تطورات مهمة على الصعيد الاقتصادي تنحو بالدولة المصرية نحو تعظيم مكانتها، حيث تبوح جغرافيتها السياسية بثروات تُكتشف تباعاً أو تقبع في عمقها بانتظار إحيائها. الكلام عن اكتشافات مكامن الغاز في البحر المتوسط وعائداته التي ستساعد النظام المصري بالسير قدماً في استكمال مشاريعه العمرانية والبنى التحتية الضخمة، وتعظيم تأثير مصر في البيئة الدولية.

أولى مظاهر التأثير هذه نراها في اعتماد إسرائيل على معامل إسالة الغاز في دمياط والإسكندرية المصريتين على الساحل الشمالي، ومن ثمّ بيعه إلى الأردن ومن يودّ من الدول العربية والأوروبيّة، والأهم أنّ الارتباط الإسرائيلي بمصر عبر اتفاقيات تجارية، وموافقتها الخطط المصرية والتنسيق معها اقتصادياً من ضمن حلف رباعي، يحقّق للقاهرة ما تصبو إليه من أن تصبح مركزاً لتجارة الطاقة في المنطقة، وبالتالي ربط الأمن القومي الإسرائيلي بالمصالح المصرية، لا سيّما أنّه تمّ ترسيم الحدود البحرية ما بين مصر وقبرص وقبرص وإسرائيل، وجرى التفاهم عليها ما بين مصر وإسرائيل وبين مصر واليونان، وأصبح جزءٌ من الأمن القومي لهذه الدول مرتبطاً بمصالح واتفاقيات اقتصادية جماعية في البحر المتوسط، وتحديداً في استخراج الغاز وبيعه، فيما الاعتبارات السياسية والصراع بخصوص احتلال إسرائيل أراضي عربية ـ إن لم نقل فلسطين بكاملها ـ أصبح قضية ثانوية، لا يُنتج تداولها والبحث بها سوى التأزّم، وفق منطق الباحثين عن تسويات.
لقد أشار معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، في نشرته الدورية «مباط عال»، إلى أنّ لاتفاقيتي التجارة الإسرائيليتين الغازيّتين مع الأردن بقيمة 10 مليار دولار، ومع مصر بقيمة 15 مليار دولار: «قيمة استراتيجية كبيرة، لأنهما تثبتان علاقات إسرائيل بالدول المحيطة بها، وتخلقان مصالح متبادلة معها، وتفتحان الباب أمام تعاون إقليمي يتجاوز موضوع الغاز، نحو تصدير واستيراد الكهرباء وتحلية المياه»، وأنهما «تتيحان لتل أبيب أن تشرك عمّان والقاهرة في تحقيق المصالح الإسرائيلية ودفعهما للحؤول دون الإضرار بالغاز الاسرائيلي من جانب حزب الله أو حركة حماس. وهو الأمر الذي يعدّ مكوّناً رئيسياً في الدفع نحو تعاون استخباري وأمني مسبق للحؤول دون مواجهة، وكذلك لمنع تفاقم أيّ مواجهة قد تحدث مع أحد هذين التنظيمين»، وبأنّ المصالح النفطية والغازية لتل أبيب التي تعدّ موضع «الخلاف» مع الجانب اللبناني، بات بعد الصفقة مع مصر وقبلها مع الأردن إضراراً أيضاً بالدولتين العربيتين، الأمر الذي يعني مواجهة معهما، إضافة الى المواجهة مع إسرائيل (جريدة الأخبار اللبنانية 14-3-2018).
تَعِدُ مصر نفسها بأنها ستكون مركزاً رئيسياً لتجارة الغاز في المنطقة في بضع سنوات، وذلك بعد اكتشاف حقل «ظُهر» للغاز الطبيعي على بعد 180 كيلومتراً من بورسعيد في المنطقة الاقتصادية البحرية شمال مصر، بمخزون يصل إلى 30 تريليون قدم مكعب، وتؤكّد أن نهاية العام الحالي ستكون مكتفية من الغاز ومستعدة نهاية العام المقبل إلى تصدير فائض إنتاجها. وبإضافة حقل «أفروديت» القبرصي الضخم، وحقول إسرائيل المحاذية، ضمن رؤية رباعية من ضمنها اليونان، لتزويد أوروبا بالغاز وتخفيف الارتهان للغاز الروسي، سيجعل من دول المنطقة محط اهتمام دولي إضافي، وسيقود إلى تبدّل في موازين القوى والأحجام الدولية انتفاخاً وانكماشاً، بما فيها قبرص وتركيا وإسرائيل ومصر، ولاحقاً لبنان وسوريا عندما تبدآن بإنتاج الغاز والنفط، الأمر الذي يولّد تنافساً إضافياً ما بين هذه الدول، وفي صدارتها مصر المرشّحة لامتحان من هذا النوع بعد اكتشافاتها الغازيّة الكبيرة. ومعلوم أنّ روسيا والولايات المتحدة تتنافسان على التواجد أو الإمساك بمكامن الطاقة والتحكم بامتداداتها في منطقة الشرق الأوسط، حيث تقدر هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن المنطقة من قبرص إلى لبنان ومصر، يمكن أن تحتوي على أكثر من 340 تريليون قدم مكعب من الغاز، أي أكثر من الاحتياطيات المؤكدة في الولايات المتحدة (موقع بلومبيرغ الأميركي 20 شباط 2018).
