فلنبدأ من الماضي. عطفاً على نقاشٍ سابق حول ليبيا، يقترح الباحث الأميركي ماكس آيل مقياساً مفيداً لتقييم تجارب القرن العشرين و«ثورات التحرّر» التي خرجت فيه، وغالباً ما قامت أنظمتها تحت شعار «الاشتراكيّة». في نقاش الاشتراكيّة في ليبيا يقول آيل إنّ «الاشتراكيّة» لا يمكن فهمها على مستوى واحد فحسب، هو إعادة توزيعٍ الثروة. هذا مستوى، ولكن هناك معنىً آخر لـ«الاشتراكيّة»، باعتبارها «ادارة ذاتيّة»، يقول آيل. في مجتمع اشتراكي، من المفترض أن يكون للمواطن صوتٌ في مكان عمله وفي السياسة وفي شؤون حياته، ومعنى «الديمقراطية الشعبية» هي أن تدمج الدولة الناس في مهام الانتاج والسياسة والدفاع. فلا وجود لـ«ربّ عملٍ»، مالكٍ، اكترى العمّال حتّى يحكمهم ويقرّر عنهم؛ والجيش لا يجب أن يكون «مملوكيّاً» احترافياً معزولاً عن المجتمع، بل الدّفاع مهمّة جماعيّة يشترك فيها الكلّ، الخ.

بهذا المعيار الثاني، يقول آيل، لم تنجح ليبيا، والكثير من أنظمة القرن العشرين التحرّريّة، في خلق قنوات مشاركةٍ شعبيّة؛ وهي مهمّة أصعب بكثير، وأكثر تعقيداً، من إعادة التوزيع المادّي للثروة أو تنظيم الملكيّة الخاصّة. بل كانت أغلب التنظيمات التي تمّ اعتمادها في دول الجنوب «الثوريّة» (حزب واحد، حكم عسكري، لجان شعبيّة، لجنة مركزية، «ديمقراطية مباشرة») تخلق «انسداداً» ــ بتعتبير آيل ــ في هذا المجال وتزيد من انغلاق النظام داخل «الدولة».
المعنى الثالث لـ«الاشتراكية» هنا هو أن نرى واقعنا السياسي على أنّه ميدان حربٍ مستمرّة بين الرأسمالية المهيمنة وبين نقيضها، على مستوى العالم. هذا الجانب الصراعيّ (الذي تساهم فيه، كبلدٍ طرفيّ، ولكنّك لا تتحكّم به وبمساره) يقرّر كامل السياق الذي تصنع فيه السياسة وطبيعة الاحتمالات والمخاطر التي تواجهك. على سبيل المثال: حين كان «ميدان المعركة» يميل ضدّ الرأسمالية ولصالح الشعوب في الخمسينيات كنتَ ــ لو أنّك أطلقت ميليشيا يساريّة في افريقيا وحاربت للاستقلال ــ ستحتار بين الدّعم السوفياتي والصّيني، وبعدها بسنوات سيأتي الكوبيّون أو المصريّون أو الليبيون ايضاً للمساعدة، وستجد من يعينك اقتصادياً ويفتح لك أسواقاً بديلة، ويقدّم لك الخبرة السياسية والتقنية. منذ صعود «الثورة المضادّة» في السبعينيات، بالمقابل، أصبح أي نظامٍ أو حركةٍ يعادي اميركا أو المنظومة النيوليبرالية يعرف مسبقاً أنّه سيكون «مارقاً» في عيون العالم، ولن يحصد غير العزل والحصار والمطاردة. بل ستقوم واشنطن وحلفاؤها باختراقك بكلّ الأشكال، وتمويل ورعاية منظّماتٍ تخريبية متطرّفة على أرضك، بدعوى أنها «معارضة»، وهو ما جرى حول العالم، من أفغانستان والكونغو الى الجزائر وليبيا.

