أرضك مفْتَرَقٌ تتَّسع به أرض الأغيارِ، وتعبره أممٌ وجيوشٌ، للأقوى وعبيدِ الأقوى، ميراثٌ أنتَ لمن يرثون، وعلى كتفيكَ تكسَّرت الأمواج تواريخَ مجاعات وطغاةٍ منكسرين ومَزْهوّين بتدْليس الأبهة البيزنطية

(محمد عفيفي مطر، من ديوان «احتفالات المومياء المتوحشة»)

يعتبر عام 2011 بداية حقبة جديدة في عملية التحول النوعي في بنية السلطة المؤسسة داخل إطار الكتلة الطبقية الحاكمة في مصر، القائمة على حكم النخبة الاقتصادية وجهازها السياسي المتمثل في التكنوقراط والبيروقراطية الأمنية والعسكرية، بعد أن انفردت فيه الأخيرة بموقع الجناح القائد للطبقة الذي أعاد تنظيمها سياسياً، وذلك بعد أن شارفت على الانهيار الذي أحدثه تفاقم تناقضات الشكل الدولتي القديم، وعجز المؤسسة الحاكمة (بعد التفكيك النسبي لدولة الرعاية) عن السيطرة على إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية التي أفرزت قوى سياسية جديدة استقلت شروط حياتها عن الدولة، في وقت تفاقم فيه التناقض بين الكتلة الحاكمة والعمال الذين وإن فقدوا الكيانات السياسية المعبّرة عنهم (في ظل تبعية اتحاد العمال لوزارة العمل، والتضييق الإداري على إنشاء النقابات المستقلة) فإنهم استندوا على تقاليدهم الكفاحية في ممارسة الضغوط الطبقية من أسفل عبر تصعيد الاحتجاجات والإضرابات والاعتصامات (من 2004 إلى 2011) في مواجهة السلطة ورأس المال اللذين دمرا القوة السياسية للفلاحين عبر إلغاء الإصلاح الزراعي وتفكيك البنية الزراعية، ومن ثمّ إخراجهم من مسيرة النضال الوطني والديمقراطي ضد الاستغلال والتبعية، وهو ما أفقد تلك المسيرة قاعدتها الشعبية.

نحن أمام منظومة حكم بلا عقل سياسي هي سبب ونتيجة لانقراض الكتلة التاريخية المصرية


وكان حسني مبارك قد حاول على مدار حكمه صياغة معادلة نجح فيها لمدة ثلاثة عقود، قائمة على إلزام القوات المسلحة لعب الدور الدستوري لموظفي الدولة «المحترفين» الموالين لمؤسسة الرئاسة والخاضعين لسياساتها، في وقت تكون فيه المؤسسة هي الضامن الأساسي لبقاء نظامه، لكن ما لم يدركه مبارك (أو أدركه دون أن يملك تغييره) أن تزايد الإنفاق الدفاعي والمساعدات العسكرية الأميركية الواردة إليها جعلا منها القوة السياسية المنظمة بشكل فعّال والقادرة على الاستيلاء على السلطة مع أول اضطراب سياسي كما حدث في «25 يناير» حين أزاحت «الحزب الوطني» الحاكم، واستغلت التشرذم الحزبي في السيطرة على السلطة وبشكل إطلاقي غير مقيد بأي حدود دستورية وغير خاضع لأي مؤسسة مدنية.

بين تناقضين
على مدار أربعة عقود ترسَّخ تناقض اجتماعي عميق الجذور بين البرجوازية الكمبرادورية وحزبها السياسي، والطبقة العاملة والفلاحين، وهو «التناقض الرئيسي» في البلد (بلغة ماو). ورغماً عنه، لا يتم التعبير عن هذا التناقض سياسياً في معظم الأحوال، لكنه انفجر فجأة ومؤقتاً مع انتفاضة 25 يناير، دون الوصول إلى حل لتلك المشكلة الاجتماعية الحبلى بموجات من التمرد تنتظر مزيداً من الشرر كي تنطلق، فيما خلقت الرأسمالية المعولمة تناقضاً سياسياً هو «التناقض الثانوي» بين تلك البرجوازية وبين القوى الاجتماعية الجديدة التي أفرزها التعليم والحضرنة والثورة التكنولوجية، والتي أشعلت شرارة الانتفاضة. ومن هنا تميّز حراك 25 يناير بتناقض لا يمكن تفاديه بين المظالم الاجتماعية للطبقات الفقيرة والمطالب السياسية للقوى الجديدة التي عرفت، على سبيل الاختزال، باسم «شباب الثورة».
