خاضت الدولة الإيرانية في أواخر فترة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما معركة مفاوضات الاتفاق النووي. قضى وزيرا خارجية البلدين أياماً طويلة ليصلا إلى نتيجة قبل موعد تجديد العقوبات الذي كان سيفاً مسلطاً على المفاوض الإيراني.


اعتبر الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف أن هذا الاتفاق هو انتصار للأمة الإيرانية، إذ قامت الحملة الانتخابية الأولى لروحاني على التفاوض مع أميركا وتحقيق اتفاق نووي يُحرّر أرصدة طهران المجمدة، ويرفع العقوبات لينعش بعدها الاقتصاد ويرتفع مستوى الدخل والمعيشة. والآن، ما هي النظرة النقدية لهذا الاتفاق؟
1. أنجز الإيرانيون الاتفاق مع إدارة راحلة، تحت الظن أن أوباما يريد إنجازاً تاريخياً بما أنه في آخر عام من ولايته الثانية، فإن هذا سيحرره من الضغوط. ظن الإيرانيون أن من سيخلف أوباما سيمثل استمراراً لسياسته (هيلاري كلينتون أو غيرها). النتيجة أن الذي وصل إلى البيت الأبيض يمكنه التنصل من اتفاقات سلفه. وبالتالي بدلاً من أن يتحول الاتفاق مع أوباما إلى فرصة لإيران، تحوّل إلى تهديد دائم من ترامب (أو أي رئيس يمكن أن يأتي بعده) بنقضه... ليركض الإيرانيون ليدافعوا عن الاتفاق. فأصبح السيف المسلط ليس عدم الاتفاق، بل الاتفاق نفسه. تغيّر نوع السيف فقط.
2. بدل أن يحرّر الاتفاق الأرصدة الإيرانية ويسمح بإدخالها إلى إيران، سمح لها باستعمال أرصدتها أو قسم منها لشراء منتجات غربية وشحن هذه المنتجات إلى الداخل. وهكذا تستفيد الشركات الغربية بدل الإيرانية، ويتم تعميم النموذج الاستهلاكي وتسهيله للمجتمع الإيراني. هذه الأموال لا يمكن استثمارها في التنمية الداخلية وخلق الوظائف، بل ربما تؤثر سلباً على الشركات الإيرانية نتيجة الاستيراد.
3. حنث الأميركيون بمعظم وعودهم حيث رفعوا جزءاً من العقوبات، لكنهم أبقوا وفرضوا عقوبات على أشخاص ومؤسسات، بالإضافة إلى أن المصارف الأجنبية لا تجرؤ على أن تتعامل مع إيران أو أن تقوم بتحويلات واستثمارات ضخمة، رغم أن العقوبات على التحويلات رفعت على الورق. مثلاً، تحوّل فتح فرع لمصرف ألماني إلى حدث مهم بحجم أن وزير خارجية إيران يبشّر به على حسابه على «تويتر».
4. حين بدأت إدارة ترامب بتسليط سيف احتمال رفع العقوبات على رقبة إدارة روحاني، أصبح همّ هذه الأخيرة الدفاع عن الاتفاق. وعاشت إدارته وَهم أنها استطاعت فصل الأميركيين عن الأوروبيين. كمثال على ذلك، صرّح مساعد وزير الخارجية في الشؤون السياسية، عباس عراقجي، للتلفزيون الإيراني بأن بلاده «استطاعت أن تفصل الحلفاء الأوروبيين عن أميركا وأن تفرض عزلة على الولايات المتحدة بشأن الاتفاق النووي». ولكن هذا الوهم لم يدم طويلاً، إذ إن الأوروبيين يعرفون مصالحهم، وهي مع أميركا (رغبة أو رهبة)، فبدل أن يضغطوا على أميركا – كما توهمت إدارة روحاني – بدأ الكلام عن أنهم سيضغطون على إيران، وذلك تحت عنوان «منع إدارة ترامب من إلغاء الاتفاق النووي». أي الآن على إيران أن تقدم المزيد من التنازلات (البرنامج البالستي وغيره) ليتم الحفاظ على الاتفاق النووي.
وبالنظر إلى الوضع الاقتصادي الإيراني الداخلي حالياً، يظهر أن الاتفاق النووي الذي تستميت إدارة روحاني في الدفاع عنه كإنجاز شبه وحيد لها، لم ولن يرفع الضغوط السياسية والاقتصادية عن إيران.