العمليات الفردية، بل النضال الفردي مسألة دراسة وتحليل لدى كلٍّ من المقاومة وأعداء المقاومة، بدءاً من الكيان الصهيوني. ونظراً لكونها أكثر سرية وغموضاً من المقاومة فلن يكون هناك إجماع ولو بالحد الأدنى على تقييم كل من آلياتها وحتى نتائجها.

في الحالة الفلسطينية حيث يمتد مشروع الاستيطان الرأسمالي الأبيض إلى حد المذبحة وليس فقط التطهير العرقي كما تزعم مقولة إيلان بابيه التي يروج لها كثير من الفلسطينيين والعرب المتخصصين في التقاط الجديد، أي جديد، وفي تلطيف شراسة الصراع! فإن المقاومة ممتدة دائماً ومشتدة أحياناً طبقاً للقوة الشعبية الكامنة وتحولاتها.

التطهير العرقي مرتبط بمساحة جغرافية معينة وفترة زمنية معينة، بينما الحالة الفلسطينية هي مشروع اقتلاع ممتد بدءاً من يافا وليس من رام الله ويمتد إلى ما بعد النهر ولا يتوقف هناك.
والقوة الشعبية الكامنة هي طاقة مقاومة موجودة في بنية المجتمع، وهي التي ولَّدت الحركة المقاومة منذ نهايات القرن التاسع عشر، وليست توليد الحركة الصهيونية كما يزعم إيلان بابيه ويوافقه فيصل دراج وآخرون، بأن الحركة الصهيونية خلقت نفسها وخلقت الحركة الوطنية الفلسطينية. وكأن الحركة الوطنية الفلسطينية «صناعة» صهيونية. وفي هذا الاعتقاد يكمن فهم مسطح لقوانين الديالكتيك، بينما واقع التطورات أن التحدي الصهيوني كشف عن الوجود الموضوعي للقوة الكامنة المقاومة الفلسطينية ولم يخلق هذه المقاومة.
نقصد هنا أن القوة الكامنة للمقاومة الفلسطينية هي موقف جمعي مستدام ولا تكون العمليات الفردية سوى تجليات له في فترات معينة ليست هي الأفضل من حيث الرد على التحدي. ولولا هذه القوة الممتدة لما بقي هذا النضال الوطني طوال هذا الزمن. بل إن العمليات الفردية هي نفسها بمثابة إصرار على أنه في فترة الانحطاط تقوم الحركة الوطنية بشكل من أشكال الانسحاب إلى الداخل لترتيب الصفوف والأولويات وتفرز بفرار أو آلياً مقاومة يمكن وصفها بجيوب المقاومة التي تحمي تراجعاً تكتيكياً موقتاً لجيش ما إعداداً لهجوم مضاد. بمعنى قد يراه البعض غيبياً، فإن العمليات الفردية بمثابة انتداب قام به العام، أي الشعب، موكلاً إياه للخاص أي للبعض في فترة الانحسار. وهذا البعض ريادي ومبدع ونادر التكرار والتقليد.


القوة الكامنة للمقاومة هي موقف جمعي مستدام والعمليات الفردية تجليات له


التحدي موجود موضوعياً في فلسطين، هو الحدث الكبير، هو لا يستشيرنا بل يعمل بمعزل عنا كحدث من جهة، وكتجلي لدور العدو من جهة ثانية. وعليه، يكون دورنا ليس مضغ الحدث بعد حصوله، بل يكون الأمر اكتشاف قدرتنا واكتشافنا لقدرتنا على التقاط مفاتيح معينة يعرضها أو يحتويها الحدث نفسه. وبالطبع، بين التقاط المفاتيح، والانحصار في مضغ المغاليق اللتين يحتويهما الحدث بل ويوحي بهما، بينهما توجد مسافة وعي ثوري واسعة يكاد لا يلتقي طرفاها.
في تعرجات النضال الفلسطيني هناك مستويات عدة من المقاومة: النضال المسلح والعنفي غير المسلح. بينما أي نضال يسمي نفسه سلمياً، فهو محط شك، لأن النضال ضد المشروع الاستيطاني يجب أن يكون قائماً على تناقض تناحري ما يجعل تسمية سلمي، سلبية تتضمن في طياتها اعترافاً بالعدو وتحويل الصراع إلى نزاع.
في النضال المسلح هناك الحالات الفردية، والحالات التنظيمية المحدودة في الشخوص والمكان، كما كان في بداية احتلال 1967، مثلاً مجموعة من أبناء رام الله القديمة، تحول عناصرها بعد الاعتقال للمنظمات الكبرى. أما الكفاح المسلح بالمعنى الأشد فهو نضال النخبة المقاتلة أي المنظمات المسلحة وهو الطابع العام للمقاومة الفلسطينية.
