رفع المؤذن الشيخ عبد الحفيظ خوج أذان الفجر في المسجد الحرام. كان الحرم المكيّ، في ذلك الصباح الباكر البارد، يغصّ بحشد كبير من المعتمرين الطائفين حول الكعبة، أو الساعين ما بين الصفا والمروة. وانضمّ إلى هؤلاء الزوار عشرات الألوف من المتديّنين المكيّين الذين وفدوا من بيوتهم لأداء الصلاة المباركة الأولى، في العام الجديد، في القرن الهجري الخامس عشر(¹). امتلأ الطابق الأول من المسجد الحرام بالمصلّين، وتزاحم الناس في صفوف دائرية حول الكعبة.


وبعد أقل من ثلث الساعة من الأذان الأول، أعلن الشيخ خوج إقامة الصلاة، فتقدم الشيخ محمد السبيّل، ليؤم المصلّين. قرأ إمام الحرم في ركعتي الفجر الأولى والثانية آيات من سورة التوبة التي تحضُّ على قتل المشركين حيث وجدهم المسلمون، وأن يحْصُرُوهم. وبعد أن أنهى السبيّل الصلاة، اندفع نحوه مجموعة من الشبان، وحاصروه، وافتكوا منه «المايكروفون»، وأزاحوه جانباً. حاول السبيّل، في البداية، أن يقاوم، فأخرج أحد الشبان خنجراً، ولوّح له به. فلمّا رأى الشيخ الوهابي ما يلمع في أيديهم، رضي أن يبقى وديعاً. كان قائد الزمرة شاباً نحيلاً، أسمر اللون، كث اللحية، يربط شعره الطويل بقطعة قماش خضراء، في شكل «ذيل حصان». وكان رفاقه الذين يلتفون من حوله يسمّونه جهيمان. وتقدم جهيمان نحو مجموعة من النعوش المصفوفة إلى جوار الكعبة، والتي يفترض أن تصلّى عليها صلاة الجنازة، فدسّ يده في أحد أكفان الموتى، وأخرج منه بندقية كلاشينكوف. لم يكن في تلك النعوش المصفوفة أجساد، فالموتى كانوا مجرد قطع سلاح وذخيرة كفّنها أصحابها بعناية، في انتظار أن تُبعث من مرقدها، وتقوم في اليوم المشهود. وتخاطفت الأكف بسرعة عشرات البنادق والمسدسات التي اكتنزتها الأكفان. ثم أشار جهيمان إلى أتباعه المنتشرين في الفناء الفسيح للكعبة، فتوجه كل فريق منهم إلى مهمته المحددة. صعد البعض مآذن المسجد الحرام السبعة، ونصبوا في شرفاتها الرشاشات، وصوّبوها إلى كل الاتجاهات. وتوجّه آخرون نحو بوّابات المسجد الخمس والعشرين لإغلاقها. وفي الجهة الجنوبية من الحرم، حاول أحد حرّاس المسجد أن يمنع غلق البوابة على المصلّين في الداخل. وتشابك أحد المسلحين معه بالأيدي. وفجأة انطلقت رصاصة طائشة من بندقيته، فاصطدمت بحلقة معدنية في الباب ثم ارتدّت نحو الحارس، فأردته قتيلاً على الفور.


كان ولي العهد الأمير فهد آنذاك في تونس وأشدّ ما كان يثير غضبه أن يزعج أحدٌ نومته وهو أصلاً لا يستيقظ مبكراً

كانت تلك علامة شؤم، فجميع المتديّنين المسلمين يعلمون أنه من المحظور سفك الدماء في المسجد الحرام. وفوق حرمة المكان، فإن الزمان كان يوافق اليوم الأول من شهر محرّم الحرام الذي لا يجوز فيها القتال. ولقد أريقت الدماء حقاً، وانتهكت حرمات المكان والزمان المقدّسين.

