بدأت العلاقة التي كوّنتها تركيا بالأدوات الوهابية المُستَعملة ضدّ المجتمع السوري بالتأثير على المسار الاجتماعي داخل أنقرة نفسها، وهو المآل الطبيعي للأمور خلافاً لما كان يعتقد حزب العدالة والتنمية، حيث يتحوّل الاستثمار في هذه المنظمات شيئاً فشيئاً إلى مسار منفصل عن العلاقة الأصلية التي أرادت السلطة التركية من خلالها ضبط التمرّد الاجتماعي ضدّ النظام في سوريا وإخضاعه لمنطقها الخاصّ بإضعاف المجتمع هنا وتأليب فئاته الاجتماعية بعضها ضدّ البعض الآخر.


البداية من كوباني

والحال أنّ هذا المسار كان بإمكانه أن يستمرّ ويحقّق نجاحات إضافية لولا اصطدامه بمحطّة كوباني – عين العرب التي أوضحت للقاصي والداني الحدود التي يمكن أن يصل إليها أردوغان في حربه (المخاضة بطريقة البروكسي) ضدّ المجتمع السوري. والرجل في ذلك الوقت - أي قبل محطّة كوباني - كان قادراً على الإمساك بالتمرّد وتنظيم العلاقة بين «مكوّناته» على نحو يجعل من تركيا اللاعب الأساسي في الشمال السوري القريب من حدودها (ريفا حلب وادلب تحديداً)، ولم تكن تعوزه أثناء هذا الإمساك أيّ إمكانات، لا بل وصلت به القدرة على التحكّم إلى حدود «تقسيم» مدينة مثل حلب وتجيير كلّ مواردها الاقتصادية لمصلحته أو لمصلحة من يمثّله داخلها. إلى هذا الحدّ وصلت سلطته على الأجزاء «المحرّرة» من سوريا، لكنه ككلّ المهووسين بالسلطة والنفوذ الإقليمي لم يكتفِ بهذا القدر، وأراد لفرط عنجهيته نقل تجربة حلب وأجزاء معينة من ادلب إلى مناطق أخرى لا يوجد فيها نفوذ صريح لأتباعه. وبالنسبة إليه فإنّ هذا الأمر يشكّل تحدّياً جدياً لسلطته على مناطق الشمال التي يفضّل اخضاعها بالكامل وعدم ترك أجزاء منها في يد قوىً تناصبه العداء تاريخياً، ولا تتبع تماماً لأمرته مثلما يفعل معظم قوى المعارضة في حلب وادلب. على هذا الأساس جرى الزجّ بمقاتلي «داعش» الموجودين على أطراف عين العرب من الناحية الجنوبية الشرقية – أي لجهة الريف الشمالي الغربي للرقة - في معركة كان واضحاً أنها لن تحقّق أياً من أهدافها ولن تضمن فوق ذلك لأردوغان أيّ سيطرة على المناطق التي تديرها سلطة الادارة الذاتية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي. هكذا، استمرّت المعركة لأشهر وبدا واضحاً أنّ نهايتها إن لم تكن لمصلحة الأكراد بشكل واضح فعلى الأقلّ لن تصبّ في اتجاه توسيع مروحة السيطرة التركية على الشمال السوري. وقد تمّ ذلك بالفعل، حيث تقهقرت خلال هذه الفترة عصابات «داعش» المدعومة تركياً أمام قوات الحماية الكردية المدعومة جزئياً (سيظلّ هذا «الدعم» محلّ نقاش دائماً) بغطاء جوي من طائرات التحالف الامبريالي، وبالتالي فقدت تركيا عبر هذه الهزيمة الأداة التي كانت تعوّل عليها لإحداث تغيير ميداني يحدّ من قدرة خصومها على تضييق نطاق سيطرتها في الشمال السوري. صحيح أنّ «الجيوب» الخاضعة للنفوذ التركي ظلّت في مكانها ولا تزال تشكّل خطراً على البيئات الاجتماعية السورية الرافضة «للتمرّد الوهابي» (هذا هو مصيره الوحيد الآن بمعزل عن كلّ السياق الذي بدأ مع الاحتجاجات الشعبية) لكنها على الأقلّ لم تعد تمثل بيئة واحدة متّصلة، وأصبح امتدادها الجغرافي مهدّداً بانقطاعات متتالية. وهذه الانقطاعات هي في تزايد مستمرّ، سواءً في الحسكة حيث تحقّق «القوات المتحالفة» انتصارات متتالية أو في الرقّة وريفها حيث يتقلّص نفوذ قوّات «داعش» تدريجياً، إلى درجة قد تصبح فيها محصورةً في المدينة وحدها. كلّ هذا التراجع الذي أصاب تركيا والقوّات التابعة لها مباشرةً أو مداورةً بدأ من كوباني- عين العرب. هناك كانت المعركة الأولى التي تركت تداعياتها على كلّ الجوار بما في ذلك الداخل التركي نفسه.