أما الانتفاضة فهي حالة النضال الجماهيري الأوسع من نضال النخبة. والانتفاضة تنتج إما عن ارتفاع سقف النضال وصولاً إلى الانتصار، أو ارتفاع السقف النضالي في حالة دفاع عن خطر يهدد المشروع كما كانت الانتفاضة الأولى التي تلت فترة تدهور المقاومة بعد الخروج غير المبرر من لبنان 1982، والذي شجع ميرون بنفنستي (نائب رئيس بلدية القدس الصهيوني الأسبق) على القول بأن اندماج الفلسطينيين تحت راية الدولة الصهيونية في كل فلسطين، أي انتهاء القضية الفلسطينية بيد الفلسطينيين، لا يفصلنا سوى ربع الساعة الأخير. كان ذلك قبل أشهر قليلة من اشتعال الانتفاضة الأولى ما حول «نبوءته» إلى هذيان.
قد يجوز التعميم بأن فكرة أي عمل ثوري، مقاوم اعتراضي تبدأ فردياً، وقد تتزامن بين أفراد فرادى. وهي تبدأ كاعتراض أو رفض لواقع ما مضاد ومجافٍ بالطبع لكنها تحمل الهم العام وبخاصة في تجسدها في فعل معين لأن الفعل يحتاج المجتمع كمسرح له بينما يكون الواقع الاجتماعي، وإن كان هو مولّد الفكرة، يكون بالنسبة للفكرة مسرحاً افتراضياً لها طالما وهي فكرة.
ولكن عملية المقاومة الفردية حتى لو كانت منعزلة تماماً عن الآخرين، وحتى لو لم تحاول خلق حالة انتظام من آخرين، إلا أنها تحمل في طياتها مُحفّزاً لآخرين فردياً وانتظامياً. ومن هنا يتولد العمل النضالي النخبوي ومن ثم الجماهيري. فالعملية الفردية ليست انعزالية حتى لو لم تعِ أنها في النهاية جمعت البعد والدور والمستقبل.
يمكن رد العمليات الفردية المسلحة إلى تراجع أو انخفاض السقف الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية إثر مغادرة الكثير من فصائلها الكفاح المسلح مغادرة علنية إعلانية، حيث انقسمت الحركة الوطنية إلى فريق التسوية وفريق رفض التسوية. وهذا كانت له تأثيراته في المستوى النضالي وبالتالي كان طبيعياً أن تكون هناك حالات مقاومة فردية رفضاً لواقع الانقسام ودفعاً للنضال للاستمرار. وهذا بالطبع تحدٍ للقوى السياسية وليس تحدياً لعدو فحسب.
كما أن الانقسام بين الضفة والقطاع وانتقال الاشتباك المسلح إلى حرب الكلام والإعلام، ومن ثم مزاعم المصالحة التي لم تُعط شيئاً، هو كذلك عامل تخفيز للعمليات الفردية كرد محرج على القيادات التي تسببت في الانقسام ومن ثم رهن إنهاء الانقسام بدور قوى عربية غير عروبية وقوى إقليمية ودولية وخاصة العدو الأميركي.
كما هو الاحتلال محفز للنضال الوطني النخبوي والجمعي الجماهيري، فإن شروط القمع، وبخاصة في الحالة الفلسطينية حيث العدو الاستيطاني أكثر حتى عدداً من الشعب الفلسطيني من دون أن نتحدث عن إمكاناته ودعم الثورة المضادة له، فإن شروط القمع والتي يُرد عليها بالعمل السري، يكون نقيضها أو الرد عليها بالنضال الفردي ربما أكثر من النخبوي والجمعي كذلك.
وفي هذه الحالة يكون النضال فردي المظهر جماعي الجوهر بمعنى خلق حالات فردية من قبل تنظيم معين حفاظاً على سرية البنية. ومن هنا، ليس شرطاً ان يكون كل عمل مسلح من قبل شخص معين هو فردي بعيداً عن التنظيمات.
كما ان شروط القمع وبالتالي العمل السري، قد لا توصل بعض الأفراد إلى مناضلين من القوى بحيث ينتظم الفرد ذو الجاهزية النضالية فيكون عمله فردياً.
ولا يغيب عن البال بأن القوى المقاومة هي أساساً بنية سرية تعزل خلاياها عن بعضها البعض، سواء من حيث ما تعلمته عالمياً أو من تجربتها المرة. ففي عام 1967 حيث كان الاستعداد النضالي عالياً جداً، وحيث كانت خبرة الكفاح المسلح في بداياتها، كانت خلايا التنظيم الواحد مفتوحة على بعضها وكأنه نضال علني، وكانت خلايا البعض مفتوحة على البعض الآخر. لذا، حينما اعتقل شخص من أحد التنظيمات في آذار 1968 في مدينة القدس لم يتمكن من الصمود وكان من تبعة ذلك اعتقال 319 شخصاً من فتح والنضال الشعبي والجبهة الشعبية.