كلّ العناصر الراديكالية في الدولة العراقية والسياسة الخارجية والاقتصاد أقامها أسلاف صدّام


من العبث أن نفصل هذه «المستويات» بعضها عن البعض الآخر، أو أن نتجاهل أحدها وتأثيره. ما زالت مئات الأبحاث والكتب عن «الربيع العربي»، مثلاً، تصدر لرواية ما جرى في مصر وتونس من دون أيّ اعتبارٍ للعنصر الخارجي ودوره الحاسم في أحداث تلك الأيّام. كأنّ لا أحد يلاحظ الفارق بين تفاعل القوى الغربية مع الاحتجاجات في مصر وتونس «الحليفة» ــ حيث كان السّعي هو لـ«احتواء» الموقف ومنع العنف وتسليم الجيش مهام الانتقال ــ وبين التسليح والدفع الى الحرب وتدمير الدولة بأكملها في ليبيا وسوريا، وبعدها اليمن. بالمعنى نفسه، لا يوجد شيء اسمه «مقاومة» مجرّدة، منفصلة عن مشروعها الاجتماعي، ومن العبث أن تتكلم على «المقاومة» باعتبارها مجرّد حالة عسكريّة (من اين سيأتي المقاتل اليك؟ من سيطعمه ويجهّزه؟ ولماذا ستسير الناس معك في هذا المشروع متحمّلة التضحيات والأكلاف؟ المشكلة، على ما يبدو، هي أن العديد في بلادنا قد اعتادوا فكرة الدّعم الخارجي حتّى نسوا المسألة الاجتماعيّة، او اعتبروها نافلة).
عودة الى حالة ليبيا، يقول آيل إنّ ابتعاد السياسة عن الجماهير لم يؤدّ فحسب الى إضعاف مناعة ليبيا بالمعنى العسكري (بل إنّ الجّيش الليبي، يقول الكاتب، قد تمّ اضعافه وتشتيت بنيته قصداً في السنوات الأخيرة، خوفاً من انقلابٍ من بين اعتبارات أخرى). ما هو أهمّ من ذلك أنّ النّظام يفقد ــ حتى في حالة السِّلم ــ القدرة على تجديد نفسه. حين لا تكون الدّولة «مشتبكةً» مع المجتمع، لا يعود من خيارٍ أمام النظام سوى التعامل مع نخب «وسيطة» (قادة حزبيون، بيروقراطيون، رؤساء لجان، الخ) تكون بينه وبين الشعب، أو الاعتماد على «ما هو موجودٌ» من تشكيلات اجتماعية وتحويلها الى وسيطٍ للدولة (زعامات قبليّة، قادة جهويّون، رجال أعمال، الخ). كمثالٍ آخر، حين تمّ إهمال الجامعات الوطنية في ليبيا، والتركيز على التوزيع البسيط وتلبية الحاجات الأساسية للسكان منذ الثمانينيات، لم يعد البلد ينتج نخبةً محلية تكنوقراطية تقدر على التخطيط والادارة بشكلٍ مستقلّ. وحين بدأ النّظام، بعد عام 2003، بإرسال التكنوقراط الى بريطانيا ودول الغرب للدراسة والإعداد، يقول آيل إنّ المسألة قد حسمت: هذه النّخب الجديدة لن تكون قادرةً على رفد مشروعٍ اشتراكيّ أو توجيهه، حتى ولو أراد النظام ذلك ــ فالمعرفة التي حصلوا عليها تقتصر على كيفية تفكيك الدولة وإخضاعها للسوق، وليس العكس. من دون هذه المعايير أعلاه، وتفحّص اصطفاف الدولة في المجتمع وفي الخارج، لا يعود هناك فارقٌ بين «دولة» و«دولة» وبين «جيشٍ وطنيّ» وآخر، فتصبح دولة عبد الكريم قاسم مثل دولة صدّام، وجيش عبد النّاصر موازياً لجيش السيسي.

أبواب الهزيمة
لهذه الأسباب ايضاً، فأنا أتفهّم من يدافع عن القذّافي ولا أتفهّم من يدافع عن صدّام. في حالة القذّافي، أقلّه، هناك دورة صعودٍ وهبوط، وانجازات فعليّة (جاحدٌ أو منافق من يقول ان ليبيا، عام 2011، لم يكن فيها شيءٌ يمكن البناء عليه، وأن تدميرها واستباحتها كان «ضرورةً» أو «أمراً يستحقّ»). صدّام، من جهةٍ أخرى، لم ينجز الّا التراجع والهزيمة: كلّ العناصر الراديكالية في الدولة العراقية والسياسة الخارجية والاقتصاد أقامها أسلافه (قاسم والناصريون والبعثيّون)، وهو ــ منذ استلم الحكم ــ اتّجه فوراً صوب الليبرالية وسياسات التخصيص وإعادة الشركات الغربية (والمال الخليجي) الى البلد ــ هذا حتى لا نتكلّم في السياسة الخارحية، حيث أصبح العراق المثال الأوّل على منهجيّة «التدمير الخلّاق» الذي تعتمده اميركا في الشرق الأوسط.