ولم يكن التناقض السياسي بين الكتلة الحاكمة القديمة وبين القوى الليبرالية الجديدة جذرياً، كما يجري تصويره، بل انحصر في مجال الإصلاحات الليبرالية الاقتصادية والسياسية، وقد فهمت القيادة الجديدة للبيروقراطية (عبد الفتاح السيسي) طبيعة التناقض مبكراً وتخلت عن تحفظات القيادة السابقة (مبارك) المحدودة تجاه الإصلاحات الاقتصادية وبادرت إلى تبني أجندة الصندوق كاملةً بلا شروط، وبقي النزاع قائماً على مسألة الإصلاحات السياسية وحدها، التي لا تعني الغرب فعلياً، ولا تناضل باقي طبقات المجتمع من أجلها، في وقت خرجت فيه قضية الاستغلال والتبعية من حلبة الصراع.
ويعود السبب الأعمق في الخلاف بينهما (كما يرى الباحث المصري محمد الدخاخني) إلى عقلية النظام الانتقائية والانتهازية التي تقبل العولمة الاقتصادية وحدها (ويوافق الغرب على ذلك) وترفض الديمقراطية التعددية، فيما توافق القوى الليبرالية على كلّ أشكال العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية دون تمييز!

في رثاء الكتلة التاريخية
اللحظة الراهنة والمضطربة التي تعيشها مصر هي التجسيد الحي للأزمة الشاملة التي تتوّج التحولات الدرامية على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، التي بدأت مع الانتقال منذ عام 1974 من دولة الرعاية الاجتماعية إلى الدولة الليبرالية اقتصادياً والاستبدادية سياسياً، التي صفّت قاعدتها الاقتصادية المتمثلة في القطاع العام بدءاً من 1989 وعمّقت في النتيجة أزمة الفوارق الطبقية، بشكل يستحيل عليها إدارته (عادل غنيم) إلا بالعنف وحده، لذا لجأت إلى تضخيم حجم الأجهزة القمعية وبالغت في الإنفاق عليها حتى تنامى نفوذها السياسي الأمر الذي مهّد لتحول نوعي في بنية السلطة، وليس حكم الزمرة العسكرية حالياً سوى نتيجة لذلك. بمعنى آخر: هو التعبير السياسي المكثف عن أزمة تفسخ الدولة الوطنية وتحطيم القوى الحية في المجتمع، في مقابل تضخيم أجهزة الدولة القمعية التي تتولى المهمة التاريخية، بالوكالة عن الإمبريالية، في استعباد الشعب ونهبه.
فعقب تصفية بقايا الكتلة الحاكمة القديمة (في انقلاب أيار 1971) وصعود كتلة حاكمة جديدة، على أنقاضها، نسجت تحالفاتها الإقليمية (الخليج) والدولية (أميركا) بشكل عضوي بعيداً عن إرادة المجتمع في التحرر والاستقلال، ولعبت الدولة الدور الحاسم في تفكيك الرأسمالية الوطنية وإنتاج، وإعادة إنتاج، التبعية الاقتصادية والسياسية والعسكرية لواشنطن، وأصبحت هي الأداة الرئيسية لرأس المال الأجنبي في استنزاف الفائض الاقتصادي وتبديده ونهب أصول المجتمع الإنتاجية (عادل غنيم) لتفقد استقلاليتها تجاه الطبقات، وتعبّر، بشكل سافر، عن الكتلة الطبقية الحاكمة المنفصلة عن المجتمع. ولأن الناصرية كانت قائمة على الفرد (الحاكم باسم تحالف قوى الشعب العامل) مع تهميش القوة الاستراتيجية المنظمة للعمال، تركزت السلطة في يد مؤسسة الرئاسة وحزبها الذي انتظمت فيه الكمبرادورية بكل أقسامها (التجارية والمالية، والملاك العقاريين) والبيروقراطية الأمنية والتكنوقراط، فيما جرت تصفية عقائدية للقوات المسلحة وتحويلها مع اتفاقات كامب ديفيد إلى الركيزة الاستراتيجية للتبعية والضامنة لانتقال مصر (في الصراع العربي ــ الإسرائيلي) من مساندة الشعب الفلسطيني إلى التحالف العسكري والسياسي والاقتصادي مع إسرائيل.