«المهدي المنتظر»

قبض جهيمان على المايكروفون، وبدأ يكبّر سبع تكبيرات متتالية، ورفاقه الكثر يرددون بأصوات عالية: «الله أكبر». ثم أخذ جهيمان ينادي: «أيها الناس... أيها الناس أبشروا.. أيها الناس أبشروا». وسريعاً ما انتبه الناس إلى هذا الخطيب المبشّر الذي أخذ صوته الجهوري يتردّد واضحاً في جميع زوايا الحرم المكي، بل وفي قلب مدينة مكة كلها. كان مايكروفون إمام الحرم مرتبطاً بنظام صوتي شامل، لكي يصل صوت الإمام إلى كل أنحاء المسجد الحرام، وما حوله من الأماكن، بوضوح شديد. وتجمع آلاف المصلّين حول المذيع الذي يبشّرهم بنبأ عظيم، ويكبّر ويحمد الله عليه. وقال جهيمان: «إنّ الإمام المهدي المنتظر هو الآن بينكم واقف بين الركن (اليماني) والمقام (الإبراهيمي)، فهلموا لتروْا إمامكم وتبايعوه». ثم خطا خطوات نحو شاب ملتحٍ أسمر متوسط الطول يلبس رداء أبيض، فبسط له يده، وبايعه على السمع والطاعة في المنشط والمكره. ثم تتالى بعض الرجال يبايعون «المهدي». وأخذ المايكروفون شاب عرّف نفسه باسم فيصل العجمي، فجعل يخطب في الحاضرين قائلاً: «عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم لَطَوَّلَ اللّه ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا مني - أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي - يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً». رواه أبو داود. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المهدي منّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويملك سبع سنين. رواه أبو داود في سننه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدّد لها دينها. رواه ابو داود في سننه». ومضى الخطيب يقول: «واعلمـوا أيها المؤمنون، أنه انطبقت هذه الصفات كلها على محمد بن عبد الله المهدي القحطاني الذي سوف تبايعونه الآن بين الركن والمقام، فهو من أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، من ولد فاطمة رضي الله تعالى عنها، وهو أجلى الجبهة، أقنى الأنف. وهو الذي يظهـر إلى من ملأ الأرض ظلماً وجـوراً، فيملـؤها هو قسـطاً وعدلاً».
كان ما يقوله خطيب الكعبة مدهشاً لعشرات الألوف من السامعين الذين أخذتهم المفاجأة المذهلة، فطفق كثير منهم يكبّر بحماسة، ويهللون، ويحمدون الله. وتجمهرت حشود غفيرة جداً من الفضوليين تريد أن ترى بعينها «المهدي المنتظر». وصار الزحام حول هذا «المهدي» عنيفاً، كل امرئ يحب أن يتبرك به، ويلمسه أو يقبّله. وخشي المسلحون أن يفتك بالمهدي حبُّ الناس له. فأخذوا يطلقون النار في الهواء تحذيراً، لإبعاد الحشود وتنظيمها. وكان الموقف كله خرافياً!

«لقد خطف أبناء الحرام المسجد الحرام»