وإن كانت ليبيا، التي قام نظامها في ظروفٍ دولية مؤاتية، ومواردها كثيرة، وحجمها صغير وفيها استقرار اجتماعيّ نسبيّ، قد ترنّحت وأُسقطت حين مالت الظروف ضدّها، وأصبح موقعها ضعيفاً في جبهتين من أصل «الجبهات الثلاث» المذكورة أعلاه، فما الذي ينتظرنا في دولٍ لا تزال الحرب فيها قائمة، ولا يوجد توافقٌ داخلي على الحكم وشكل النظام، والشعب نفسه منقسمٌ ايديولوجيا وسياسياً في كلّ بلد؟
على عادتي في خفض التوقّعات في أيّ مجال أواجهه، فأنا أتنبّأ من زمنٍ بأنّنا ــ بالمعنى الشمولي ــ سـ«نخسر الحرب» في نهاية المطاف، ولو صمدنا عسكريّاً. هذا بمعنى أنّ الحرب، لو انتهت غداً، فإنّنا سنعود على الأرجح الى نظامٍ اقليمي يشبه ما عرفناه قبل 2011؛ في السياسة والنخب والتقسيم القُطري، وصولاً الى العلاقات مع الغرب والخليج؛ وسنرجع الى الدورة نفسها الى أفضت الى الانفجار. أعزّي النّفس هنا بأنّنا ــ الدّول والمجتمعات التي تعرّضت الى موجة التدمير والاستباحة في المشرق ــ قد تجنّبنا «الأسوأ» على الأقل: المذبحة والإبادة، أن تسقط سوريا والعراق على طريقة ليبيا وأفغانستان، وأن تقسّم أرضنا الى اماراتٍ ومذاهب؛ ولهذا السبب لم يكن في هذه الحرب خيار.
نقاش «أسباب الهزيمة» طويلٌ، ولكن يكفي هنا أن نورد إحدى «المقدّمات». يمكن أن نلّخص النّقطة الأولى في مقارنةٍ يعقدها الباحث العراقي حسن الخلف بين تكوين التنظيم الشيوعي في أوائل القرن العشرين وما يسمّى اليوم «معسكر المقاومة». منذ قرنٍ، يقول الخلف، كان في وسعك مثلاً أن تميّز «الشيوعي»، سواء كان في روسيا أو اميركا أو افريقيا، عبر مميّزات مشتركة، قليلة ولكنها بارزة، خلقت الصورة النمطية لـ«شخصية الشيوعي» يومها. على سبيل المثال، كنت تتوقع أنّ الشيوعيّ «حديثٌ» و«تقدّمي» بمقاييس ذلك الزمن، لديه موقف متقدّم من حقوق المرأة ويرفض العنصريّة أو الطائفية، لديه موقف طبقي واضح، الخ. قبل الدخول في العقيدة والفلسفة، فإنّ انتشار هذه «الصفات المشتركة» لم يكن لمحض أهدافٍ ايديولوجية: فهِمَ الشيوعيون أنك لا يمكن أن تنشئ تنظيماً عالميّاً، مثلاً، وفيه أناسٌ يحتقرون السّود، أو يعتبرون «الشرقيين» دونهم، أو يؤيدون قمع المرأة وسجنها في المنزل. ستصطدم عناصر الحركة ببعضها البعض وتنفجر الانشقاقاتٍ وتصل الى طريقٍ مسدودٍ. هذا لا يعني، بالطبع، أنّ هذا «المثال» قد تحقّق في الواقع وفي كلّ مكان؛ الفكرة هنا هي أنّ هذه «الشّخصيّة الشيوعية»، أي حزمة الصفات والأخلاقيات التي مثّلت «الحدّ الأدنى» المشترك بين أناسٍ من مشارب ومنابت مختلفة، كانت ضرورةً لحفظ الحركة والتنظيم قبل أيّ شيءٍ آخر.