أراد العسكر ولاء الطبقات الفقيرة، أما السيسي فليس كذلك في ظل اعتماده التام على الجيش


تنامي هذا الدور الشاذ للبيروقراطية والتكنوقراط (ذوي التكوين المهني في المؤسسات المالية العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالإضافة إلى الشركات المتعددة الجنسيات، الذين ترتبط مصالحهم ووضعهم الاجتماعي بتغلغل تلك المؤسسات في البنية الاقتصادية المحلية)، في موازاة غياب أحزاب الطبقة المسيطرة (1) التي من المفترض أن تنظم الرضا السلبي أو الإيجابي للطبقات المحكومة (غرامشي)، وفي ظل تضعضع أجهزة الدولة الأيديولوجية (التعليم، مؤسسات التوجيه الديني الرسمي، الصحف، الإعلام، السينما)، جعل من الدولة التي وإن كانت تحتفظ بقيادتها للطبقة الحاكمة، فإنها تعجز تماماً عن قيادة التكوين الاجتماعي بأكمله إلا بالقسر البوليسي وبالتهديد المستمر بالعنف. في النتيجة، داخل هذا السياق، يتجاوز الأمر عجز الطبقة السائدة اقتصادياً عن الهيمنة، ويتعداها إلى أزمة الدولة ككل.
فقد جاء الصعود السياسي للبيروقراطية والتكنوقراط على أنقاض «الكتلة التاريخية» المهيمنة في مصر (2) والمعبّرة عن التكوين الاجتماعي ككل، سواء من الناحية السياسية من حيث إنجاز مهمة وطنية كالاستقلال والتحرر، بشكل يجمع بين البرجوازية المحلية والطبقة العاملة والفلاحين، أو من الناحية الاقتصادية عبر دمج فئات من مختلف الطبقات في القطاع الإنتاجي وإتاحة الموارد والوظائف وفرص الصعود الاجتماعي بشكل متوازن للجميع، أو من الناحية الأيديولوجية حيث تراجعت النزعة القومية وانزوى مفهوم الجماعة الوطنية وتلاشت كل المسلمات الوطنية بما في ذلك العداء لإسرائيل التي أصبحت حليفاً سياسياً من الدرجة الأولى، وشريكاً اقتصادياً لا يمكن الاستغناء عنه نهائياً بالنسبة إلى الزمرة العسكرية الحاكمة وشركائها من التكنوقراط ورجال الأعمال.
وتفككت الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة أيضاً، لذا كلما تآكلت شرعية الجهاز السياسي لتلك النسخة الرديئة من البرجوازية، لجأ إلى الاستثمار في التناقض الطائفي بعد تحول الأقباط، على يد البابا الراحل شنودة الثالث، إلى «الشعب القبطي» تمثله الكنيسة سياسياً، وأظهر «الرئيس» نفسه بصفته «حامي الأقباط»!
