المتابع للنقاش القانوني الدائر بين التيار الوطني الحرّ من جهة وحركة أمل من جهة أخرى، يظن أننا أمام اشتباكٍ سياسيٍ من المألوف أن تشهده الحياة السياسية كل يوم في البلاد الديموقراطية. في تلك البلاد، الاستنجاد بالقانون والدستور يتخذ طابع التقاضي الذي لا يمكن الفكاك من إبرامه المُحكم.


أما في لبنان، فلكلٍّ قوانينه وتفسيراته وبنوده الدستورية (وجيشه من الدستوريين) التي يعمد إلى الإحالة عليها كلما شاء أن يصنع لأهدافه السياسية ضلعاً قانونياً أنيقاً. لذلك، إن النصوص في لبنان بكافة مستوياتها، الميثاقية والدستورية والقانونية، وصولاً إلى المراسيم التنفيذية، لا تملك أن تحسم نقاشاً سياسياً، لا على مستوى ظاهر نصوصها ولا باطنه أو حوافه التي من المفترض أن يتكفّل بها المجلس الدستوري في لبنان، بالإضافة إلى المجلس النيابي نفسه. المجلس الدستوري هذا، هو «كرافات» دستورية للقوى السياسية ـ الطائفية لذلك، هو يتموضع كجندي آخر في الجيش المذكور أعلاه.
وبالمجمل، فإن القائلين بالاحتكام إلى القوانين يفترضون ضمناً اتساق هذه المواد الدستورية والقوانين، وكأن النظام اللبناني وُلد في يوم مشمس إثر اجتماع أكاديمي مهيب خرج عنه بيان مكتوب تضمّن هذه المواد. ماذا عن «تاريخيّة» هذه النصوص، وماذا عن رائحة البارود، أو الإطارات المشتعلة في أحسن الأحوال التي لا تزال تسكن حبرها وأوراقها؟ الصواب، على المستوى اللبناني، أن كل شيء سياسي ولا يوجد موضوع قانوني بحت. الأمر ليس تحليلاً، ومن يضطلع بدراسة مجموع المواد النافذة قانونياً بكافة مستوياتها يكتشف تناقضات جمّة في ظاهر ما تقول، يرجع ذلك أساساً إلى أن المحطات التي تولد فيها القوانين والأعراف في لبنان هي أزمنة لمّ الجراح وتضميدها بعد حرب ضروس أو على مائدة دولة إقليمية تصرّ على أن يخرج المجتمعون ببيان قبل أن «يبرد» الطعام. بمعنى، لا تصدر القواعد الدستورية للنظام السياسي في لبنان عن فلسفة رأسمالية أو اشتراكية أو ديموقراطية اجتماعية أو ما شاكل، بل هي عبارة عن رقعٍ تُرمى على وجه الكيان اللبناني بين الفينة والأخرى كي تجمع أوصاله التي لا تكفّ عن التمزّق.
هذا عن القوانين، أما الأعراف فهي أشد رسوخاً من القوانين في الحالة اللبنانية. في الأخير، الهدف الأساسي للنظام الدستوري اللبناني هو السعي إلى توقف الناس عن قنص بعضهم بعضاً في الشوارع والمتاريس التي اعتادوا استحداثها بمهارة في الطبقات العليا للأبنية خلال الحرب الأهلية. ينتج من ذلك، أن هوية النظام اللبناني سلبية بالكامل، فهو لا يقول شيئاً واضحاً، هو فقط يؤمن طريقة، ليست فعّالة دائماً، كي يتعايش الجميع ويكفّوا عن إطلاق النار.
ومن نافل القول، إنّ من السذاجة افتراض أن الأطراف التي تملأ الفضاء العام بالجدليات القانونية «الفذّة» لا تعرف تهافت منطق التقاضي بالقوانين في لبنان. فلماذا تثار هذه الإشكاليات المتعلقة بالمراسيم والتواقيع المطلوبة هذه الأيام؟ لا يمكن أيّ إجابة أن تتغافل عن الانتخابات التشريعيّة المنتظرة بعد أقل من أربعة أشهر من الآن. وإن كانت اتهامات تبييت النية بالتأجيل واردة، إلا أنّ من الواضح أنّ هناك شبه استحالة لتمرير تأجيل الانتخابات هذه المرة. لذلك، قد يكمن الهدف في التوتير وليس التأجيل. في النهاية، التوتير في لبنان هو وقود الماكينات الانتخابية. أما بالنسبة إلى المنتظرين لمخارج للأزمات السياسية القائمة، فنقول إلى اللقاء في الجلسة الأولى للحكومة الجديدة التي ستُشكّل بعد الانتخابات النيابية.
* كاتب لبناني