بالمقابل، لو اعتبرنا أن الصراع في بلادنا اليوم هو بين دولٍ وتشكيلات تمثّل القوّة الأميركيّة، وبين دولٍ وشعوبٍ أخرى تقاومها، فلن تجد شيئاً يشبه «الشخصية المقاومة» بالمعنى أعلاه. ما نقصده هو أنّك، إن تكلّمت على «معسكر مقاومة»، فإنّ كلّاً من عناصره يعيش في عالمه الخاصّ: الاسلامي المتديّن، القومي، العلماني، من يؤمن بهوية وطنية في قطره، الخ. لكلّ تصوّره وعالمه ورموزه وخريطته، وهي كثيراً ما تتعارض مع الآخر لو وضعت على محكّ الاختبار. لا يكفي وجود عدوٍّ مشترك، أو حتى معركة مشتركة، لبناء صيغةٍ جامعة والّا لكانت اسرائيل واميركا قد وحّدتنا جميعاً. نحن هنا لا نشير الى خطاب نخبٍ عن المقاومة والوطنيّة، بل عن عناصر ثقافة شعبية وتنظيمية تعبر بين كلّ هذه الحركات وتطبعها جميعاً، حتّى لا يكون التنوّع امكانيّة مستمرّة للشقاق. هذا، مثلاً، كان ما تبدّى من العلاقة مع «حماس» في السنوات الماضية (والتحليلات التي ترجّع الخلاف الى مجرّد براغماتية أو الاختلاف الطائفي هي قاصرة هنا). حتّى حين كان قادة «حماس» يكرّرون الخطاب عن «المقاومة» و«الوحدة الاسلاميّة»، فإنّ هذا كان مجرّد كلام نخب ومؤتمرات، فيما القاعدة الشعبية تتلقّى ثقافة مختلفة تماماً، حتى يتبيّن في نهاية الأمر أنّه لم يكن هناك من اتّفاق حول معنى «المقاومة» أو «الأمّة» أو، حتّى «الاسلام». وقد ظهرت تبعات ذلك كلّه في عزّ لحظة الوهن والتحدّي.
هذه الإشكاليّة تقودنا الى النّقطة الثانية وهي ما نسمّيه في النّقاشات، اختزالاً، «مشكلة بولندا». بولندا هي مثالٌ على بلدٍ قاريّ متوسّط الحجم، تجاوره قوىً أكبر منه بكثير. من هنا كان تاريخ بولندا هو فعليا تاريخ تعاملها مع روسيا وألمانيا (وقد قامت الدّول الاوروبية، عن قصد، بإعادة إنشاء بولندا ــ كلما محاها الروس أو الألمان ــ لتكون «حائط صدّ» ضدّ احدى القوتين، وكانت المرّة الاخيرة هي اثر الحرب العالمية الأولى). النخب الحاكمة في بلدٍ كبولندا ستواجه باستمرار خياراً بين الخضوع لمظلّة «الأخ الأكبر» بجوارها أو، على العكس، أن تلعب دور «رأس الحربة» ضدّه لصالح قوىً عالميّة أخرى تنافسه. في حالة بولندا ستحاول القوى الأوروبية، باستمرار، إغراء النخب الحاكمة بسياسةٍ «استقلالية» يدعمها الغرب، لتكون «عازلاً» أمام روسيا وليست تابعاً لها. وفي أكثر الحالات، يكون الحساب المنطقي ــ خاصة من وجهة نظر الحاكمين ــ هو لصالح التحالف مع الغرب وليس الجيران.
هذا من الأسباب التي يجب أن تنهانا عن تحويل «السيادة» الى مفهومٍ مقدّس. تخيّلوا مثلاً لو أن النخب التي تملك وتحكم لبنان كانت تملك «سيادة كاملة»، سيطرة كاملة على سياساتها وقراراتها، ولا تخاف من سوريا ولا من الداخل ولا من أحد، فهل هي ستختار أن يكون لبنان قاعدة للمقاومة وجزءاً من حلفها؟ أم تفضّل أن تكون محطّة تجارية للغرب ورساميل الخليج والسياحة والاستقرار والعلاقات مع اسرائيل؟ هم سيأخذون بلا تردّد الخيار الثاني، ولو كان معناه أنهم سيصبحون خنجراً في خاصرة المنطقة وشعوبها وقضاياها.