أما البرجوازية المصرية (باستثناء الفئة المعولمة منها، مثل نجيب ساويرس الذي أسس حزباً بالفعل)، فتتعامل مع الدولة بوصفها «حزبها السياسي» وترى في النخبة العسكرية والتكنوقراط (3) قادتها الطبيعيين، لذا هي ليست بحاجة إلى أحزاب تتطلع إلى السلطة وتحدّ النفوذ السياسي لأجهزة الدولة القمعية والأيديولوجية، وهو ما أدى إلى ضمور المجتمع المدني (بالمعنى الغرامشي الذي يشمل الأحزاب والصحف والنقابات) وخلق مجتمع مدني زائف مموّل كلياً من الخارج. لذا بمجرد أن شعرت البرجوازية بالخطر، المتمثل في انتفاضة 25 يناير، على حزبها (الدولة)، اصطفت في روابط سياسية للدفاع عنه، وأثمر ذلك تشكيل ائتلاف الأغلبية في مجلس النواب (4)، المعروف للمفارقة باسم «دعم مصر»! (5)

البيروقراطية والطبقة
هل يمكن أن تشكّل البيروقراطية طبقة خاصة سواء في مجتمع حديث أو متخلف، ومن ثم يكون لها سلطتها الخاصة؟ الإجابة لدى ماركس وإنغلز هي لا قطعاً، ولكن تتحدد وظيفتها في ظل الدور الذي تعلبه الدولة في البنية الاجتماعية (بولانتزاس)، وهو ما يفسر تحوّل البيروقراطية إلى الجناح القائد لطبقة البرجوازية في مصر، في ظل الدور المهم الذي تمارسه الدولة، وليست وحدة الانتماءات الطبقية لكوادر البيروقراطية ضرورية لهذا التحول، لأن أثر تلك الانتماءات يزول تقريباً مع اندماج أفرادها في وحدة اجتماعية نوعية جديدة. وقد تلعب انتماءات كوادر البيروقراطية دوراً مؤثراً في لحظة الأزمات السياسية الطبقية الحادة يمكن أن يطيح بطبقة ليضع مكانها أخرى، كما حدث في تموز 1952 حين أطاح الضباط الذين ينتمون إلى البرجوازية الصغيرة بالبرجوازية الكبيرة، وأسسوا لحكم البرجوازية الوطنية التي تحولت بعد هزيمة المشروع التحرري الناصري، بفعل تزايد فرص وصولها إلى الموارد والامتيازات والاغتناء على حساب باقي الطبقات، إلى برجوازية كبيرة من جديد (مهدي عامل).
ينبغي التفرقة بين أمرين في هذا الصدد، أولاً النفوذ السياسي للبيروقراطية العليا كنتيجة طبيعية لدور الدولة بالغ الأهمية داخل البنية الاجتماعية في ظل غياب المجتمع المدني، إذ تلعب الدولة دور العنصر المنظم لقيادة الطبقة الحاكمة والحامي الأول لمصالحها (عادل غنيم) حتى باتت أجهزة الدولة الأيديولوجية عاجزة كلياً عن إقناع الجماهير بتعالي الدولة عن الطبقات والصراع الطبقي، أو إنجاز مهمة السيطرة الطبقية بالاستناد إلى القبول الذي لا يتحقق إلا بارتقائها من مرحلة الوعي الاقتصادي إلى الوعي السياسي لتضع في اعتبارها مصالح الطبقات المحكومة وإقناعها بأن قيادتها وطنية أو فوق طبقية (غرامشي)، وهو ما يحدث في الدولة الرأسمالية المتروبولية، حيث تجري السيطرة الطبقية دون أن تظهر كعلاقة سياسية بين طبقة حاكمة وطبقات محكومة، ويتم تمويه المسألة الطبقية برمتها بإظهار الدولة بكونها معبّرة عن الوحدة السياسية والقومية للمجتمع بأكمله، وهو ما يحاول الخطاب السياسي الرسمي في مصر تبنيه فيبدو كـ«مزحة سخيفة»!