لم يكن كل المصلين في المسجد الحرام يفهمون ما يقوله الخطيب، فكثير منهم كانوا من الزوار العجم الذين لا يعرفون اللغة العربية. وأصبح هؤلاء كتلة بشرية ضخمة ضاغطة على المسلحين ومزعجة لهم، فهم لا يفقهون الكلام، ولا يهتمون سوى بالخروج من المسجد الحرام لقضاء شؤونهم في خارجه. وحينما وجد كثير من المصلين أن البوابات قد أغلقها المسلحون بالمتاريس، حصل هرج ومرج وصخب في أروقة الحرم. وبدا أنّ الأمور ستخرج عن السيطرة إذا ما حصل صراع بين مئات المسلحين وعشرات الآلاف من المعتمرين. وأمر جهيمان أتباعه بإخراج الأعاجم من المسجد على أن يبقوا فيه العربَ ليبايعوا «المهدي». ووجد الشيخ محمد السبيّل أنّ الفرصة باتت سانحة للفرار بجلده، فخلع مشلحه المذهّب من على كتفيه، ونزع شماغه من فوق رأسه، ثم اندسّ وسط فوج غفير من المعتمرين الأندونيسيين المغادرين، وانسلّ إلى خارج المسجد الحرام. وكان أول ما فعله الشيخ الوهابي هو التوجه إلى قصر فوّاز بن عبد العزيز آل سعود أمير مكة. وكان الأمير لا يزال يغطّ في نومه، في ذلك الصباح الباكر من يوم الثلاثاء 20 نوفمبر 1979، عندما أيقظه أحد خدمه، ليطلعه على الخبر الجلل. وحين قابل الأمير فوّاز الشيخ السبيّل، كان الأخير يسرد على مسامعه وقائع ما جرى في المسجد الحرام بذهول. ولم يكن السامع أقل ذهولاً. واستجمع فوّاز بعض رشده، وهاتف قائد الحرس الوطني في منطقة مكة لكي يجمع جنوده، ويتدخلوا لتحرير المسجد الحرام من خاطفيه. لكنّ رجال الأمن السعوديين الذين أحاطوا من كل جانب بالحرم الموصد بإحكام، وجدوا أنّ المهمة التي ألقيت على عاتقهم أكبر من قدراتهم. ولم يجد الأمير فوّاز بدّاً من إجراء المكالمة الهاتفية المحرجة مع قصر الملك في الرياض. وانتظر أمير مكة دقائق طويلة قبل أن يرفع السمّاعة الملك خالد بنفسه. وحين سمع الأمير صوت الملك، لم يجد فوّاز ما يخبر به أخاه الأكبر، في تلك اللحظة الأليمة، سوى كلمات مضطربة خرجت مشوشة من فيه: «أبناء الحرام! .. إنهم أبناء حرام، هؤلاء الذين دنّسوا المسجد الحرام...».
رنّ جرس الهاتف رنيناً مزعجاً في جناح ولي العهد السعودي الأمير فهد، وكان يومذاك في تونس، يمثل بلاده في القمة العربية. كان الظلام ما زال مهيمناً في سماء العاصمة التونسية، ولم يكن من عادة فهد أن يستيقظ قبل الضحى، وأحياناً قبل الظهر. ولعلّ من أشدّ ما كان يثير غضب الأمير هو أن يزعج أحدٌ نومته. لكنّ إزعاج فهد، في ذلك الصباح البارد، كان أمراً ليس منه مهرب. فلقد كان ولي العهد هو الحاكم الفعلي للمملكة، ولم يكن من الممكن أن تتخذ قرارات صغيرة أو كبيرة في السعودية من دون أن تتم مشورته، فكيف والحال قد تدحرج إلى درك خطير، في ذلك اليوم العجيب؟! استدعى فهد تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات العامة، وكان أحد مرافقيه الذين جاؤوا معه إلى تونس، وأمره أن يسبقه بالعودة فوراً إلى المملكة لمعالجة هذه النازلة الخطيرة.