لا يجب التقليل من أهميّة هذه التناقضات. أزمة الاتّحاد السوفياتي، التي أوصلت الى سقوطه، كانت في جانبٍ كبيرٍ منها «أزمة اوروبا الشرقيّة»، وهذه الأخيرة كانت على شكل انهيار اقتصادي وافلاسات وموجات تقشّف في الثمانينيات، وكان سببها الأساسي المنحى «الاستقلالي» لحكّام بولندا وهنغاريا ورومانيا ويوغوسلافيا، الذين حاولوا ــ تحت شعاراتٍ «سيادية» و«وطنية» ــ حفظ هامشٍ عن السوفيات و«الاستفادة من التناقضات» بين المعسكرين، فانفتحوا على الأسواق المالية في الغرب وقام كلّ منهم، خاصة بعد 1968، بخطّ «طريقٍ خاصٍّ صوب الاشتراكية» (أي طريق رأسمالي صوب الليبرالية). حتّى تحوّلت سياسات الاقتراض والاستدانة الى وبالٍ وإفلاس، وساهمت بشكلٍ مباشر في إسقاط المنظومة بأكملها. لا يجب أن ننسى ايضاً النهاية التي كان «الطريق البولندي» يوصل اليها (أن يتمّ تدمير البلد في نهاية الأمر، درءاً لخطره وعدوانيته، واحتلاله وضمّه، وهو ما جرى لبولندا ودول البلطيق أكثر من مرّة في تاريخها).

لو انتهت الحرب غداً، فسنعود على الأرجح الى نظامٍ اقليمي يشبه ما عرفناه قبل 2011


سوريا والعراق تواجه، تاريخيا وعلى الدّوام، خيارات مماثلة. والخطاب القُطري الذي يدعو الى حفظ «المصلحة الوطنية» وعدم التورّط في الراديكالية والحروب له وجودٌ دائم، وهو يقوى اليوم وله مقبولية كبيرة ضمن الطبقى الوسطى، وسيزداد صداه في المستقبل. المشكلة هنا هي أنّك، حين تسمع شعارات مثل «العراق العظيم» أو أن «سوريا أوّلاً»، لو حاولت تفحّص مضمونها فلن تجد شيئاً: لا مضمونَ اجتماعياً ولا مضمون سياسياً ولا ايديولوجيا، بل مجرّد «تعريفٍ بالضدّ» وتخويف من الآخر واستعراضٍ لعنصريات محلويّة. بتعابير أخرى، هذه ليست الّا شعاراتٍ تعكس مصالح نخبٍ ورجال أعمال وطبقات عليا (هي من يحكم هذه البلاد فعلياً، قبل النظام السياسي) وهي تريد الحفاظ على امتيازاتها وعلاقاتها المالية بالخارج ونمطا محدّداً من الاقتصاد الريعي، وتريد ايضاً خريطة تناسبها ــ بصرف النظر عن أيّ شيءٍ آخر. لا يجب أن ننسى، يوماً، أنّ «الخليج»، بما هو اقتصادٌ سياسي وعلاقات مالية وارتباط بالرأسمال الغربي، ليس موجوداً خارج الحدود، بل هو بيننا وفي بلادنا وقد يتربّع على قمّة المجتمع.

«الرّبيع» والسّلاح
أذكر، قبل سنوات، حين كنت أناقش صديقاً انتقل الى 14 آذار، كما فعلت أغلب طبقة المثقفين والنخبة البيروتية، كانت حجّتي أنّ المشكلة ليست في خطابه هو فحسب، عن السيادة أو السّلام أو «حبّ الحياة». المشكلة هي أنّ هذه ليست ايديولوجيا أو فكرة ناظمة، بل هي مجرّد «خطاب واجهة» لنخبٍ قليلةٍ مثله. «جسد» 14 آذار، الكتل الشعبية التي كانت تسير في الشوارع وتصوّت في الانتخابات وتُستثمر في صدامٍ أهليّ، كانت تفعل ذلك كلّه لأسباب طائفية بحت، ولا علاقة لها بالخطاب أعلاه؛ ومن «فوق» لديك نخبٌ عميلة، هدفها تنفيذ سياسات خارجية معادية للبلد وشعبه. فخطاب الإعلام والدعاية المنمّقة هنا لن يخبرنا كثيراً.