وهناك عدم تبني العمليات حيث تقوم بعض التنظيمات في ظروف معينة، وتحديداً العمل السري بعدم إعلان عمليات يقوم بها بعض أفرادها حفاظاً على السرية كي لا تتعرض لضربات مخابرات العدو. لذا تبدو هذه العمليات فردية في حين هي عملياً منظمة.
يميل العدو إلى تصوير العمليات الفردية على أنها في أغلبها فردية بحتة بهدف التقليل من دور القوى الوطنية والإيحاء بأن المقاومة قد انتهت بينما جوهرياً يراها جزء من النضال الجماعي المقاوِم. وضمن هذا التكتيك قرر الاحتلال السماح لفلسطينيي الضفة الغربية بالدخول إلى فلسطين المحتلة عام 1948 بسهولة من دون تصاريح، وهو الأمر الذي مُنع منذ عشرات السنين. ولكن التزايد النسبي للعمليات المسلحة في الأسابيع الأخيرة والتي لم تتبناها التنظيمات بل باركتها حركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وحماس، هي عمليات طابعها فردي كما يبدو، دفعت الاحتلال إلى التراجع عن قراره هذا. مفوتة عليه فرصة الزعم بأن المقاومة في تراجع حد الموت.
كما هو الاحتلال، يقوم دُعاة الصراع السلمي مع الاحتلال سواء من منظمات الأنجزة وحقوق الإنسان واللبراليين ومثقفي الطابور السادس وما بعد الحداثيين بالترويج ضد القوى المقاومة، والتبشير بانتهائها، وذلك خدمة لأمرين:
· تسويق مقولة الاحتلال بانتهاء المقاومة.
· وحلم هؤلاء بأن يكونوا قادة سياسيين لحالة فلسطينية مستسلمة مدفوعين بنظرية الاعتراف. لذا يُكثر هؤلاء من نقد المقاومة نقداً تدميرياً متلفعين بالانقسام والتطاول على فكر المنظمات اليسارية مشككين في التزامها الفكري في حين هم بلا التزام وطني!
مقاومة غير مسلحة:
كما أشرت أعلاه، فإن أية مقاومة هي عمل عنفي ضد إرهاب الكيان. ومن هنا عدم تسميتها سلمية، اللهم إلا إذا كان المقصود حشد تأييد خارجي لها.
في هذا المستوى يمكن إدراج الإضرابات التي خاضها المعتقلون الفلسطينيون منذ بدء الاحتلال عام 1967. فالإضراب عن الطعام هو مقاومة لمجرد وجود الاحتلال، لأن الوصول إلى السجن هو نتيجة دور في المقاومة. وبالطبع تتخذ المقاومة في السجون أشكالاً جديدة طبقاً للمكان والإمكانات المتاحة.
تبدأ من لحظة الاعتقال والحفاظ على المعلومة التي يحتكرها المقاوم ويستميت من أجلها العدو إلى حد استعداده للقتل. وبعد التحقيق تتخذ المقاومة شكل الحفاظ على الروح الوطنية والانتماء كي يخرج المعتقل بغض النظر متى ليكون جاهزاً للاستمرار في المقاومة.
بهذا المعنى، فإن معركة السجون هي بين: هدف العدو تدمير الإرادة وإطفاء شحنة المقاومة في داخل عقل ونفس المقاومين، وبين اجتراء آليات الصمود والانتماء من أجل التجدد النضالي.
والإضراب عن الطعام هو السلاح الأقوى والأخير لدى المعتقلين لأنه سلاح الجسد المباشر بمعنى ان المقاوم يدخل المعركة بكل ما لديه.
والإضراب كالعمل القتالي يكون فردياً ويكون جماعياً طبقاً للحظة الاشتباك وطبيعة المطالب. كما أعلم كان أول إضراب جماعي في سجن رام الله في آذار 1969. كان ذلك حين أخرَجَنا الحراس للفطور في ساحة المعتقل، فإذا في الساحة رجل ملفوف في بطانية لا يكاد يخرج منه النفس بينما بقع الدم تبدو من جوانب البطانية. كيف لنا أن نأكل والرجل أمامنا؟ تحدثت مع الرفيق تيسير قبعة وبعض الرفاق واتفقنا على رفض الطعام وعدنا إلى الغرف. وبعدها قام قائد السجن بأخذ الرجل إلى مكان آخر.