التداعيات على الداخل التركي

بعد إخراج «داعش» من معظم ريف عين العرب الجنوبي في كانون الثاني الماضي بدأت ردود الفعل بالظهور داخل تركيا، حيث كانت المنافسة الانتخابية على أشدّها في هذه المرحلة، وكان أردوغان يعوّل في حال انتهت المعركة لمصلحته على تحجيم الحزب اليساري الجديد (حزب الشعوب الديمقراطي) الذي يصعد باستمرار في استطلاعات الرأي ويمثّل تهديداً حقيقياً لمشروع أردوغان الرئاسي الطموح (وخصوصاً لناحية تعديل الدستور وتحويل النظام من برلماني إلى رئاسي). وخصومته الشديدة مع هذا الحزب لم تكن فقط بسبب المنافسة الانتخابية والقدرة على امتلاك مشروع بديل لتركيا بل أيضاً لارتباطه الوثيق بمقاومة كوباني ودعمه اللامحدود لسلطة الإدارة الذاتية في الشمال السوري. حيث يتقاطع حزب الشعوب من الناحية النظرية مع النهج الذي تسير عليه الإدارة التي أنشأها حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال وشمال شرقي سوريا كبديل من سلطة النظام التي انهارت في تلك المناطق أو لم تعد قادرة على العمل كما يجب. إذ بدلاً من الاعتماد الحصري على القوى الوهابية في إدارة تلك المناطق كما يفعل أردوغان بقصدية شديدة لجأ الاتحاد الديمقراطي إلى فعل العكس، عبر توسيع قاعدة المشاركة في الإدارة الذاتية، فأقام انتخابات للمجالس المحلّية التي ورثت سلطة النظام، وضَمِن بذلك حصول «تمثيل متساوٍ» لمعظم القوى التي ظلّت لعقود طويلة من دون تمثيل حقيقي سوى من يريد النظام لها أن تتمثّل. وبهذه الطريقة يكون الاتحاد قد ضَمِن حصول عملية الانتقال من سلطة إلى أخرى بشكلٍ سلس، ومن غير المساس بوحدة المجتمع وتماسكه كما حصل في معظم التجارب التي أشرفت عليها قوى المعارضة الأخرى، حيث فشلت جميعها في ضمان حصول هذا الانتقال وحكمت المناطق بعد «تحريرها» من النظام على أنقاض المجتمع وليس بالاتفاق معه كما كان يزعم أنصار «الثورة». هذا الجانب من تجربة الإدارة الذاتية كان مزعجاً لأردوغان وحكومته، والأرجح انه كان في خلفية كلّ المواجهات السياسية التي خيضت مع حزب الشعوب في الداخل، فسياسة هذا الحزب كانت قريبة جداً من الناحية النظرية من سياسة الاتحاد الديمقراطي، ولذلك فإنّ اردوغان كان يخشى من نقل تجربة الإدارة الذاتية إلى داخل تركيا، وخصوصاً بعد وصول مسار المصالحة الكردية الذي باشرته حكومته إلى طريق مسدود إثر التوترات التي نجمت عن معارك كوباني - عين العرب. في هذه المرحلة كانت التوترات بين الطرفين قد انتقلت إلى تركيا، وأولى هذه المواجهات حصلت أثناء حصار عين العرب، حيث منعت السلطات التركية بإيعاز من حزب العدالة والتنمية مجموعات من سكان كوباني اللاجئين إلى تركيا من التوجه الى المدينة لمساعدة أهلهم المحاصرين من جانب «داعش»، وبدأت إثر هذا المنع احتجاجات عارمة في المناطق ذات الغالبية الكردية قادها حزب الشعوب الديمقراطي، ونتج منها عشرات القتلى والجرحى. استعانت السلطة هنا للحدّ من الاحتجاجات وتحجيمها بأحزاب سلفية تنتمي إلى البيئة الكردية (حزب الله التركي) على أمل إحداث انشقاق داخل البيئة الحاضنة للاحتجاجات، وقد نجح ذلك جزئياً، قبل أن يستطيع حزب الشعوب تدارك الأمر وإعادة الغضب إلى سياقه الأساسي، مقدماً بذلك درساً معقولاً في إدارة التناقضات الداخلية والتي يمكن على أساسها فهم الممكنات السياسية للفعل الاحتجاجي. هذا النوع من الفَهم سهّل على الأحزاب الجديدة مثل حزب الشعوب عملها، وجعلها قادرة على تكوين قاعدة اجتماعية من المهمَّشين وأفراد الطبقة الوسطى المتضرّرين من حكم العدالة والتنمية. هؤلاء بالذات هم الذين قادوا المعركة الانتخابية مع أردوغان عبر تفويضهم لصلاح الدين ديمرتاش وفيغين يوكسك داغ (رئيسا الحزب) بإدارة أكثر الصيغ الحزبية ديمقراطيةً في تركيا، فحصل هذا التزاوج بين توسيع المشاركة داخل الحزب والرؤية التقدمية الطليعية للمجتمع التركي، ليغدو ممكناً من خلال هذه «الأداة» تصوّر رؤى سياسية مطابقة أكثر للواقع التركي. ومن هنا أتت فكرة استهداف تجمّعات الحزب الانتخابية كما حصل في حزيران الماضي حين أودت عبوة مزروعة بالقرب من منصّة انتخابية للحزب بحياة كثير من الكوادر التي كانت تقوم بالعمل الميداني قبيل الانتخابات. وهذا كان مؤشّراً خطيراً، لأنه يدلّ على فقدان السلطة للكوابح الاجتماعية التي كانت تمنعها في السابق من استهداف خصومها بشكل مباشر.