أمّا من لا يزال يتمسّك اليوم بخطاب «الربيع العربي»، من دون مراجعة وبعد كلّ ما جرى، فإنّ مشكلته تذهب الى ما هو أبعد بكثير من مثقفي 14 آذار. المعضلة هنا هي ليست، فحسب، في الافتراق بين الكلام المثالي وبين الواقع، أو أنّ الخطاب المثالي يخرج من منابر غزوٍ وطغيان، بل في أنّ الخطاب ذاته لم تعد تسمعه الّا ممّن هو، حرفياً، «يعمل في الثورة»، ومن أعضاء المجتمع الصغير (وإن كان أصبح كبيراً ومهيمناً، بمقياس العاملين في الثقافة) الذي يموّله الخليج والغرب لهذه الغاية. «الفضيحة» الحقيقية للخطاب الثوري هي ألا تجدَ، من مئات الآلاف من السوريين في لبنان وألمانيا وغيرها، من يهتمّ إليه (وأصحاب هذا الخطاب، بدورهم، يندر أن تجد بينهم من يعمل ــ مجّاناً ــ مع مواطنيه ويساعدهم، أو حتّى ينظّمهم، بل يفضّل مهمة التنظير و«كتابة التاريخ»). الفضيحة هي حين تجد أناساً يقدّمون أنفسهم منظّرين لحركات شعبية، ولا يتفاعل معهم سوى العشرات، وأكثرهم يتشاركون معهم شبكة المنافع والرواتب والعلاقات. لدينا، في مصر مثلاً، نخبٌ قامت اميركا ــ حرفيّاً ــ بالإشراف على انقلابٍ عسكريّ في بلادهم، حصل بمعرفتهم وموافقتهم وبشكلٍ شبه علنيّ، وسَحَق الثورة ودمّر الديمقراطية والحياة السياسية، وهم لا يملكون الى الآن تنظيراً أو رؤيةً لمعنى الدور الأميركي والعلاقة معه، بل لا يجدون مفارقةً في أن «يشتكوا» النظام وقمعه، كما فعل قادة «الاخوان»، الى واشنطن.
لا مشكلة في «كتابة التاريخ». يروي أحد المؤرّخين كيف أنّ جنرالات المانيا، بعد الحرب العالمية الثانية، ظلّوا عقوداً «يعيدون خوض المعارك» في رؤوسهم وعلى الأوراق ويفوزون بها. ويكتبون كيف أنّ هتلر قد أفسد خططهم وسبّب الهزيمة، ولو أنّه فعل هذا بدلاً من ذلك، أو ذهب يميناً بدلاً من اليسار... هذا النّمط من التاريخ الافتراضي (counter-factual history) يمثّل جزءاً أساسيّاً من خطاب «الربيعيين» اليوم، من الكليشيهات عن «انحراف» الثورة وسرقتها وصولاً الى النظريات المريحة من نمط (النظام السوري خلق الاسلاميين و«النصرة») و(المالكي خلق «داعش»). هذه «التفسيرات» قد تكون مفيدة في السياسة والتبرير ولكن، كما قال الأكاديمي الأميركي ماكس ابرامز لأمثالهم في مقالٍ منذ أشهر، هي مقولات لا تفسِّر شيئاً.
أوّل ما نتعلّمه في تفسير الحركات الشعبيّة، يكتب ابرامز، هو أنّه لا وجود لعلاقة ميكانيكية بين فعلٍ ما وظهور شكلٍ معيّن من الحركات المعارضة (مثلاً: «طائفية المالكي» ولّدت «داعش»). هناك أشكالٌ كثيرة من الاضطهاد والظلم والتحديات في العالم، وهي لا تولّد نتائج متشابهة، بل ما يقرّر شكل حركة الاعتراض هي البنى المؤسسية والحوافز والتسهيلات الموضوعية التي تجعل شكلاً معيّناً من الفعل (التحشيد الطائفي مثلاً) يطغى على الاحتمالات الأخرى. على الهامش، كامل منهجية «الحرب ضدّ التمرّد» تقوم على هذه الفكرة، أي أنّ تحدّد المؤسسات والحوافز التي تعزّز المقاومة ضدّ الاحتلال، وتضربها بقسوة أو تجعل كلفتها عالية ومؤلمة وتشجّع، في الآن ذاته، الاحتمالات المعاكسة، وتكافئها وترعاها (بعض العرب فهم هذه العقيدة العسكرية على أنّها موازية لـ«كسب القلوب والعقول»، وهذا خطأ، بل هي عقيدة قتالية تفهم أنّ «كسب» الناس هو الوجه الآخر لعقابهم وتهديدهم إن سلكوا سلوكاً مغايراً).
