موضوع هذه المقالة ليس الدين، ولا الأنبياء والكهنة بالمعنى الديني الحصري للعبارة. في الدين النبي هو الإنسان الذي يبلّغ شهادة عن الله، عن الحقّ الذي هو الله، ويدعو إلى اتّباع الإله-الحقّ، ويدلّ على مفاعيل هذا الاتّباع في الحياة اليوميّة مثل ضرورة الالتزام بالعمل من أجل حياة الإنسان، والنضال من أجل المستضعفين، وما يعنيه ذلك من عدالة ومن سعي للسلام، ومن مواجهة للظلم، إلى ما هنالك ممّا اصطلحنا على تسميته بالخير، مع ما يتطلّب ذلك من إعمال للعقل والقلب (اللذين تجسّدا قديماً بمفهوم "الحكمة" التي من المفترض أن تحمي حياة الإنسان).
ولهذا، يقول المفكر الماركسي فروم أنّ الأنبياء الدينيّين "أعلنوا أنّه على الإنسان أن يجد جواباً لوجوده، وأن هذا الجواب يكمن بتطوير عقله وقدرته على المحبّة، وعلّموا أن التواضع والعدالة مرتبطين ارتباطاً صميماً بالعقل والمحبّة". النبي إذاً هو ذاك الشاهد لما يراه من حقّ، هو المبلّغ عن حقيقةٍ لخير البشريّة أكانت تلك حقيقة دينيّة أم فلسفيّة ام علميّة أم غيرها، وهي حقيقة يراها "النبيّ" ويقتنع بها وينقلها مرتكزاً على عقل الإنسان وقدرته على المحبّة (أي الوحدة المتعاضدة مع الآخرين، في تمايز عنهم).
والنبي هو أيضاً ذاك الذي يعيش في حياته بشكل متوافق تماماً مع فحوى رسالته، بحيث أنّك لا تجد تضارباً بين ما يقوله وما يفعله. ففي النبي تتجسّد الرسالة، تكتسب قوّة الحقيقة لأنّها لا تبقى مجرّد فكرة وإنما تصير حقيقة مرئيّة في شخص النبي، وهو ما يفسّر جزئيّاً قوّة النبوّة، إذ أنّ معاصري النبي يختبرون التناغم بين الكلام والفعل، بين الرسالة والحياة، ويلمسون بالتالي صدق النبي وصدق الرسالة، فتبلغ قلوبهم وعقولهم.
يمكن النظر إلى النبوّة إذاً بمعنى عام غير ديني، ألا وهو معنى الشهادة لحقّ ما. هذه النبوّة-الشهادة للحقّ في العالم، موجودة في الدين والفلسفة والسياسة والعلوم والسياسة وغيرها من ميادين الحياة. النبيّ، بالمعنى العام غير الدينيّ، هو الإنسان (ذكراً أم أنثى) الذي يشهد لحقٍّ ما، في موقع ما وزمن ما، ويحيا ما يقوله، ويشعر بضرورة تبليغ هذا الحقّ بحيث أنّه يرى بأنّ شهادته للحقّ ضرورة قصوى، وأنّه لا يمكنه أن يحيا من دون أن يشهد. ومن أهم ما يميز النبي هو أنّه لا يسعى لسلطة أو لفرض ما يراه من حق، وإنّما يخاطب الآخرين بقصد الاقناع وليس السيطرة.
ويشهد الأنبياء، ويذهبون. ويتركون رسالتهم بين أيدي معاصريهم وحرّيتهم بأن يفعلوا ما يشاؤون بالرسالة.
في الغالب، بعد النبي ورسالته التي كانت حيّة به، يأتي "كهنةُ" تلك الرسالة. والكاهن، بالمعنى العام للكلمة هو ذاك الشخص الذي يتطوّع أن يحرص على الرسالة وعلى تبليغها بعد رحيل النبي.
إن عاش "الكاهن" الرسالة كما النبي، كان وجودُه بالفعل استمراراً للنبيّ، تجسيداً للرسالة، شهادةً للحق، كان "الكاهن" نبيّ زمنه، ولو أنّه لا يحتكر تلك النبوّة وحده بل يشترك فيها مع كلّ اللواتي والذين استطاعوا أن يجسّدوا الرسالة في حياتهم، فأخلصوا لله (كما بدا في رسالة النبي) أو للنفحة الأساس في فكره.

