في عام 1920، عدَّد لينين أعراض «مرض اليسارية الطفولي» بكتابه المعنون: «ضد النزعة البرلمانية ـــ اللامساومات في السياسة ـــ ضد الاشتراك في النقابات ـــ رفض النزعة الانتقالية في الطريق نحو الهدف ـــ النزعة الجماهيرية العفوية الطبقوية الرافضة للتنظيم الحزبي». هذه الأعراض الخمسة اعتبرها لينين قابلة للشفاء ما دام المرض حديث العهد وليس مستشرياً في الجسم اليساري. يبدو أن حسابات القائد البلشفي كانت تستند إلى بدء موجة يسارية عالمية دشنتها ثورة أكتوبر 1917، حيث استطاع عزل الاتجاهات نحو اليمين (كاوتسكي ـــ برنشتين) التي نمت بقوة في اليسار الألماني، وعلى الأرجح أن تقديره كان أن تلك الاتجاهات «اليساروية» لا يمكن أن تؤثر على الخط العام للحركة الشيوعية العالمية التي انتظمت عام 1919 ضمن الكومنترن. كان خط لينين منذ الانشقاق البلشفي ـــ المنشفي عام 1903 بين هذين الخطين: برلمانياً في مرحلة ما بعد هزيمة ثورة 1905، وثورياً عندما تنضج الظروف كما في أكتوبر1917، وعندما يرى ضرورة المساومة القاسية (كما في صلح بريست ليتوفسك مع الألمان في آذار 1918) لا يتورع عن ذلك. كان لينين صاحب نزعة تمرحلية في رؤيته للعملية السياسية، ولو أنه في «موضوعات نيسان 1917» قد تخلى عن نظرته التمرحلية الموجودة في «خطتا الاشتراكية الديموقراطية في الثورة الديموقراطية» عام 1905 عندما نبذ الفصل الذي قال به ماركس بين مرحلتي الثورتين «الديموقراطية» و«الاشتراكية»، وأنه لا يمكن الدخول في المرحلة الاشتراكية من دون استنفاد كل مراحل الرأسمالية.

لم يكن ستالين بعيداً عن النهج اللينيني في فهم العملية السياسية: التقدم والتراجع وفقاً لموازين القوى ووفقاً للأولويات. فمثلاً هو ضغط على الشيوعيين الصينيين للتحالف إلى درجة الذوبان مع حزب «الكيومنتانغ» في فترة 1924 ـــ 1927 لحاجته إلى إنشاء حلف سوفياتي ـــ صيني في وجه الحصار الغربي للاتحاد السوفياتي، ثم شجّع حلفاً بينهما عام 1937 في وجه الغزو الياباني للصين، لكنه وقف وراء الشيوعيين ضد «الكيومنتانغ» في فترة ما بعد هزيمة اليابانيين عام 1945، وصولاً إلى تسلّم الشيوعيين السلطة في البر الصيني عام 1949 وطرد «الكيومنتانغ» نحو جزيرة فورموزا ـــ تايوان.
ستالين الذي شجع في مؤتمر الكومنترن السابع عام 1935 فكرة «الجبهة الوطنية» التي تضم الشيوعيين والاشتراكيين الديموقراطيين واليمين الليبرالي ضد اليمين النازي ـــ الفاشي، اتجه في ظل تحول الاتحاد السوفياتي إلى دولة عظمى في فترة ما بعد الانتصار على هتلر نحو هجومية يسارية مع نشوب الحرب الباردة مع واشنطن عام 1947، ليعتبر من خلالها الشيوعيون، بوصفهم القوة القائدة لحركة التحرر القومي من خلال أمثلة الصين وفييتنام وأندونيسيا، أن الحركات القومية (أتاتورك ـــ غاندي ـــ الكيومنتانغ ـــ حزب الوفد المصري) قد سيطر عليها اليمين البورجوازي أو شبه الإقطاعي (مقال جوكوف في مجلة «بولشفيك»، عدد 15 كانون الأول 1947، وهي المجلة النظرية للحزب الشيوعي السوفياتي). في عام 1956، اتجه خروتشوف، أمام ظواهر انفتاحية على موسكو أبداها جمال عبد الناصر، نحو تشجيع الشيوعيين على التعاون مع الحركات القومية المصطدمة مع الغرب. لكن موسكو في أعوام 1957 ـــ 1959 عندما لمست نمواً شيوعياً في سوريا والعراق لم تمنع خالد بكداش وسلام عادل من أن يقودا صداماً مريراً مع العروبيين في دمشق وبغداد.
