ما يقوم به دونالد ترامب على صعيد التشدُّد في الإجراءات الحمائية هو بمثابة إعادة صياغة كاملة لمفهوم التبادل التجاري بين الدول. فالتبادل وفقاً لقوانين منظّمة التجارة العالمية محكوم بسيادة أقلّ للدول، بحيث تُترَك الأمور للسوق لكي تنظِّم بنفسها حركة تدفُّق السلع والرساميل. وحين يحصل خلل في الميزان التجاري لمصلحة دولة بعينها لا يُسمّح للمتضرِّرين بالتدخُّل لتعديل الفوائض المالية، بل يخضع الأمر للقوانين المنظِّمة للتجارة العالمية، وهذا بالضبط ما يحاول ترامب تغييره. هو يعتقد أنّ تنظيم التجارة بهذا الشكل قد سمح للدول التي تمتلك بنىً صناعية كبيرة ومرونةً في عملية تصدير السلع والنفاذ إلى الأسواق الدولية بتحقيق مزايا تنافسية على حساب دول أخرى لا تقلُّ عنها إنتاجيةً وقدرةً على الترسمل وتحقيق التراكم. وازداد الأمر سوءاً بالنسبة إليه حين أضحت هذه الدول شريكةً أساسية في منظومة التجارة العالمية، فابتلعت مزيداً من الأسواق، وأجرَت تعديلات كبيرة على تشريعاتها لتتلاءَم مع انخراطها المتزايد في التبادلات التجارية على الصعيدين الإقليمي والدولي.


الهوس بإضعاف الصين
الصين هي على رأس هذه الدول، ولذلك تحتلّ موقعاً مركزياً في مسعى ترامب للتحكُّم بالعمليات التجارية التي تكون الولايات المتحدة جزءاً منها. هو وإدارته لا يستطيعان الحدَّ من هيمنتها المتزايدة على التجارة الدولية، ولكن انطلاقاً من موقع الولايات المتحدة المركزي في عملية التراكم الرأسمالي يمكن إجبار بعض الدول على الانصياع لرغبة أميركا في تحسين شروط التنافس التجاري معها. لن يؤثِّر ذلك على بكين مباشرةً، ولكنه سينعكس على دورها التجاري المهيمن كونها تقود إلى جانب ألمانيا عملية توحيد الأسواق الدولية، وجَعْل التبادل التجاري يحصل ضمن أطر متعدِّدة الأطراف، وهو ما يشمل بشكل أساسي اتفاقات التجارة الحرّة التي تسعى إدارة ترامب إلى تقويضها على صعيد العالم.

تُخاض ضدَّ الصين حرب تجارية ضروس بحجّة احتكارها للأسواق الدولية

حتّى الاتفاقات التي أُنشئت لمواجهة الصين تجارياً (اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ) في عهود رؤساء أميركيين سابقين تسعى إدارة ترامب لإضعافها، لأنها في رأيها تنسجم مع الفلسفة التجارية التي تتبنّاها الصين في إنشاء منظومات إقليمية للتجارة تكون بديلاً عن النفوذ السياسي المباشر للدول. هذا الهوس بإضعاف الصين تجارياً هو الذي يجعل من الحمائية التي يتبنّاها ترامب محدِّداً أساسياً لسياسته. وغالباً ما يكون انسحابه من هذه الاتفاقية أو تلك مصحوباً بتبريرات لا تستهدف الدولة التي يختلف معها تجارياً بقدر ما تستهدف الصين، على اعتبار أنها رأس الحربة في عملية تقويض الهيمنة الأميركية على التجارة الدولية.

فاعلية النموذج الصيني
آخِرُ محاولاتِ استهدافها توقيع مرسوم تنفيذي من ترامب، تُفرَض بموجبه رسوم جمركية على واردات صينية إلى السوق الأميركية بقيمة 60 مليار دولار. التبرير الذي أُعطي للأمر هو استمرارها في سرقة تكنولوجيات أميركية وتوطينها داخل الصناعات الصينية لإعطاء دفعة إضافية لصادراتها وتعزيز موقعها في التبادل التجاري مع الشركاء والخصوم. السرقة التجارية ليست هي الأساس هنا، وهي غالباً ما تحصل في الكثير من الدول في حال كانت البنية الصناعية فيها غير مؤهَّلة لتشغيل خطوط إنتاج تستطيع المنافسة على صعيد العالم. ما يزعج الولايات المتحدة هو استخدام هذه التكنولوجيا في تعزيز الموقع التجاري للصين، بحيث تصبح مؤهَّلة ليس فقط لمنافسة أميركا على الأسواق، بل أيضاً للحلول بدلاً منها في قيادة عملية التراكم الرأسمالي. توطين التكنولوجيا بهذا المعنى هو مساهمة صينية إضافية في كسر احتكار الشركات الأميركية لـ«الهاي تيك»، أو التكنولوجيا العالية، وابتكار نموذج لا يقلِّدها بقدر ما يضعها في متناول أكبر شريحة ممكنة من المستهلكين. البضائع التي تُنتَج بهذه الطريقة تضعف قوانين حماية الملكية الفكرية التي وُضِعت ليس لحماية المنتجات الأميركية من التنافس «غير الشرعي»، بل لحرمان الطبقات الوسطى الدنيا والفقيرة من شرائها. أي إنّ الاحتكار الأميركي للأسواق المحميّ بقوانين الملكية الفكرية يترافق مع حصر استهلاك السلع المنتَجة وفقاً لهذه القوانين بطبقات بعينها، وهذا يعني جعل نتاج التبادل التجاري في متناول الأقلّية القادرة على الدفع. طبعاً، هذا فارق أساسي بين الرأسماليتين الأميركية والصينية، وغالباً ما يجري طمسه أو استبعاده من النقاش حين يُفتح السجال حول الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. ونقاشه غير محبَّذ حتى في العهد الحالي الذي يجري تصويره على نحو يتعارض مع العولمة واتفاقات التجارة الحرّة والقوانين المنظِّمة للتجارة الدولية.

