقاذ القضية التي ضاعت في أروقة المفاوضات وأنفاق انقسامات الفصائل، لأن الشعب ملّ وعوداً لا تتحقق، واتفاقات مصالحة تتراكم حتى لتملأ غرفة مهملات.
الكل يحكي عن دولة وحدودها المعلقة على حدود نكسة سبعة وستين، وهذا الكل يمضي في التفاوض على ما تبقى «منكمل باللي بقيوا». المستوطنات تتكاثر كالفطر، جدار الفصل يزداد عنصرية، واللاجئون برسم الأونروا الآيلة إلى التفتيت إذا ما استمر نهج الولايات المتحدة تصاعدياً، باتجاه أمن إسرائيل ونووياً ضد إيران وحلفائها في الشرق الأوسط.
وفي هذه الحالة يعني البقاء في منطقة التردد والانتظار خدمة المخططات التي نشكو، بل نصرخ منها. الحالة البديلة والتي تشكل إجابة منطقية ولازمة ومطلوبة هي ببساطة شديدة: انتفاضة شعبية شاملة. هل تستطيعون: نعم. هل ستحقق الانتفاضة النتائج التي نتحدث عنها: نعم. هل تريدون: هذا هو السؤال؟
ثمة ما يذكرنا بمقولة منسوبة للسيد المسيح عليه السلام: «مارتا مارتا... أنت تقومين بأشياء كثيرة، والمطلوب هو شيء واحد».
* مدير مؤسسة جفرا للإغاثة والتنمية الشبابية