بطريقة تبعث على شيء من الارتياح، يسير الوضع اللبناني بعكس تيار الوضعين الإقليمي والدولي. كلا هذين الوضعين يتجه نحو مزيد من الاحتدام. الأزمة السورية التي ما كادت تسدل الستار على مرحلة التدخل، فيها، بالواسطة (عبر أفراد ومنظمات طغى عليهما، بالصوت والصورة والجريمة، طابع التطرف والإرهاب والتوحش)، حتى انتقلت، سريعاً، إلى مرحلة التدخل المباشر لجيوش دول، قريبة وبعيدة، تعاود السعي لتحقيق أهداف قديمة بوسائل جديدة.


في البر والبحر والجو السوري تنشط قوات عسكرية أجنبية متداخلة ومتناقضة، يحاول بعضها منع السلطات السورية وحلفائها من تحقيق حسم حسبت هاتان أنه بات في المتناول، بكل ما يمكن أن يعنيه ذلك من تسجيل انتصارات (لمصلحة دمشق وحلفائها) ذات أبعادٍ محلية وإقليمية ودولية. في مجرى ذلك برز في الفترة الأخيرة خطر محاولة تفتيت سوريا كجزء من مشروع أكبر لتفتيت متمادٍ للمنطقة. وكالعادة، تقف واشنطن وتل أبيب في المقدمة لإغراق المنطقة بالمزيد من الحروب والاقتتال بما يجعلها في حالة استنزاف وعجز متفاقمين عن التحكم بمصيرها والدفاع عن سيادتها وأرضها ومجمل مصالح شعوبها في الحرية والتقدم والاستقرار واستعادة الحقوق وخصوصاً منها حقوق الشعب الفلسطيني...
إذا كان الصراع في سوريا قد انتهى إلى طغيان الطابع الدولي عليه مع تنشط الدورين التدخليين الأميركي والتركي، مؤخراً، فضلاً عن التحرُّش العدواني الصهيوني المتصاعد، فإن الصراع في اليمن يتبلور، أكثر فأكثر، بوصفه صراعاً إقليمياً يطاول بعداً استراتيجياً إضافياً، على صعيد المنطقة، يشمل مسائل الأمن والممرات والطاقة... وهنا وهناك، يُستخدم في المعارك السلاح الحديث، جنباً إلى جنب مع «أسلحة» قديمة كالعصبيات والتمذهب وحقوق الأقليات والعودة إلى جذور قومية وشوفينية في التعبئة والاستقطاب والتحريض.
رغم نصيب لبنان الكبير من انعكاس الأزمات القريبة والبعيدة عليه، ورغم ارتباط قواه السياسية، إلى درجة الارتهان، بقوى خارجية متصارعة، فقد استمر على نوع من التحييد الذي يغلب عليه الطابع الأمني. وهو في الواقع، قد تفلت من محاولات توريط مباشر في الصراع بدأت مع انخراط مبكر لفريق لبناني، في دعم المعارضة السورية. وكان آخر هذه المحاولات احتجاز رئيس حكومة لبنان في المملكة العربية السعودية، منذ ثلاثة أشهر، لإطلاق شرارة تصعيد سياسي وأمني ارتباطاً بالصراع في سوريا وفي اليمن بشكل خاص.
لا شكَّ أن تهيُّب أطراف داخلية (هي الأضعف) من الانخراط في صراع دموي مفتوح، وعدم مصلحة أطراف أخرى في ذلك (رغم أنها الأقوى)، فضلاً عن مخاطر تأثير اهتزاز الأمن في لبنان على موضوع الهجرة والنزوح باتجاه الغرب، قد أسهمت جميعها في إبقاء «ستاتيكو» هشّ يحكم العاملين السياسي والأمني في المشهد اللبناني. في مجرى ذلك كان على الفريق الحاكم بكل أطرافه أن يعالج مأزق تآكل شرعيته بعد تمديد مثلّث لمجلس النواب غطى دورة مجلسية كاملة. تراجع انعكاس الإستقطاب الخارجي الحاد، وحاجات ترتيب شؤون منظومة المحاصصة وانعكاسات أزمة احتجاز الرئيس سعد الحريري، جعلت إقرار قانون الانتخابات، ومن ثم تحديد مواعيدها، ممكنين. ذلك أن القوة الأكثر قلقاً من إجراء الإنتخابات (أي «تيار المستقبل») استعاد شيئاً من التوازن والاطمئنان بعد ردود الفعل الشعبية الرافضة لعملية احتجاز رئيسه ورئيس الحكومة سعد الحريري في المملكة السعودية قبل ثلاثة أشهر. لا مبرر داخلياً، حالياً، لعدم إجراء الانتخابات. وحده حدث من نوع تنفيذ عدوان إسرائيلي ضد لبنان قد يلغي الاستحقاق الانتخابي.
