لعلّ ذكرى يوم الأرض الخالد، مناسِبة لتذكّر أمور، مع أنها بديهية، إلا أنها ضاعت في غابات من التضليل والسطحية والنفاق والانتهازية، بما يُلحق المزيد من الأضرار بمسيرة شعبنا من أجل استعادة حقوقه في وطنه، في مقدمتها حق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية.

بعد قيام واشنطن بنقل سفارتها إلى القدس، والاعتراف بحق دول ضم أراضٍ محتلة، وردة فعل السلطة الكاريكاتورية الحماسية الفارغة ضد ذلك، لاحظ المتابعون حملة تضليلية، حتى في بعض القنوات الموجهة لجمهور المقاومة، تسعى لتبييض مواقف رام الله، وتجاهل عقود من التنازلات غير المسبوقة عن كل حقوق شعبنا، بدأت بفرض مشروع «السلطة الوطنية/ النقاط العشر» على المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974. هدف حملة التضليل زرع وهم بأن ميليشيات رام الله قد حسمت موقفها أخيراً، وأنها لن تقدم أي تنازلات جديدة، مع أنه لم يتبق في يدها أي أمر يمكنها التنازل عنه، وأنها تسعى لمواجهة الوقائع الجديدة/ القديمة.
هذه الآراء المجانبة للحقيقة إنما تعكس طبيعة متذبذبة وأماني عصية على التحقيق. فجماعات رام الله منخرطة في المشروع التسووي الذي بدأ في القمة العربية في القاهرة عام 1970. هذا المشروع تمّ بموجبه التخلي عن فكرة الثورة والكفاح المسلح ومغادرة العمل الفدائي الأردن. كذلك الابتعاد عن الشعب الفلسطيني هناك الذي مثّل الاحتياطي الاستراتيجي لمشروع الثورة وضمانته، والانتقال إلى لبنان، والتحول هناك إلى ميليشيا لا فكر لها ولا تعرف أي تنظيم، وغير ذلك من أسس العمل الثوري تعتاش على فتات البترودولار، الفاسد والمفسد، الذي شكّل أحد أصول بلاء قضيتنا، وألحق الضرر بكل مشاريع النهوض الوطني المعادي للاستعمارين القديم والجديد، والاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين.
المطلوب الآن، وبعد تبيّن السقوط العاشر، بعد ألف الألف، لكافة مشاريع التسوية مع العدو، بما في ذلك «إقامة دولة على مزابل إريحا، بل حتى على ظهر حمار فيها» كما كان يقال أيام الصراع بين تياري الاستسلام وتيار نبذه، العودة إلى ثقافة المقاومة المستفيدة من كافة تجاربنا وتجارب غيرنا من حركات التحرر، والقناعة بأن من يتنازل عن شبر واحد من وطنه فإنه على استعداد للتنازل عنه كله.
المطلوب نشر القناعة الراسخة بأن زعامات رام الله الميليشياوية وملاحقها إضافة إلى ما يسمى «منظمات المجتمع المدني» المتمولة أصلاً من الحكومات الاستعمارية الغربية التي تعيش كالطفيليات على فتات صندوق النقد الدولي، وما يصلها من أموال الفساد والإفساد البترودولارية، لن تتخلى إطلاقاً عن طريق الاستسلام الذي اختارته، رضوخاً لرغبة «إخوانهم أصحاب الجلالة والفخامة».
مأساة عام 1936 تكررت عام 1970. والمطلوب أيضاً، من القيادات السابقة في العمل الوطني الفلسطيني نشر مذكراتها وما لديها من ملفات ووثائق الفساد والإفساد، وفضح مسيرة الاستسلام والمنخرطين فيها، كباراً وصغاراً، وكشف كافة الانحرافات التي أوصلتنا إلى حالنا المزري هذا، مهما كانت مؤلمة.
قد يقول البعض إن الكلام سهل، لكننا نجيب: السكوت أسهل بما لا يُقارن.
المطلوب أيضاً معرفة أن قادة الهزيمة غير قادرين على صنع أيّ انتصار، حتى لو كان رمزياً أو معنوياً.
عدا ذلك، ليس ثمة من أمل في نهوض فلسطيني، منظور أو قريب، ناجح ينتشلنا من القاع الذي لا قاع له.