فقدان السيطرة على الداخل

في هذه المرحلة تكرّس الانقسام نهائياً داخل المجتمع، ولم يعد بمقدور حزب العدالة والتنمية إدارة التناقضات التركية كما كان يفعل إبان فترة حكمه الطويل نسبياً، إذ إنّ الأدوات التي يحكم من خلالها لم تعد هي ذاتها، وطرأ عليها الكثير من التغييرات في مرحلة الانقسام تلك. وأبرز هذه التغييرات هي انتقال الكتلة التصويتية التي كانت توفّر له الغالبية النيابية من خارج حزبه وقواعده المباشرة إلى الأحزاب الجديدة التي يقف على رأسها حزب الشعوب الديمقراطي. حرمه ذلك من تحقيق الغالبية مرّة أخرى داخل البرلمان، وكانت النتيجة المباشرة لفقدانه أغلبيته التقليدية انتهاء فاعليته السياسية كحزب حاكم ومسيطر على الحياة السياسية منذ عقد على الأقلّ وعدم استطاعته فوق كلّ ذلك وضع قواعد جديدة للحكم كما كان يأمل قبل اندلاع الاحتجاجات المتأثّرة بمعركة كوباني. هذه الوضعية أوصلت البلاد إلى شلل سياسي كامل، وخصوصاً بعد انتهاء الانتخابات واتضاح حجم الخسارة التي لقيها حزب العدالة والتنمية، حيث لم يستطع رئيس الوزراء المُكلّف بتشكيل الحكومة إقناع الكتل النيابية الأخرى المعارضة له ولحزبه الحاكم بالدخول في حكومة ائتلاف، وهذا يعني أنّ مشكلة العجز السياسي لن تقف عند حدود الاستعصاء الحكومي بل ستتعداها إلى كلّ النواحي الأخرى العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية و...الخ. وقد رأينا كيف تدحرجت الأمور منذ بضعة أيام، ابتداءً من المجزرة التي خلّفها تفجير سوروج وسط الناشطين اليساريين المتضامنين مع كوباني مروراً بحوادث استهداف «القيادات الشرطية» والفعاليات الاجتماعية التي اعتبرها حزب العمال الكردستاني ومعه المنظمات الشيوعية الثورية مسؤولةً عن التفجير (عبر التواطؤ مع «داعش» والتغطية عليه)، وانتهاءً بالاشتباك التركي الداعشي الذي أنهى كلّ التعاملات القائمة بين التنظيم والدولة التركية، لتنضمّ تركيا على إثره إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضدّ «داعش».