بعض الكهنة هم في
التعبير الديني كهنة البعل، أي كهنة الأصنام

ولكن هناك من "الكهنة" (ومن غيرهم) مَنْ لا يحيَوْن الرسالة وإنّما يتعاملون معها ويختصرونها بمجموعة أفكار. عند هؤلاء تنفصل الرسالة-الأفكار عن حياتهم، يغتربون عن الرسالة، فيبلّغون الأفكار كلاميّاً بينما تبقى تصرّفاتهم بعيدة عنها، بل ومضادة لها أحياناً. وهؤلاء عادة ما يركّزون على أنّ الشعب قاصر عن فهم "الفكرة"، وأنّه بحاجة لمن يفسّرها له، ويقدّمون أنفسهم على أنّهم أناس "يضحّون" و"يبذلون" حياتهم من أجل مهمّة تفسير الفكرة. هؤلاء هم حرَّاس الفكرة. ومن أجل القيام بمهمّة التفسير، يبحث "كهنة" الرسالة في النصوص الأولى، أو يلجأون لمفسّرين سابقين ليستلّوا من كلامهم ما "يناسب" الشعب، بحسب ما يرون هم، بحسب مقاصدهم، وهي عادة مقاصد تقتصر على ترتيب مصالحهم وصولاً إلى تركيز سلطتهم وتعميم العبادة العمليّة لأشخاصهم. كلّ ذلك خلف ستار كلاميّ حول الاتّباع القويم والنقيّ للنبيّ الأوّل، والحفاظ على نقاوة وأصول الفكرة الأولى.
وإذا بالرسالة تختفي تحت غطاء كثيف من التفسيرات وتفسيرات التفسيرات، التي لا تفعل شيئاً سوى إرباك الناس، واقناعهم بأنّ "الكهنة" كانوا على حقّ بقولهم بأنّ الرسالة الأصليّة صعبة الفهم على الإنسان "العاديّ"، أي بأنّهم بالفعل غير قادرين على اتّباع الرسالة دون "الكهنة"، ويتهدّد الناس بالتالي خطر الاتّكاليّة والاستقالة الذاتية من الفهم الشخصيّ للرسالة. وهكذا نصل إلى تغييب الرسالة عن العقل والقلب، وإلى الوصول الى تأسيس سياسة تبعيّة "للكهنة"، فيحلّ "الكاهن" مكان "النبيّ"، تحلّ التبعية وشيء يشبه العبوديّة مكان الحرّية بالحقّ، أو بالله-الحقّ إن أخذنا الإطار الدينيّ. ويستتبع ذلك، تحوّلٌ في الانتماء الإيمانيّ بحيث يتضخّم موقع الطقوس مقابل العيش، فيأكل بُعدُ الطقوس بُعدَ الترجمة الحياتيّة للإيمان في الحياة اليوميّة.
"الكهنة" الذين لا يعيشون الرسالة، يقعون لا محالة في اشتهاء السلطة التي تؤمّنها لهم وظيفتهم القائمة على تبليغ الرسالة وإدارة الرسالة و"إدارة ضمائر" البشر، ولهذا عادة ما يسعون إلى السلطة وإلى التحكّم، باسم الرسالة. وعادة ما يماهون بين الرسالة وبين أنفسهم، بحيث أنّهم يصوّرون (بل ويتخيّلون) أنّ أيّ اعتراض ومعارضة لهم هي معارضة واعتراض على الرسالة، أي أنّ أيّ معارضة لهم هي اعتراض على الحقّ الذي تشهد له الرسالة، أكان ذاك الحقّ الله نفسه، أو الفكرة السياسيّة، أو المبدأ العلمي، أو المبدأ الفلسفي.
وبعد أن ينصّبوا أنفسهم مفسّرين وحيدين لمعنى الرسالة، والحاكمين الوحيدين بمدى انسجام أيّ أمر في الحياة مع الرسالة، تغدو السلطة بين أيديهم شبه مطلقة خاصّة إذا كانت الرسالة إلهيّة إذ أنّهم عند ذلك يعتبرون أنفسهم أنّهم يمثّلون الله نفسه، ويمنحون ذواتهم الحقّ بإلغاء الآخر المختلف، أكان ذلك إلغاءً معنويّاً (طرد من المجموعة، من المجامع العلميّة، تكفير الآخر، نعت الآخر بالهرطقة) وصولاً إلى تسويغ إلغاء الآخر جسديّاً وإلغائه بالفعل، إذا ما توفّرت الظروف لذلك.
هؤلاء الكهنة هم في التعبير الديني كهنة البعل، أي كهنة الأصنام، كهنة ذواتهم كأصنام ينصّبونها للعبادة العمليّة بينما أفواههم تلهج بتكريم نبيّ الرسالة، والإخلاص لهدف الرسالة، أكان الهدف هو الله أم الفلسفة أم الحزب أم أيّ أمر آخر. فإذا بالرسالة تضمحّل في الحياة العمليّة بينما تُنَصَّبُ كلاميّاً في أعلى مراتب التبجيل، ويوضع النبيّ الأوّل في موقع التكريم، ويغدو المساس اللفظيّ والمعنويّ بالرسالة أو نبي الرسالة مسّاً لا يُحتَمَل، بينما على أرض الحياة العملية (وليس الكلامية) تُمَسّ الرسالة وحياة الإنسان كلّ يوم ولا أحد يسأل. وينسى الناس أنّ أيّة رسالة تستحقّ أن تتوجّه إلى البشر ينبغي أن تهدف دائماً إلى حماية حياة الإنسان، وأنّ أيّ فكر وتصرّف يسعى إلى تدمير الإنسان ينبغي أن يواجه بكلّ أنواع القوّة.