لقد كانت أميركا قد عزمت على مد خط غاز من آسيا الوسطى إلى أوروبا، لتأمين جزء من احتياجاتها بعيداً عن التحكم الروسي بهذا السوق، وفي نفس الوقت تفيد اقتصادياً منه تركمنستان ودول آسيا الوسطى مما يقلل نفوذ روسيا فيها، فكان مشروع خط «نابكو» الغازي، ويقابله خط «السيل الشمالي» الروسي إلى ألمانيا مباشرة عبر بحر البلطيق بسعة 55 مليار متر مكعب، وخط «السيل الجنوبي» إلى تركيا عبر البحر الأسود، لتلبية احتياجات تركيا والدول الأوروبية. ومع وجود مشاكل قانونية حول تصنيف «قزوين» بحر أو بحيرة، أوجدتها روسيا لعرقلة استكمال خط «نابكو»، ظهرت قطر على الشاشة كمصّدر محتمل لأوروبا، لكن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر، حين رفضت أميركا أن تمد إيران وقطر خطاً للغاز من حقل «بارس» المشترك إلى أوروبا عبر سوريا، وأن تصبح الأخيرة مركزاً لتجارة وتوزيع الطاقة، وكان ذلك أحد أسباب نشوب الحرب لتغيير نظام الرئيس بشار الأسد.
في هذه النقطة تكمن أهمية الاكتشافات المصرية للغاز في حقل «ظُهر»، حيث ترشّح أن تكون ـ مع المكامن الإسرائيلية والقبرصية ـ منافساً لروسيا، وهنا يكمن مغزى التضخيم والدعاية التي تقوم بها الإدارة المصرية من أنّ مصر ستصبح مركزاً إقليمياً للطاقة في المنطقة (Mediterranean Energy Hub)، إضافة إلى تقاطع المصالح السعودية والمصرية والخليجية، بقطع الطريق أمام تركيا المتحالفة مع قطر العدو اللدود لمصر، أن تكون أنقره مركزاً لتداول وتسويق وتوزيع الغاز الطبيعي في المتوسط، خاصّة أنّ خططها في هذا المجال تزاحم نظيرتها المصرية، حيث مشروعها خط الأنابيب «تاناب» الذي سينقل الغاز الأذربيجاني إلى الأناضول، وخط «تاب» المكمل له إلى أوروبا، قد أنجز منه 93 في المئة، ووفقاً لوزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، براءت البيراق، فإنّ هذا الخط سيسمح لتركيا بأن تكون مركزاً للطاقة، وأنّ تركيا تُعَد أيضاً «البديل الأكثر منطقية وعقلانية لنقل الموارد الطبيعية في شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية والعالمية» (وكالة الأناضول الرسمية للأنباء 18/2/2018).
ولاستكمال مصر هذا الدور والاستحواذ فعلاً على مركز الصدارة في تجارة الطاقة، هي بحاجة لضم إنتاج حقول سوريا ولبنان إلى باقي رباعية قبرص واليونان وإسرائيل وحقل «ظُهر»، لتحقيق تغذية دائمة ومتواصلة وكافية لأوروبا والغرب، وبسبب سياستها القائمة على رفض تقسيم الدول الوطنية ورفض التدخل الخارجي، وبحسن علاقاتها مع سوريا ولبنان وليبيا، تستطيع مصر إقناع جيرانها بقيادة تجارة وتوزيع الطاقة في المنطقة والعالم، لا سيّما أنّ لديها محطتي تجميع الغاز وإسالته متطوّرتين في دمياط وإدكو، مع انعدام أي وجه للتنافس مع سوريا في هذا المجال، بفرض صدق التوقعات حول المكامن السورية والتي تقدّر بأنها ما بين 28 إلى 34 تريليون متر مكعب أي في المرتبة الثالثة بعد روسيا وإيران، وحقول النفط التي تقدر بـ 11 مليار برميل (عماد فوزي الشعيبي نقلاً عن دراسة كندية أجراها الدكتور كمال ديب، قناة الميادين 23/2/2018). ومع انتظام اتفاقيات مصر مع الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة، وإبرامها صفقات تسليح مع فرنسا وألمانيا، وتناغمها مع ترتيبات صفقة القرن الأميركية، يمكن للقاهرة أن تضع أنقرة في المرتبة الثانية في تجارة وتوزيع الغاز، بفعل جغرافيتها السياسية (كونها مدخل القارة الأفريقية وفيها قناة السويس ومرشحة لاكتشافات غازية أخرى كبيرة)، في حين تتحالف تركيا مع قطر المغضوب عليها خليجياً، وتتنازع مع أوروبا في شأن قبرص التركية، وتنخرط في صراع عسكري على الأراضي السورية، وتناصر الإخوان المسلمين أعداء النظام المصري.
لقد فعلت الجغرافيا السياسية فعلها في دفع النظام المصري إلى الأمام، ومع استتباب الأمور للرئيس عبد الفتاح السيسي بعد إتمام الانتخابات الرئاسية الجارية، وما يعنيه ذلك من تنسيق مستمر وكبير مع إسرائيل والمنظومة الخليجية، سوف تظل مصر والمنطقة مرتهنة لمشروع الشرق الأوسط الكبير الأميركي والحروب الإقليمية.
* كاتب لبناني