خاتمة

السلطة هنا تبدو بخلاف ما يُعتقد «فاقدةً للسيطرة» على مجريات الأمور، وإن كانت تظنّ أنها ستعيد تنظيم هيمنتها على الداخل التركي عبر تجذير التحالف مع الغرب (بعد الانضمام غير المشروط إلى التحالف) وتحويله إلى أداة في وجه خصومها السياسيين فهي واهمة من دون شكّ، وحدود هذا الوهم تتبيّن من خلال التصريحات التي أدلى بها أحمد داوود أوغلو للإعلام تعليقاً على المداهمات التي أجريت أخيراً في اسطنبول وباقي المدن التركية. في هذه التصريحات تعمّد رئيس الوزراء المُكلّف ورئيس حزب العدالة والتنمية (حتى الآن!) الخلط بين المعارضة الداخلية لسياسات العدالة والتنمية (الكردية والشيوعية و... الخ) وما يقوم به تنظيم داعش بعد انتهاء التفاهمات بينه وبين السلطة التركية، فقدّم الطرفين المتناقضين إيديولوجياً وسياسياً واجتماعياً كفاعل واحد، واعتبر أن مواجهتهما انما تقع في سياق واحد، هو سياق المواجهة التي تخوضها الدولة التركية بمؤسساتها الأمنية والسياسية والعسكرية ضدّ الإرهاب. هو يعتقد ومن خلفه أردوغان أنه بذلك سيستفيد من التحوّلات الحاصلة حالياً ويوظّفها لمصلحة الخروج من عنق الزجاجة التي يقبع فيها حزبه منذ انتهاء الانتخابات، لكنه ينسى أن هذه الوصفة قد جُرّبت مراراً، وكانت نتيجتها دائماً الانتهاء من السياسة بوصفها إدارة حكيمة وواعية لتناقضات المجتمع. وفي حال كانت السلطة تعتقد بأن ما تفعله سينهي الاحتجاجات التي عادت للظهور بعد تفجير سوروج فما عليها إلا مراجعة تجربة تعاملها مع أزمة كوباني. حينها جرّبت تفجير المجتمع من الداخل، وفشلت طبعاً، ويمكن توقّع مصير مماثل لمحاولتها الجديدة، مع الأخذ في الاعتبار أنها هذه المرّة لا تختبئ وراء الانقسامات الاجتماعية بل تزجّ بأدوات العنف الشرعية التي تحتكر الدولة استخدامها في مواجهة الشعب، أو جزء منه على الأقلّ. هذا هو الأساس في ما يجري، أما الانضمام المتأخّر إلى التحالف فليس أساسياً في تغيير موازين القوى الداخلية. تركيا في أزمة عميقة الآن، وهذه الأزمة داخلية حصراً، وهو ما عبّر عنه زعيم حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديمرتاش بقوله تعليقاً على تداعيات تفجير سوروج: «على الكرد في شمال كردستان أن يحموا أنفسهم بأنفسهم من الآن فصاعداً».
*كاتب سوري