ثانياً تضخم الجهاز البيروقراطي لرغبة الدولة احتواء الفائض السكاني المتعطل عن العمل، وضمان الولاء السياسي الطبقات الدنيا بمنح أفرادها وظيفة عامة (غرامشي) وإن كانت ضئيلة الأهمية ومحدودة القيمة، لما توفره من مكانة اجتماعية ودخل ثابت، ومن ثم إشاعة أيديولوجيا «عبادة السلطة» وسط هذه الطبقات، وهو النهج الذي استمر إلى ما بعد «25 يناير» حين أراد المجلس العسكري الذي حكم البلاد بعد الثورة كسب ولاء تلك الطبقات في مواجهة الغليان السياسي ضده. ومع وصول «الإخوان» إلى السلطة تغير الغرض من هذ النهج، فبدلاً من الحصول على ولاء الطبقات الفقيرة حدث الأمر في إطار سياسة توزيع المنافع على الأتباع. أما السيسي، فليس بحاجة إلى ولاء الطبقات الفقيرة في ظل اعتماده التام على الجيش.
في التحليل الأخير، إذا كان من الممكن التوصّل إلى نتيجة بصدد اللحظة الراهنة في مصر، فنحن لسنا أمام «حكم الصفوة» ــ كما يقال دائماً ــ أو أقلية تحتكر المعرفة والسلطة في عملية إخضاع الأغلبية، بل أمام «حكم الموظفين» بمعنى اندماج وظيفتي الإدارة والحكم في وحدة عضوية تحمل كل الأمراض التاريخية للبيروقراطية المصرية وتسهر على الحفاظ على امتيازاتها الطبقية ووضعها السياسي في سياق من التبعية الشاملة، في وقتٍ تنعكس فيه كل آثار التخريب المنظم لعقل المجتمع ومنظماته من رداءة التعليم إلى اضمحلال الثقافة وحصار السياسة وتفشي الجهل، لهذا نحن أمام منظومة حكم بلا عقل سياسي، هي سبب ونتيجة في آن لانقراض الكتلة التاريخية المصرية. أما الحديث الشائع في العلوم الاجتماعية عن «الرشد المتوقع من البيروقراطية»، فهو مشكوك فيه في حالة مصر بعد أن أصبحت المراكز الصلبة للسلطة تعمل بدافع من الخوف من فقدان امتيازاتها المالية ومكانتها السياسية بشكل غرائزي بحت، في ظل معاناتها من الفقر الفادح في الثقافة السياسية، وخلو سلوكها السياسي من أي نزوع عقلاني.

أساطير الديمقراطية والاستبداد
حملت الموجة الديموقراطية في التسعينيات أساطير أيديولوجية تبشر بأن إحلال الديموقراطية التعددية محل حكم الحزب الواحد أو الحكم العسكري سيؤدي إلى انتشال البلدان المتخلفة من فقرها وسيزيد نموها الاقتصادي ويقلل حجم الفساد فيها بفضل سيادة القانون والفصل بين السلطات والمحاسبة والرقابة البرلمانية والكفاءة الإدارية، وهي الأساطير التي تم التأكد من زيفها في البلدان المتحولة من الشيوعية (بي سي سميث) أو من السلطويات الوطنية التي تولت قيادتها نخبة تنفيذية صغيرة تابعة للغرب بددت ما تراكم من ثروات تلك البلاد، كما تبخرت أسطورة تأثير التحرير الاقتصادي في التحرير السياسي، في ضوء حقيقة أن المستثمرين الأجانب، الباحثين عن الموارد الرخيصة والأيدي العاملة منخفضة الأجور، لا تهمهم الحريات السياسية بل تضرّهم في كثير من الأحوال، ولم تعد برامج «المساعدات الخارجية» تشترط بصرامة إجراء إصلاحات سياسية. مع ذلك لا تزال أساطير الديموقراطية هي الحاكمة لتصورات المعارضة الليبرالية في بلد جرى تدمير اقتصاده الوطني باسم الحرية والانفتاح والإصلاح مثل مصر، وهي رأسمالها السياسي الوحيد والفاقد للقيمة.