لا يبقى "أنبياء" عندها سوى أولئك الذين شهدوا وعاشوا ما شهدوا، ودفعهم إيمانهم بالحق الذي تحمله تلك الرسالة، كي يبلّغوا عنها دون تسلّط، دون طلب للسيطرة، مع احترام لحريّة الآخر وفكره، لكي يكون الإيمان بالرسالة شخصيّاً وعيشها ملموساً على أرض الواقع. هؤلاء هم الأنبياء في كلّ جيل وكلّ مكان، هؤلاء هم الذين تتجسّد فيهم الرسالة بحيث أنّها تغدو حيّة بهم، فيكون لحضورهم الأثر البليغ والمشعّ.
هدف النبيّ أن يحيا هو وغيره الرسالة، هدفه أن يتّصل الإنسان في النهاية بالحق (الله، المبدأ..) ويلتزم به حماية لحياة الإنسان وحريته وكرامته. أمّا هدف الكاهن الذي ينقطع عن النبوّة فهو إدارة حياة غيره، أن يصبح الآخر معتمداً عليه وغيرَ قادر على الاستقلاليّة. النبيّ يهدف إلى أن يكشف الواقع وأن يدلّ على الخيارات المتاحة، وأن يعيش هو وغيره الرسالة، بينما الكاهن المنقطع عن النبوّة يقف عند أفكار الرسالة، ويضع نفسه خياراً وحيداً، ويريد أن يدير يكون مركز تفسير وإدارة لأفكار الرسالة ولأفكار وتصرّفات الآخرين. النبوّة تهدف إلى تربية الإنسان المستقلّ الحرّ والكهنوت المنفصل عن النبوّة يهدف إلى بناء الأتباع. النبوة أُحيي والكهنوت المفصل عن النبوة يقتل.
لهذا فالـ"نبوّة" و"الكهنوت" (المنفصل عن النبوّة) في صراع. بالطبع يمكن لـ"كاهن" أن يكون "نبيّاً" إن عاش وسعى أن يعيش غيره حرّاً وشخصيّاً الرسالة، كما يمكن لكلّ "نبيّ" أن يكون "كاهنا" بمعنى أن يلجأ بالضرورة إلى شرح الرسالة. لكنّ القضية ليست في الشرح، القضيّة هي في الهدف والأسلوب. كم من "نبيّ" وكم من "كاهن" في الأديان وفي الفلسفات وفي الأحزاب وفي العائلات وفي الجامعات وفي المدارس. وكم تحارب روح النبوّة بينما يقدّم كلّ التبجيل اللفظيّ للرسالة. أن يقتل الإنسان روح النبوّة في مجموعةٍ ما، هو أن يستعبدها.
العصيان.
ولأجل ذلك كلّه فإنّ العصيان فضيلة في كثير من الأحيان فـ"كلّ الذين دفعوا بالبشرية إلى الأمام في كلّ الميادين، هؤلاء اضطروا للتمرّد" كما يشير بندلي. عصيان "كهنة البعل" ضرورة حياة. وان كان العصيان للعصيان هو فعل عبثيّ مدمّر لأنه بلا هدف سوى العصيان، فإنّ الحرّية الحقّة تكون في الاختيار الشخصيّ. في الحرّية يترافق العصيان لكهنة البعل مع الإصغاء لنداء النبوّة الداخليّ، ونداء النبوّة الخارجيّ الذي نسمعه حين يشهد إنسان آخر للحق في ظرف معيّن، في إعمالٍ للعقل والقلب معاً. هكذا عصيان وهكذا إصغاء هما الوجهان الحقيقيان للحرّية. الحرّية تقوم على معرفة الواقع والخيارات المتاحة والقيام بخيار شخصيّ للسير في خطّ معيّن، يراه الإنسان مع غيره على أنّه حقّ، وما من حقّ خارج حماية حياة الإنسان والطبيعة. أيّ أنّ العصيان بالمعنى الذي نورده ليس هو عمل تدميريّ للذات والآخر وإنّما عمل تأكيد للذات، للشخص الإنسانيّ المتّصل بغيره بحرّية، والمتحرّك نحو أهدافه الذاتيّة والجماعيّة بحرّية.