يمكن تأريخ بدء انحسار الموجة اليسارية العالمية مع بدء النزاع الصيني ـــ السوفياتي عام 1960: كان من ظواهر هذا الانحسار سقوط خروتشوف عام 1964 بكل ما يرمز من اتجاه تجديدي للتجربة السوفياتية، وهزيمة الشيوعيين السوريين والعراقيين أمام العروبيين في فترة 1959 ـــ 1963، وهزيمة الشيوعيين الأندونيسيين أمام العسكر المدعوم من واشنطن والإسلاميين عام 1965. وكذلك من الظواهر، أيضاً، ظاهرة «اليسار الجديد» من تشي غيفارا إلى طلاب باريس 1968 التي أخذت امتداداً اجتماعياً احتجاجياً خارج قيادة الأحزاب الشيوعية المنخرطة في سياق كومنترن 1919، وصولاً إلى ظاهرة «الشيوعية الأوروبية» عند الحزبين الإيطالي والإسباني التي اصطدمت مع موسكو في السبعينيات.
في النصف الثاني من السبعينيات، بدأ صعود الموجة اليمينية العالمية (الأحزاب الدينية الإسلامية بطبعتيها السنية والشيعية/ البابا يوحنا بولس الثاني الذي كان الأب الروحي لحركة التضامن العمالية في بولندا عام 1980 ضد الحكم الشيوعي/ رونالد ريغان الذي دعم الإسلاميين في أفغانستان، ثم كان الهازم لموسكو غورباتشوف في الثمانينيات). كان بدء صعود الموجة اليمينية العالمية ليس علامة فقط على تفاقم انحسار الموجة اليسارية العالمية، بل على قرب حصول الشيخوخة ودخول اليسار العالمي في مرحلة الأفول.
هنا، لا يمكن اعتبار انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه عام 1991، وقبله هزيمة موسكو أمام واشنطن في الحرب الباردة وتفكك الحكم الشيوعي وانهياره في دول حلف وارسو في خريف 1989، مجرد «نكسة» كما سمى العروبيون هزيمة حرب 1967، بل من علامات شيخوخة يسارية يفتك بها المرض. لا ينفع الهروب من تلمس ذلك عبر تفسيرين سادا معظم الشيوعيين لانهيار الاتحاد السوفياتي: مؤامرة أميركية صهيونية اخترقت قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي/ أخطاء في التطبيق لا في النظرية في التجربة السوفياتية (من دون تلمس بذرة الخطأ الأصلي عند لينين الذي لم يتقيد بوصفة ماركس بضرورة اعتبار المرحلة الرأسمالية طريقاً نحو الاشتراكية، وهو ما يقوم به الشيوعيون الصينيون والفييتناميون الآن حيث يقودون التحديث الرأسمالي بعدما قادوا سابقاً عملية التحرر الوطني ضد الأجنبي).
كان من علامات هذه الشيخوخة انهيار معظم الأحزاب الشيوعية العالمية ليس فقط في اضمحلال قاعدتها الاجتماعية، بل أيضاً تفكك الكثير من تنظيماتها أو تحولها إلى أيديولوجيات أخرى وتغيير اسمها وانتقال الكثير من الشيوعيين إلى اليمين، وبعضهم من حضن موسكو إلى حضن واشنطن مباشرة. من العلامات الأخرى لهذه الشيخوخة بناء السياسات بدلالة «الآخر» لا من خلال دلالة «الذات» وبرنامجها الخاص، حيث نرى عند الشيوعيين الراهنين بناء سياسات بدلالة «الآخر» حيث يمكن للأخير أن يكون فلاديمير بوتين عند الشيوعيين الروس والكثير من الشيوعيين السوريين، ويمكن أن يكون ما يسمى «محور المقاومة والممانعة». وكذلك بناء سياسات من خلال نظرية «أهون الشرّين» عندما تحالف يساريون عرب في تونس والجزائر ومصر وسوريا مع السلطات القائمة ضد الإسلاميين أو التحاق يساريين بالإسلاميين عبر تحالف ذيلي ضد السلطة (مثلاً: رياض الترك). كانت النزعة الالتحاقية عند الشيوعيين العرب قد جاءت بتأثير السوفيات في عهد بريجنيف عندما طرح ميخائيل سوسلوف نظرية «التطور اللارأسمالي» وإمكانية التحول نحو الاشتراكية بقيادة القوى «الديموقراطية الثورية» المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي، حتى تجسدت هذه النزعة في الجبهتين اللتين دخلهما الشيوعيون السوريون والعراقيون مع نظامَي حزب البعث في دمشق وبغداد في عامَي 1972 و1973، وقد وصل الأمر بسكرتير الحزب الشيوعي العراقي عزيز محمد إلى أن يطلق على صدام حسين لقب «كاسترو العراق».
السؤال الراهن الآن في ظل فشل العروبيين في مهمات «الوحدة العربية» و«ضد إسرائيل» و«التنمية والتحديث»، وفي ظل علامات بدء انحسار التيار الإسلامي، وفي ظل عودة الهيمنة الإمبريالية بأشكالها المختلفة على المنطقة وعلى الدواخل العربية: ألا يمكن أن يكون هناك ضرورة ملحّة لبرنامج يساري جديد عربي ولبناء يسار عربي جديد؟ ولكن قبل هذا، هناك سؤال آخر ملِحّ: كيف يمكن عودة الشيخ إلى صباه؟
* كاتب سوري