على النقيض من أساطير الديموقراطية، تقف أساطير التنمية السلطوية التي تتبناها البيروقراطية العسكرية والتنكوقراطية المدنية، التي تذهب إلى أن التنمية تحتاج إلى قبضة حديدية تسهل النمو السريع بما يسمح بتراكم الموارد والثروات واستثمارها، في مواجهة الضغوط الطبقية التي يمارسها العمال والفلاحون (بي سي سميث) ومطالبات أجزاء من البرجوازية الصغيرة بإعادة توزيع الموارد والثروة. وتكمن مشكلة تلك الحجج المتناقضة في غياب التفرقة بين الاقتصادات الرأسمالية المتكاملة (سمير أمين) وبين الاقتصادات الخاضعة جوهرياً للسيطرة الأجنبية في العالم الثالث، في ظل ضغطٍ من هياكل السلطة الداخلية التابعة سياسياً لدول المركز المتروبولي، وكذلك غياب التفرقة بين الديموقراطية ذات المضمون الاجتماعي والديموقراطية الليبرالية أو بين السلطوية الساعية للاستقلال الوطني والسلطوية «التابعة» التي تشبه «الاستعمار بالوكالة»!
فسلطوية السيسي التي مر 4 أعوام على تدشينها أسفرت عن تنمية ضئيلة للغاية، وأرقام مرعبة من الديون الخارجية، وتركيز القوة الاقتصادية والموارد في أيدي أقلية، وتعميق التفاوت الطبقي، وفساد يتمتع بالحماية، ومستويات عالية من القمع، وتضاؤل الإنفاق الاجتماعي على التعليم والرعاية الصحية، وإفقار الجماهير الذي أدى إلى تعجيز أقسام واسعة من المجتمع عن الانخراط في السياسة أو القيام بالتعبئة السياسية اللازمة لإحداث تحول حقيقي في هيكل السلطة الطبقية القائمة.
حتى تلك الفئات الاجتماعية المؤهلة لتنظيم نفسها، كلما حاولت إنجاز ذلك، عملت السلطة القائمة على الحيلولة دون تنظيمها وخططت لتفتيتها سياسياً وعزلها وحصارها بالملاحقة البوليسية السافرة والاعتقال والتشويه الإعلامي، في وقت تعيد فيه الدولة بنفسها تنظيم النخبة الاقتصادية سياسياً، مثلما حدث قبل 3 سنوات مع تشكيل تحالف «دعم مصر» (على عين الأجهزة الأمنية) ومن قبله تنظيم الطبقة الحاكمة في «الحزب الوطني» الذي حطمته انتفاضة 25 يناير، ومن ثم يترافق الاستبداد والاستغلال مع التخلف السياسي ويعيد كل منهما إنتاج الآخر في دائرة جهنمية هي «التخلف الاجتماعي».

خاتمة
إذا كانت البرجوازية الكبيرة قد عجزت في أيام مجدها أثناء «الحقبة الليبرالية»، أو الاستعمارية بمعنى أدق، عن السيطرة على الدولة والهيمنة على المجتمع (كانت الطبقة العاملة عاجزة عن الوصول إلى السلطة، ما سمح للبرجوازية الصغيرة ــ الضباط الأحرار ــ بالتصدي لقيادة المجتمع)، فإن البرجوازية بنسختها الرثة الحالية، وبجهازها السياسي المفرغ من العقل، تسعى وتمهّد، بتسرع غير معهود، إلى تفجير الأزمة الاجتماعية الشاملة، وهذا سر قلق بعض الكوادر العسكرية الكبيرة من استمرار نهج القيادة الحالية على الوضع الاجتماعي للبرجوازية وجهازها السياسي. وتجسد ذلك في محاولتي الفريق أحمد شفيق والفريق سامي عناني الترشح للرئاسة في مواجهة السيسي (كتعبير عن غياب التجانس السياسي للنخبة الحاكمة) أملاً في إعادة «شيء من العقل» إلى منظومة الحكم وتقديم بعض التنازلات السياسية (وليس الاجتماعية) بما يضمن حماية البرجوازية سياسياً، وهو ما لم تفهمه تلك الطبقة التي لا ترى أبعد من تحت قدميها، والتي تشعر بنشوة الانتصار على «المعارضة السياسية» دون أن تدرك أن الخطورة لن تأتي من ناشطي المجتمع المدني وأحزاب ما «تحت التأسيس» ومدوني «فايسبوك» بل من رجل لا يشارك في المؤتمرات السياسية لكن يعجز راتبه عن الإيفاء بحاجات أبنائه، ومن أناس يحتقرون النظام والمعارضة معاً ويرون فيهما سبب البلاء!