حمائية لاستعادة الهيمنة التجارية
والحال أنّ ثمّة سوء فهم كبير لحمائية ترامب، وهو ما يظهرها في قضايا عديدة من بينها التنافس التجاري مع الصين على غير ما هي عليه. ومن ضمن ذلك الاعتقاد بأنه فعلاً يعارض العولمة الرأسمالية جذرياً، وعلى نحو يضعه أحياناً على يسار بيرني ساندرز أو جيريمي كوربين أو سواهما من أقطاب اليسار الراديكالي في العالم. في الحقيقة ثمّة اعتراض فعلي داخل هذه الإدارة على طريقة إدارة العولمة، ولكن ليس لجعلها أكثر عدالة، بل لتحقيق مكاسب أكبر منها للولايات المتحدة، وهذا أمر يتناقض تماماً مع طروحات اليسار، إن لم نقل يَجبُّها تماماً. ترامب يعتقد ومن خلفِه الفريق الاقتصادي في الإدارة أنّ العولمة بصيغتها الحالية قد أضعفت الهيمنة الأميركية على التجارة الدولية، ولذلك فهو يرفع شعارات تحاول استعادة هذه الهيمنة ولكن بأدوات مختلفة. فكرة استعادة الرساميل والصناعات الأميركية إلى الداخل تندرج في هذا الإطار، وكذلك محاولَتُه تقديم إعفاءات للرساميل والشركات لكي تعزِّز النموّ وتخلق الوظائف. هو لا يتبنّى منهجاً اشتراكياً، ولا يسعى حتّى إلى إخفاء انحيازِه لأصحاب الرساميل، ولكن بسبب تطوُّر التراكم الرأسمالي وتوسيع إطار المشاركة فيه ليشمل دولاً لا تُعتبَر رأسمالية بالضرورة بدا أنّ معارضة الرجل لاتفاقات التجارة الحرّة هي نوعٌ من الكينزية على صعيدٍ عالميّ. بمعنى أن تتدخَّل دولة رأسمالية لمنع الدول الرأسمالية الأخرى من الاستحواذ على حصّتها من الثروة الناجمة عن إنتاج القيمة، وتبادُلِها على الصعيد العالمي. هذا هو المعنى الفعلي لكلام ترامب عن تعديل الميزان التجاري لصالح الولايات المتحدة في معظم الاتفاقات التجارية مع الشركاء الاقتصاديين، وهو أيضاً السبب في تفضيلِه نموذجَ الاتفاقات التجارية الثنائية على نظيرتها المتعدِّدة أو التي تحصل في إطار شراكة إقليمية. في الحالتين ثمّة فائضٌ يتحققّ من منع الدولة الرأسمالية الأكبر وصاحبة البنية الصناعية الأكثر تعقيداً وتطوُّراً من الاستحواذ على الحصّة الأكبر من الثروة المُنتَجة عالمياً. ومع حصول الفائض يتراجع الاحتكار لغير مصلحة هذه الدولة، وتصبح المنفعة من التنافس التجاري سواءً الثنائي منه أو المتعدِّد متبادَلة فعلاً، أي غير خاضعة لسيطرة دولة واحدة. وهذا ما تُتَّهم به الصين الآن من قبل إدارة ترامب، حيث تُخاض ضدَّها حرب تجارية ضروس بحجّة احتكارها للأسواق الدولية، ويجري تهديد شركائها التجاريين بمصير مماثِل ما لم يُذعِنوا لرغبة الرئيس الأميركي في إضعافها. وفي ظلّ تعذُّر فعل ذلك على نطاق واسع فإنّ البديل يكون في منعها من تحقيق مزايا تنافسية كبيرة داخل الأسواق التي اعتادت على «غزوها» وإغراقها بمنتجاتها، ومنها طبعاً السوق الأميركية.
* كاتب سوري