أتمنى من القارئ العزيز التمييز ما بين أمرين. الأول هو التدبر أو التعقل، والآخر هو التجرد من العواطف. دعوتي هنا اليوم هي للأمر الأول، مع صعوبة ما ألاقي من الأمر الثاني، خصوصاً إذا ما عرفت ماهية الدعوة وحساسيتها. بتّ منذ أكثر من عشر سنين، من موقعي الضئيل جداً، بالنسبة إلى المقاومة وأهلها، مدركاً أن المقاومة في لبنان قد ردعت إسرائيل نهائياً عن شنّ أي حرب تدميرية على لبنان.


فمن يتفرغ لرصد المعلومات العسكرية والجيوسياسية المنشورة بالإعلام العالمي، في ما يخص التطورات التي حصلت في منطقتنا خلال عشرة سنوات وأكثر، يستيقن بالنتيجة المذكورة أعلاه، بل ويستسيغ الخلاصة التي أدلى بها الأستاذ سامي كليب، عن حديثه الخاص مع السيد حسن بخصوص القدس.
وكيف أن تحرير بعض الأراضي العربية من العدو الصهيوني، احتمال عالي الحدوث. واستطرد الأستاذ سامي كاشفاً عن رؤية السيد ونبوءته في خصوص نهاية دولة إسرائيل.
وأنا لا أخفي أحد سراً (كهذا طبعاً)، أني مؤمن بهذا اليوم من منطلق عقلاني تحليلي علمي وغيبي أيضاً. ولكن فليسمح لي القادة من بني قومي بهذا السؤال: ألم يدرسوا تجربة مولانا أمير المؤمنين حينما سأل عن سرّ فنّ قتاله، فأجابهم بأنه يطوّع قوة الخصم على نفسه، فتكون كلتا القوتين موجهتين للقضاء على الخصم. أيكون ذلك في الفيزياء فقط كما يلعب المصارع الياباني الجودو أو ستيفان سيغال في أفلامه؟
وماذا عن حركة مانديلا ضد الحركة العنصرية في جنوب أفريقيا؟ هل كان مناصروها من السود فقط، أم كان للبيض الأفريقيين والأوروبيين أيضاً، نصيب من المناصرة؟ وماذا عن حركة السود في أميركا؟ لقد بحثت كثيراً في أدبيات هذه الحركة وامتداداتها منذ أيام الحرب الأهلية الأميركية. لا ينكر أي دارس لهذه المادة دور المزاج العام الأميركي ذي الأغلبية البيضاء في نجاح هذه الحركة وارتقائها على مرّ زمانها.
أنا لست غشيماً أو جاهلاً بالحالة الصهيونية أو حتى تاريخ الإمبريالية الكوني. أعرف أنه ليس هناك أي وزن لأي وجود سياسي يدعو إلى العدالة والإنسانية في الحياة السياسية للكيان الصهيوني. بل لا وجود حتى على مستوى الشخصيات والنخب والمثقفين. لكن كما يفقه قادتنا جيداً، أحياناً، هناك من الأزمة فرص. هناك مواقف تنبئ بأمل ما، يجب التنويه بها.
والله إني لضنين باسمها عن هذه المقالة المتواضعة، إجلالاً وإكباراً لبطولتها وشجاعتها وفدائها. وكنت لأسهب لولا خشية الإطالة. ولكن الجنديين اللذين رأينا كيف تفتك بهما تلك الفدائية الجسورة، قد غلبا وقهرا في ظل قواعد إنسانية انتابتهم!
هلا شاهدت هذين الجنديين؟ لم يحركا ساكناً!
تنتابك عواطف كثيرة، نعم. شماتة، تعيير بالجبن، استحقار، إلخ. ولكن هناك أيضاً عواطف مضادة، والعاقل يقارن، ومن ثم يحكم. إذا ما قورن هذان بالكثير من بني جلدتنا، وخصوصاً أيتام نظام «فلان هيك»! ألسنا مع هؤلاء (الأيتام) نعيش معاً بود ووئام! وهم عبارة عن، بأدب شديد، شرّ ما خلق؟ اللهم لا اعتراض، ولام الله من يلوم هنا. ولكن قد يسأل هنا عن أصل الحساب الذي وسع هؤلاء، أبمقدوره أن يسع أيضاً هذين الجنديين المتراجعين ومن مثلهما؟ أليست خطة الخروج الآمن أو أمان الخصم، من الضروري أن تكون معلومة ومدركة عند الخصم، لكي يتضعضع وينشقّ الخصم ما بين محارب ومنسحب من القتال.
الموقف الثاني كان للشاعر الإسرائيلي ناتان غيفين وشاعر آخر يدعى جدعون ليفي. لقد قالا كلاماً محقاً في حق قضية البطلة الفلسطينية ينبئ عن بعد إنساني. وهذه نقطة بيانية أخرى، نادرة وفريدة لدى المجتمع الإسرائيلي. الموقف الثالث وأكتفي بهاذا القدر، لستيفن سبيلبرغ نفسه. تخيلوا!
في عام 2005، رصدت حملة من قبل نقاد هوليوود والمنافحين عن الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية، التي فيها من الصهاينة اليهود الأميركيين من يقود دولة إسرائيل، ضد ستيفن سبيلبرغ بسبب فيلمه «ميونخ» الذي عرض في 2005. سبب الغضبة أنه أخرج في فيلمه الفلسطينيين كأناس أسوياء، ثائرين لحقهم، خصوم عنيدين لإسرائيل وحلفائها، وأعطاهم صوتاً في فيلمه ودوراً وأعطاهم وجهة نظر. هذا ما قاله هؤلاء النقاد الذين أرادوا لدور الفلسطينيين أن يكونوا مجرد أوباش ووحوش تجب إبادتهم من غير حسٍّ أو خبر. وحكي عنه آنذاك في الإعلام الأميركي أن حياد (إذا سلمنا جدلاً بأنه حياد) سبيلبرغ عن الحماسة الصهيونية جاء بسبب تحسسه من فظائع الانتفاضة الثانية في فلسطين، وأخذوا ينشرون أخبار عن مساعدة مؤسسته الخيرية بتجهيز مراكز لشباب إسرائيليين في الأراضي المحتلة وفلسطينيين (لا أدري أين بالضبط) لتعليمهم التصوير السينمائي والتعاون وتبادل التجارب. فكانت هذه المبادرة الخيرية، مناسبة للتعرض للمخرج الأميركي ومواقفه من الصهيونية.
في الخلاصة، بالنسبة إلى سبيلبرغ، الجدل قد يطول. مظاهرته لإسرائيل بالمال إبان حرب تموز. قانون لجنة المقاطعة لجامعة الدول العربية. وغيرها. ولكن قد، وأقول: قد، قد تشفع له مكانته الحضارية والمهنية معطوفة على مدى الحراجة، أي جدية الخطر، وأثره وفداحة جرمه على لبنان وسلامته، بإعادة النظر وهندسة الخطاب الإعلامي الموجه إلى العدو الصهيوني، ليميز ويستهدف شريحة محددة ووازنة من الصهاينة المغرر بهم الذين آمل أن يكون سبيلبرغ واحداً منهم.
* كاتب من الكويت