نال شفيق وعنان جزاء محاولتهما تلك من اعتقالٍ وتشويه، وأبَى «السيسي وشركاؤه» إلا أن تستمر مسيرة «العبث السياسي» الحافلة بالمشاركة الحماسية والصاخبة للصوص المال والأعمال والمتهربين من الضرائب والفاشيين الصغار القابضين على جمر الشوفينية المصرية والموهومين بأن «مصر أم الدنيا» وستصبح «قد الدنيا»... حتى تصل البلاد إلى القاع رغم أنف «أعداء الوطن»!

الهوامش:
(1) تبقت هياكل الأحزاب السياسية سواء التي تأسست مع سياسة المنابر الحزبية التي دشنها أنور السادات كحزبي «الوفد الجديد» و«التجمع»، وقد خرجا من التاريخ نهائياً عقب اندلاع 25 يناير، أو التي تأسست مع فترة خضوع مبارك لأجندة دمقرطة العالم الإسلامي التي أقرتها الإدراة الأميركية في عهد بوش الابن بهدف تجفيف منابع الإرهاب وخلق إطارات سياسية لاحتواء الشباب المسلم الغاضب بدلاً من تنظيم «القاعدة»، مثل حزب «الغد» الذي أسسه أيمن نور الليبرالي الموالي لـ«الإخوان المسلمون» والهارب حالياً في تركيا، وتم تفتيته على يد موسى مصطفى موسى المرشح الذي اختير كمنافس هزلي للسيسي في الانتخابات الرئاسية الحالية، أو التي تأسست بعد «25 يناير» مثل حزبي «المصري الديموقراطي» الذي انسحبت منه الكوادر الشبابية (شباب الثورة) بعد انقلاب «3 يوليو»، و«المصريين الأحرار» الذي أسسه رجل الأعمال (عميق الصلة بإسرائيل) نجيب ساويرس، الذي شهد انقساماً مدمراً في الفترة الأخيرة، وتدور شبهة تفتيته حول اللواء عباس كامل (مدير مكتب السيسي)، رغم تأييد الحزب خريطة الطريق التي وضعها الجيش ومعارضته «الناعمة» لحكومة السيسي.
(2) أحد المفاهيم المركزية لدى الفيلسوف الإيطالي أنطونيو جرامشي.
(3) يرى عادل غنيم أن البيروقراطية والتكنوقراطية العسكرية والمدنية بمنزلة «المثقف الجماعي» ــ وهو مفهوم لتولياتي، شيوعي إيطالي ــ للبرجوازية المصرية، وذلك بحكم وظائف تلك الشريحة السياسية والأيديولوجية والتنظيمية.
(4) تعتبر السلطة التشريعية منفصلة «قانونياً» في الدولة الرأسمالية المركزية عن السلطة التنفيذية والقضائية، رغم أنها تعمل كجزء عضوي يتميز باستقلال نسبي من بنية مركزية هي الطبقة الحاكمة. أما في الدولة الرأسمالية المحيطية، فالسلطة التشريعية تتبع التنفيذية مباشرة وتأتمر بأوامر جناحها القائد، المتمثل في الزمرة العسكرية في حالة مصر حالياً.
(5) «دعم مصر» قائمة انتخابية (تحولت إلى ائتلاف أغلبية دون صلاحية الحكم) أعدتها مجموعة من العسكريين القدامى (على رأسهم اللواء الراحل سامح سيف اليزل) بالتعاون مع الأجهزة الأمنية. وكانت إجراءات تعديل النظام الانتخابي الذي حال بين حصول الأحزاب على نصيب أكبر في الانتخابات البرلمانية الماضية هي القابلة التي خرج الائتلاف على يديها مشوّهاً.
* باحث مصري