كان الإضراب الثاني فردياً من أجل مطلب جماعي، وهو ما ذكرته في مقال سابق. حيث قررنا في سجن بيت ليد-كفار يونا الإضراب عن الطعام بعد مطالبات عديدة بإدخال الكتب التي جلبتها أسرنا واحتجزت في إدارة السجن. كان ذلك في تموز 1968. وكان المخطط أن يُضرب واحد من كل قسم من الأقسام الثلاثة كمقدمة لتشجيع بقية المعتقلين. واتفق أن أكون أنا أول من يُضرب. وحصل، فأخذني الضابط إلى الزنزانة الانفرادية. لم يلحق بي الزميلان الآخران عن كل قسم، لكنني قررت الاستمرار وأخرجت الحليب الذي أُعطي لي بالقوة وفي اليوم الثاني توقفت عن الماء فأُخذت إلى سجن الرملة إلى زنزانة منخفضة السقف بجاتب مستشفى السجن، وفي اليوم السابع سلموني أول كتاب وهو كتاب الأحزاب السياسية The Political Parties للكاتب الفرنسي موريس دوفرجيه وكان أحد مراجع الدراسة في السنة الثانية في الجامعة اللبنانية التي كنت أدرس فيها قبيل عدوان 1967. وقد وثق ذلك د. أسعد عبد الرحمن بعد انتهاء محكوميته في كتابه «أوراق سجين». وإثر ذلك أخذنا نُدخل كميات كبيرة من الكتب متعددة الموضوعات وكذلك الدفاتر والأقلام. ولاحقاً أخذت كل منظمة تصدر مجلتها الشهرية نسخاً بالأيدي.
بينما كان أول إضراب طويل وربما الأطول هو ما قام به الزميل عوني الشيخ. عوني الشيخ كان معتقلاً في الأردن قبيل عام 1967 على ذمة حركة القومين العرب ضمن إحدى حملات مخابرات النظام الأردني ضد القوميين العرب والبعثيين. وإثر حصول الاحتلال قرر ترك وظيفته في وكالة الغوث وقطع دراسة الماجستير/ تاريخ في جامعة دمشق والعودة إلى فلسطين. وحينما فرض العدو على الفلسطينيين في الضفة والقطاع حمل بطاقة هوية أصدرها العدو رفض حمل البطاقة، فاعتقل.
هذه الحالة لا يمكن اعتبارها حالة فردية. فهو قد رفض حمل بطاقة الاحتلال، وبالتالي هو يدافع عن حق وطني تجسد في شخصه. وحيث أصر العدو على مواصلة اعتقاله قرر الإضراب عن الطعام، واستمر إضرابه خمسة اشهر عام 1968. وهو أول إضراب طويل.
في تلك الفترة لم يكن هناك إعلام ولا مؤسسات ترعى السجناء... الخ. كما لم تكن الإضرابات قد اصبحت حالة عادية للمعتقلين. ومع ذلك واصل الإضراب وبقي بالطبع حالة مجهولة إلى أن أفرج عنه الاحتلال. ورفض الرحيل إلى الأردن، وبقي في بلدة الخضر في منطقة بيت لحم حتى الآن. وبالطبع أوقفت وكالة الغوث وظيفته، ومنذ حينها وحتى الآن وهو يعيش شظف العيش معتمداً على قطيع صغير من الأغنام التي يرعاها. لم يتزوج عوني الشيخ لأن وضعه الاقتصادي لا يسمح بإعالة أسرى وهو الآن في السادسة والسبعين من العمر.
لقد مر المعتقلون الفلسطينيون بسلسة لم تتوقف من الإضرابات، بعضها كان فردياً وبعضها جماعيا في السجن الواحد وبعضها شمل المعتقلات جميعها. بعضها كان لتحسين العلاج والمعاملة ورفض العمل في مجالات تخدم الجيش الصهيوني (شباك الدبابات)... الخ.
لكن الإضرابات الأشد والأطول هي في العامين الماضيين والتي قام بها المعتقلون الإداريون فرادى وجماعة رفضاً لاعتقالهم من دون تهم محددة. كان منها إضراب سامر العيساوي لخمسة أشهر متتالية، وأخيراً إضراب الشيخ خضر عدنان الذي مثل صموداً وتحدياً أسطورياً لمدة 54 يوماً رافضاً اعتقاله إدارياً مكتفياً بالماء فقط إلى أن هُزم العدو وانكسرت إرادته النازية واضطر لوعده بالإفراج في شهر تموز الجاري 2015.
إن الإضرابات في المعتقلات حتى الفردية منها هي إضرابات تنظيمية لأن من قاموا بها هم أعضاء في منظمات فلسطينية مسلحة.
* كاتب فلسطيني