لم يكن آل سعود يفقهون جيداً ما كان ينتظر جنودهم من الهول إذ كان المسلحون الوهابيون مستعدين جيداً للقتال
وأمّا هو، فسيبقى في مؤتمر القمة العربية سويعات إضافية قبل أن يعود إلى بلاده، وسيظل على اتصال ببقية المسؤولين يدير الأمور بالهاتف. ولم يكن فهد، حتى تلك اللحظة، يعي أنّ الأمور في مكة على غاية من الخطورة والحرج. كان يظن أنها قضية أفراد عُصبة متطرفة صغيرة سرعان ما يقبض رجال الشرطة عليهم، فيودعون في السجن. على أنّ الأخبار السيئة أخذت تجيء من مكة تترى، وكان كل ما فيها يزيد غضب فهد وسخطه وحنقه.
في مكة، لم ينجح الأمير فوّاز في استعادة السيطرة على الحرم بسرعة، رغم كل محاولاته. كان القناصة من فوق المآذن يصدّون كل تقدم للجنود السعوديين. وكانت الساحات الخارجية الواسعة حول المسجد الحرام تجعل مهمة المتسللين إليه مكشوفة تماماً أمام القناصين. وقرر وزير الدفاع السعودي الأمير سلطان، ومعه شقيقه نايف وزير الداخلية أن يقودا الجنود بنفسيهما، من أرض المعركة. فطارا إلى مكة، ووصلاها في التاسعة من صباح ذلك اليوم. وكانت أولى التدابير السعودية هي التعتيم الشامل على ما يجرى في الحرم المكي(²). وهكذا عزلت مدينة مكة عن العالم الخارجي تماماً، وسدّت جميع الطرق إليها، وقطعت خطوط التلفون المحلية والدولية في المدينة المقدسة. ثم بدأ الأميران سلطان ونايف في حشد قواتهما المسلحة، متخذين من فندق «شبرا» المشرف على الحرم مقراً لقيادة العمليات العسكرية. وأما الأمير عبد الله رئيس الحرس الوطني، والذي كان يقضي إجازته، كما اعتاد، في المغرب، فقد تلقّى اتصالاً هاتفياً من إخوته لكي يعود على الفور إلى البلاد، لكي يقود قواته بنفسه. ومضت بضع ساعات جمّع فيها أمراء آل سعود جيشاً قادراً على أن يهاجم المسلحين، ويقتحم المسجد الحرام عليهم. لكنّ أحداً من الجنود، أو من قادتهم، لم يتحرك نحو الهدف، فلقد كان الملك خالد يريد الحصول على فتوى شرعية من هيئة كبار علماء المملكة تبيح لجيشه القتال في المسجد الحرام، في الشهر الحرام. وطال انتظار تلك الفتوى الوهابية، من دون أن تصل إلى آل سعود(³). وكلما كان الوقت يمضي بطيئاً، من دون جديد، في ذلك النهار الخطير، كان الغضب يغلي، وضغط الأمراء يفور. كان فهد، البعيد في تونس، لا ينفك يصب جام غضبه على إخوته العاجزين عن السيطرة على الأزمة في مكة. وأما سلطان ونايف القريبين من مكان الأحداث في الحرم، فقد انصبّ غيظهما على أولئك الفقهاء «الأغبياء» الذين يضيّعون الوقت سدى في نقاشاتهم الفارغة، ولا يفقهون خطورة الأحوال في الميدان. وما أن انقضى نهار يوم العشرين من شهر نوفمبر الثقيل، وخيّم الليل على مكة، حتى قرر الأمير سلطان أن لا يصبر أكثر مما صبر، وأن يأخذ زمام المبادرة بيده. فجمع قادة جنده، وأمرهم أن ينهوا المسألة في هذه الليلة بالذات، مهما كانت المخاطر أو التضحيات.
ولم يكن آل سعود يفقهون جيداً ما كان ينتظر جنودهم حول الكعبة من الهول. وكان المسلحون الوهابيون مستعدين جيداً للقتال. وهم آمنوا حقاً بأن اللّه سيكون معهم، وبأنه سيخسف الأرض بأعدائهم، إن هم تجرّؤوا على مهاجمة «المهديّ» وأتباعه. ومن غريب التصاريف أنّ شيئاً مما اعتقده أتباع «المهدي» قد تحقق فعلاً، فقد مُنيَ السعوديون بكارثة، في تلك الليلة الليلاء.
[يتبع]

الهوامش:

(1) على خلاف ما ظنّ جهيمان، ومعظم المسلمين في تلك الأيام، فإن القرن الهجري الجديد لم يبدأ في اليوم الأول من شهر محرّم سنة 1400 هـ، لأنّ ذلك هو اليوم الأول من العام الأخير في القرن الرابع عشر. وأما بداية القرن الخامس عشر فتكون في أول محرم 1401 هـ.
(2) فرضت الحكومة السعودية تعتيماً شاملاً على ما كان يجري في مكة، فقطعت خطوط الهاتف المحلية والدولية، وسدّت الطرق إلى المدينة المقدسة مانعة الدخول والخروج منها. والأسوأ من ذلك هو أنّ السلطات السعودية أصابها الخرس التام. ومثلا، ففي كامل اليوم الأول من حصار مكة، لم تتطرق وسائل الإعلام السعودية كلها إلى ما يدور في أكثر الأماكن الإسلامية قداسة من معارك بالأسلحة، واختطاف للكعبة، واحتجاز لعشرات الألوف من الناس من جنسيات العالم المختلفة داخل المسجد الحرام. وكانت وكالة الأنباء السعودية والتلفزيون والإذاعة والصحف الرسمية تتحدث عن أنباء محلية وعالمية شتى، باستثناء تلك التي تحدث في مكة. ومن المؤسف أن حالة الإنكار السعودية تلك، كانت تدل على عقلية بائسة قوامها الكذب والخوف والحمق.
(3) لم يكن الفشل والعجز السعوديان في إدارة أخطر أزمة حلّت بالمملكة حكراً على الأداء الحكومي الرسمي وحده، بل برهنت هيئة كبار علماء السعودية التي يرأسها الشيخ عبد العزيز بن باز، عن سوء التقدير وعدم الكفاءة. ولقد استغرق نقاش العلماء ثلاثة أيام كاملة وثمينة، لكي يخرجوا يوم الجمعة 23 نوفمبر 1979، أخيراً، ببيان يجيزون فيه للقوات المسلحة السعودية أن تستعيد الحرم المكي بالقوة، وتحرر آلاف الرهائن المحتجزين فيه.