من هنا فإنّ التعليم حول الطاعة المطلقة للسلطات الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة هو تعليم هدّام للإنسان لأنّه يجعله فرداً تابعاً لآخر، عاملاً بحسب ما يرسمه "الكاهن" الديني أو الفلسفي أو السياسي أو العسكري له، أي أنّه يجعله وسيلة في يد "الكاهن"، فتغدو سلطة "الكاهن" مطلقة مهما كان خطابه هادئاً أو مثيراً للحميّة، مهما كانت طريقة لباسه، مهما مدى علمه، ومهما يكن من أيّ أمر ظاهر فيه. هذه السلطة المطلقة لبشر استعبدوا ذواتهم لكاهن يولّد حتماً الدمار الذاتي للتابعين، على الصعيدين النفسي والوجوديّ، وقد يولّد الدمار على الصعيد المادّي أيضاً إذا ما قرّر الكاهن أن يخوض حرباً ما داخليّة أم خارجيّة، أكانت حرباً معنويّة في مؤسّسة أم حرباً مادّية في بلاد بكاملها. والكاهن الذي يمتلك سلطة سياسيّة مطلقة يغدو ديكتاتوراً مدمّراً، أمّا الكاهن في السلطة الديموقراطيّة فيستعمل اللغة حول الحرّية والديموقراطيّة (الرسالة) لجرّ المواطنين إلى حروب لا تنتهي من أجل مصالح طبقة من المستفيدين بينما هو يقنع المواطنين أنّه يسعى لخدمة مصالح المجموعة والهدف الأسمى، الرسالة (الحرّية، الديموقراطيّة، حقوق الإنسان، الله، الإسلام، المسيحيّة، الأرثوذكسيّة، السنة، الشيعة، الرأسماليّة، الشيوعيّة، طريقتنا في الحياة، إلخ).
لكي تستوي التربية في أيّ مجتمع لا بدّ من أن تحتوي على تربية على فنّ الإصغاء، الإصغاء للذات وللآخرين، وتربية على فنّ العصيان، عصيان الهيمنة على العقول او القلوب "فلا يُضحى بالحقيقة التماساً للوحدة. ولا يُضحى بالوحدة بالرعونة والكبرياء" كما يقول المطران خضر، عندها يمكن للتربية ان تكون إنسانيّة، اي ان تتمكن من ان تلد البشر أشخاصاً يَحيَون وجودهم بشكل حقيقيّ، لأنها تكون قد ربّتهم على الحرّية. اللقاء القائم على الإصغاء لما يبدو لنا من حقيقة فينا وفي الآخرين والتزام تلك الحقيقة بشكل شخصيّ، مع القدرة على عصيان أيّة محاولة للخضوع لغير الحقيقة أكان ذلك شخصاً أم مؤسّسة، هو من يجعلنا في علاقة وحدة مع الآخرين يُحتَرَم فيها التمايز، في حرّية، ومن كان حرّاً استطاع أن يحبّ حقّاً، أمّا من لم يكن فإنّه محكوم بالخضوع الذليل للآخرين أو بإخضاع مُذِلّ للآخرين، او بالاثنين معاً.
في الرؤية التي شرحناها، العصيان فضيلة. إنّ الأنبياء الدينيين والفلسفيّين، نعموا بفضيلة العصيان لأنّهم نعموا بفضيلة الإيمان بإلهٍ أو بفكرةٍ، بفضيلة الإصغاء لإله أو التأمّل بفكرة، وبفضيلة الالتزام الشخصيّ لرسالة، ولم يطلبوا سلطة ولم يجبروا أحداً على اتّباعهم. إنّ من آمنوا بما اختبره الأنبياء، وساروا في الطريق التي أرشدهم هؤلاء إليها، هم الذين وقعوا في فخّ "الكهنوت" المنفصل عن النبوّة، في فخّ الرغبة بالسيطرة، فوعظوا الناس بالطاعة لهم (ولو تفوّهوا بضرورة طاعة الله أو الفيلسوف المؤسِّس) ورفضوا أيّ عصيان لهم وللرسالة كما هم فسّروها، وقتلوا ودمّروا في سبيل الفكرة بعد أن جعلوها صنماً للعبادة لا طريقة حياة، وبعد أن جعلوا أنفسهم إلى جانبها أصناماً للعبادة الشخصيّة.


*تستلهم هذه المقالة فكر المطران جورج خضر وخاصة مقالته "الكاهن والنبي" في 9 تموز 2010، واللاهوتي كوستي بندلي وخاصة مقالته حول "الطاعة والفداء" عام 1989، والمحلّل النفسي الماركسي أريك فروم وخاصة مقالته "أنبياء وكهنة"، وملاحظاتي حول النمط التربويّ الخطير الذي يبدو أنّه يجتاح المؤسّسات الدينيّة (المسيحيّة المشرقيّة خاصّة) في بلادنا والمتمثّل بالتربية على الخضوع.
*أستاذ جامعي