المشكلة ليست فقط في أنّك لا يمكن أن تلوم طرفاً على أفعال خصمه، بل انّ البحث الحقيقي عن أسباب العنف والتطرّف والتكفير يبدأ من البنى التي شجّعته واحتضنته، من الإعلام الى التحريض الطائفي الى نشر ثقافة دينية كارهة، وصولاً الى تأمين السلاح والدعم والتبرّعات؛ وحين تكون من «اللاعبين» في هذه الشبكات والثقافة (من بروباغاندا الإعلام الخليجي وصولاً الى مجرّد تقبّل ونشر خطاب الكراهية والإبادة، أو السكوت عليه) فإنّ تفسير هذه الفظائع يبدأ من عندك انت.
عطفاً على ذلك، فإنّ أحداث السنوات الماضية ــ من المفترض ــ قد حرّرتنا من المعادلات القديمة عن تراتبية الأعداء، أو أنّ هناك فارقاً بنيوياً بين السعودية وقطر، الخ. بل، كما جزم جوزيف مسعد، فإنّ دور قطر كان أسوأ من دور السّعوديّة في بلادنا، وقد أدّى مهمّات لم تكن الرياض قادرة عليها (من اختراق حركات المقاومة الى نشر خطابٍ عن الحريّة الى استقطاب جماعة مهمّة من المثقّفين والشباب العرب). طريفٌ هنا أن بعض العرب يبرّرون التبعية لقطر بدعوى أنّها «أقلّ» سؤاً (أو تطبيعاً أو أمركةً أو طائفية) من الرّياض. حتّى بين المجرمين والقتلة وتجار العبيد توجد مفاضلات، ولكن هذا لا يغيّر، بالمعنى العميق البنيوي، في وظيفتهم كمجرمين أو تجّار عبيد. في فيلم «العرّاب» يوجد مشهدٌ شهير، حين يحذّر الـ«دون» العجوز فيتوريو كورليوني ابنه الوريث مايكل، في فترةٍ عصيبة، بأنّ الخائن سيكون رجلاً يثق به ويأمن اليه، وهو سيأتيه عارضاً اجتماعاً مع العائلة المنافسة بضمانته هو. هذا الرّجل، نبّه فيتو ولده، هو الخائن والاجتماع سيكون كميناً لقتله. بالمعنى نفسه، فإنّ «الخائن»، بعد الحرب، لن يكون من يعرض عليك، مباشرةً، النزوع صوب اميركا ومصالحة الرياض، بل من سيخبرك بأنّ قطر «غير»، وأنّ أموالها ليست اختراقاً، وأنّه في وسعنا استغلال الخلاف بينها وبين الرياض لصالحنا لو كنا «أذكياء».
الأساس هو أن نفهم أنّ الحرب قد غيّرت منطقتنا الى الأبد، وكلّ حنينٍ للماضي أو سعيٍ لإرجاعه هو وهم. بل قد لا تكون مبالغة في أن نقارن أحداث العقد الماضي، وما سينجلي عنها، بمرحلة الحرب العالمية الأولى، المفصل التاريخي الذي شكّل «الشرق الأوسط القديم». أبواب الهزيمة كثيرة، ولكنّ التاريخ وسياقاته تتغيّر، وهي تكافئ من يصمد ومن يرتفع الى مستوى التحدّي. الصعاب كثيرة، ولكن الزمن والاحتمالات أمامنا، والحرب لا تزال في بدايتها. الكلمة اليوم هي للسلاح كما قال هادي العلوي في «ديوان الوجد»، محدّداً لنا منطق زمننا: «والعصر عصر الجنون الذي بشّرونا به... وقالوا هو الكلّ والعالم الأكمل... وفي زمن الجّوع، كل حنينٍ لغير السّلاح جفاء».