ينبغي التذكير دائماً أن ما ساد من عمليات فك اشتباك ومصالحات وتقاطعات بين فريقي 8 و14 آذار، وخصوصاً بشأن الإنتخابات الرئاسية، قد خلط الأوراق ومهَّد لإصطفافات جديدة على حساب الاصطفافات القديمة. وفيما بدأت «التسوية الرئاسية» تعطي «ثمارها» لقطبيها وقطبي السلطة الراهنين («التيار الوطني الحر» و«تيار المستقبل») لجهة القبض على معظم القرار، وخصوصاً الإداري منه (بما في ذلك المنافع والصفقات والنهب)، بدت تلك التسوية أكثر رسوخاً وقدرة على الاستمرارية والتمدد إلى مراحل لاحقة من ضمن حسابات ومشاريع تشمل صفقة مشتركة بشأن موقعي الرئاستين الأولى والثالثة، وتستبطن بناء توازنات جديدة، على مستوى السلطة والانتفاع والتحاصص، تستعيد بعض ملامح مرحلة ما قبل «الطائف»: بما يتخطى تشويهه إلى تعطيل إصلاحاته بشكل كلِّي.
اندفع ثنائي «التسوية الرئاسية» في هذا الاتجاه مستخدماً كل عناصر ضغطه المباشرة وغير المباشرة وسط تصميم من طرفه «القوي» بأنه «ما في شي بيوقفنا»! صفقة باخرتي الكهرباء كانت ولا تزال عنوان نهج مبالغ حتى... الوقاحة!
طبعاً تستفيد القوى المذكورة من هامشية صوت الاعتراض. تراجع وانعدم الاحتجاج في الشارع. لم تتمكن قوى الاعتراض من بناء قوة ضغط سياسية شعبية متنامية بديلة. تأثير هذه القوى بسيط وغير مقلق لأطراف السلطة التحاصصية. من هذا الوضع غير المواتي فُرض عليها التعامل مع الاستحقاق الإنتخابي. تمّ تبني شعار صحيح بضرورة خوض الانتخابات النيابية رغم سلبيات القانون بتوحيد صوت الاعتراض ومن أجل الاستفادة من الانتخابات لبناء موقع وطني للمعارضة. آلية العمل شابهها قصور وفئوية وعدم إحاطة بضرورات المعركة ورفض الصيغ الضرورية التشاركية في متابعة المعركة وفي قيادتها إلى هدفيها المباشر والأبعد. أضيف إلى ذلك التفرد، ومن ثم التوجه، أحياناً، لتصفية بعض الحسابات الداخلية. كذلك شكل عامل الوقت عنصراً سلبياً ضاغطاً على المعنيين الذين دخلوا السباق الإنتخابي متأخرين فيما هم الأقل استعداداً له على المستويات كافة. إن بناء الموقع المستقل ليس مجرد شعار، هو مشروع مرحلي شبه متكامل لجهة صياغة البرنامج والإطار القيادي التشاركي وتجنيد القدرات والخبرات القديمة والجديدة لهذا الغرض. ليس الأمر سهلاً ولن يكون كذلك لاحقاً، خصوصاً إذا تمخضت المحاولة الراهنة عن نتائج سلبية. سيتطلب ذلك تقييماً عميقاً وتفكيراً جريئاً بمقاربات جديدة وجدية.
لم يكن ولا يجوز مواجهة الصعوبات بالانكفاء، أو بالتهرب من خوض المعارك. البعض من خلال ذلك يطلق كلمة حق، ربما، لكن يُرادُ بها باطل: ترك الساحة لقوى المحاصصة، أو تحويل المعارك العامة إلى معارك داخلية في هذا الحزب أو التيار أو ذاك عبر منافسة مدمرة!
بناء تيار وطني فاعل ومستقل هو حاجة وطنية لبنانية قبل أن يكون حاجة خاصة بفرد أو بحزب... مهم جداً أن تكون نتائج الإنتخابات خطوة أُولى في هذا السبيل.
* كاتب وسياسي لبناني