السياسة الطموحة التي تقودها الصين لتوسيع أسواقها والهيمنة على التجارة الدولية تضعها في مواجهة ليس فقط مع خصوم تقليديين مثل الولايات المتحدة وأوروبا، بل أيضاً مع حلفاء سياسيين كروسيا. لكن التنافس مع روسيا بخلاف الغرب ينحصر في إطار إقليمي على خلفية التناقضات داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي في حين أنّ المواجهة التجارية مع الولايات المتحدة تأخذ طابعاً شاملاً، وتتعدّى أحياناً الصراع الاقتصادي لتصل إلى حدّ التلويح بالخيار العسكري في المناطق المتنازع عليها بين الصين وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. وبين المواجهتين تحاول أوروبا استمالة الصين على خلفية الصراع التجاري مع إدارة ترامب ولكن بشريطة أن لا يكون هذا التعاون على حساب وحدة أوروبا، كما تكرِّر ألمانيا دائماً.


تناقضات الاتحاد الأوراسي

في محاولاتها توسيع إطار الاتحاد الأوراسي الاقتصادي تصطدم روسيا دائماً بمعوِّقات قانونية ودستورية مثل تردُّد بعض الدول في جعل تشريعاتها متماشية مع معايير الاتحاد، ولكن ثمّة ما هو أبعد من ذلك. إذ إنّ النشاط التجاري الصيني في آسيا الوسطى يعِد هذه الدول ومن بينها أوزبكستان بعوائد اقتصادية كبيرة على خلفية ارتفاع حجم التبادل التجاري بينها وبين الصين، وهذا يغنيها عملياً عن الانضمام إلى الاتحاد الأوراسي، على اعتبار أنّ الشراكة مع اقتصاد كبير مثل الصين هو بحدِّ ذاته قاطرة لاقتصادات هذه الدول. التراكم هنا يتحقّق في إطار شراكة ثنائية ومن دون الحاجة إلى تعديل في التشريعات الوطنية لكي تتلاءم مع معايير منظمة إقليمية مثل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وهو ما يقود فضلاً عن تحبيذ الصين كشريك منفرد على حساب شراكة إقليمية مع روسيا إلى تراجعات هنا وهناك، وعدم انتظام في عمل الاتحاد الأوراسي الذي أنشأته روسيا كإطار اقتصادي لتفعيل التحالف الاستراتيجي في إطار منظمة شنغهاي. قد لا يتأثّر التحالف السياسي بين الدولتين بهذا التنافس كثيراً ولكنه بلا شكّ يصعِّب جهود روسيا في تمتين العلاقة بين أطراف منظمة شنغهاي عبر ضمّها أيضاً إلى منطقة تجارية مشتركة تكون بمثابة ذراع اقتصادي للتحالف في مواجهة تكتُّلات دولية وإقليمية كبرى مثل الاتحاد الأوروبي وسواه.

التباس العلاقة مع أوروبا

الصراع الذي تقوده إدارة ترامب لتغيير قواعد التجارة الدولية وجعلها متناسِبة أكثر مع المصالح الأميركية وضع الصين على سكّة التقاطع مع أوروبا. فالطرفان متضرِّران من مساعي الولايات المتحدة لتغليب الحمائية التجارية على قواعد التبادل الحرّ للسلع، وهو ما يضعهما ليس فقط في مواجهة مع الإدارة الأميركية بل أيضاً في موقع حماية العولمة كما أقرّتها قوانين منظمة التجارة العالمية. وقد أظهرت أكثر من مناسبة مركزية الدور الذي تلعبه كلٌّ من الصين وألمانيا في مجابهة مساعي الولايات المتحدة لتقييد اتفاقات التجارة الحرّة ووضع قيود على حركة الرساميل الدولية، حيث بدا التقاطع واضحاً في طروحاتهما حول أهمية الحفاظ على الهياكل التي تنظِّم عمل التجارة الدولية، وتمنع ارتكاس الأسواق إلى المرحلة الحمائية. هذه القيادة المشتركة للعولمة بدلاً من الولايات المتحدة هي التي جعلت التنافس بين البلدين يتراجع قليلاً لمصلحة مجابهة مساعي ترامب لتقييد التجارة الدولية، وهي التي قرّبت الصين من الاتحاد الأوروبي بوصفها ليس فقط شريكاً تجارياً بديلاً عن أميركا بل أيضاً بصفتها طرفاً أساسياً في الحفاظ على صيغة العولمة القائمة. وهذا لا يتناقض طبعاً مع بقاء التنافس قائماً على خلفية النفوذ الذي باتت الصين تحظى به في بعض الدول الأوروبية، وخصوصاً الشرقية منها. فهذه البلدان لا تحظى بقاعدة صناعية متينة، ولا تحقق نسب نموّ كبيرة قياساً بنظيرتها الغربية، وهي إلى ذلك بحاجة إلى استثمارات كبيرة لتحريك عجلة الاقتصاد الذي لا يزال يعتمد على نمط تراكم بدائي. الصين هنا عبر إتيانها بالاستثمارات لا تحرّك اقتصادات هذه الدول فحسب، بل تخلق لنفسها منطقة نفوذ اقتصادي عبر الربط بين هذه الاستثمارات ومشروعها الاقتصادي الأساسي المسمّى بطريق الحرير الجديد، أو كما يفضل البعض تسميته: حزام واحد - طريق واحد. هذا الربط هو الذي يزعج دول أوروبا الغربية وعلى رأسها ألمانيا، على اعتبار أنّ النفوذ الصيني هناك لن يقتصر على الجانب الاقتصادي، وسيصبح مدخلاً لممارسة ضغط سياسي على هذه الدول بغرض فصلها عن سياسة الاتحاد الأوروبي الخاصّة بالصين. ومن هنا يأتي كلام زيغمار غابرييل، نائب المستشارة ووزير الخارجية الألماني، حول خطورة ما تقوم به الصين في أوروبا الشرقية، واحتمال أن يقود - في حال عدم التصدّي له كما يجب- إلى تهديد وحدة أوروبا.
* كاتب سوري