انعقد المؤتمر الثاني للحوار العربي - الإيراني تحت عنوان «مستقبل مشترك: الأمن والاستقرار والتعاون» في العاصمة اللبنانية بيروت على مدى يومين في 17 و18 كانون الثاني 2018 بدعوة من المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق (لبنان) ومركز أنديشه سازان نور (إيران) ومركز الدراسات السياسية والدولية (إيران). وقد شارك في المؤتمر قرابة مئة شخصية سياسية وأكاديمية وفكرية من إيران والعالم العربي ولبنان.

تقوم أطروحة المؤتمر المركزية على أن قيام النظام الإقليمي الجديد واستقراره واستتبابه لا بد أن يكون جزءاً من هرم متكامل، تقع في قاعدته الدولة الوطنية الموحدة، القوية والقادرة والعادلة والضامنة للحقوق الأساسية الفردية والجماعية، وفي قمته النظام الدولي الذي لا بد لمنطقتنا من أن تكون شريكة في بنائه حتى تستطيع تحقيق غاياتها البعيدة، وهو ما لا يتحقق إلا بالخروج من الحلقة المفرغة للعبة توازنات القوى الصفرية بين دول المنطقة إلى مقاربة تقوم على الشراكة الواسعة.

أولاً، الدول الوطنية: الاستقلال والشراكة وتماسك الهوية
يرى المؤتمر أن الدولة الوطنية المستقلة، والمستندة قوتها وقدرتها إلى الشرعية الشعبية، هي ركيزة أساسية للاستقرار والتعاون والتفاعل الإقليمي، وشرط لا غنى عنه لقيام علاقات صحيحة ومتوازنة بين بلدان الإقليم، لا سيما بين الدول العربية وجوارها، ومواجهة الأزمات الداخلية والمؤامرات الخارجية. لذلك لا بد للدولة الوطنية المنشودة من أن تستند إلى عقد اجتماعي جديد يتضمن في آن معاً التعددية والحريات والازدهار والرفاه من جهة، ومتطلبات الأمن القومي والتموضع الجيو سياسي الفعال من جهة أخرى، وأن تكون جزءاً من فضاء أوسع.
ومع أن الدولة الوطنية القطرية في تكوينها الحالي لا تخلو من عيوب، ويصعب تجديد ركائزها في الظروف الحاضرة، إلا أنها تبقى- وفق العديد من المشاركين- خط الدفاع الأخير ضد الأخطار الداخلية والخارجية، فهي التي تضمن المواطنة الجامعة، وتمنع الانحدار نحو مزيد من التفتيت العِرقي والمذهبي والهوياتي.
وقد ناقش المشاركون الدور الإيراني في المنطقة، وما إذا كان ينطوي على تدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أم أنه حضور طبيعي ومتوقع في إطار التفاعل الإقليمي التلقائي والتأثير المتبادل، خصوصاً أن هذا الدور- لا سيما في البلدان التي تتعرض للخطرين الصهيوني والتكفيري- يتم بوسائل شرعية وتحقيقاً لغايات مشروعة. وقد أفضت النقاشات إلى أن ضعف الدولة العربية هو العقبة الرئيسية أمام الارتقاء بالعلاقات العربية- الإيرانية إلى المستويات المطلوبة من التكافؤ والندية، ولا يمكن عزو الضعف المذكور إلى الالتباسات والتحفظات المحيطة بهذه العلاقات. بل إن التدخلات الخارجية والأجنبية وما يصاحبها من شروط والتزامات أوجدت بيئة غير ملائمة لتطوير هذه العلاقات، ومنعت دولاً عربية عدة من الاستفادة من الفرص المتاحة اقتصادياً وتجارياً وثقافياً وعلمياً في علاقاتها مع طهران.
وقد لاحظ المشاركون أن أغلب دول المنطقة قامت في أواسط القرن الماضي لكنها لم تملك استقلالها الحقيقي ولا سارت بخطى ثابتة على طريق التقدم والتنمية، ومن أسباب ذلك، بل على رأس تلك الأسباب، التدخلات الخارجية وزرع دولة العدو الإسرائيلي في قلب المنطقة لمنع توحد أجزائها. ومن أسبابه البنيوية أيضاً عدم وجود دساتير تستند إلى توافقات داخلية عريضة وعميقة، وغياب حكم القانون وعدم المساواة أمامه، والافتقار إلى العدالة الاجتماعية.
ولا يمكن أن يُغفل من بين الأسباب أيضاً العامل الاقتصادي. وقد أبرز العديد من المشاركين الدور السلبي للسياسات النيوليبرالية التي فاقمت الفقر واللامساواة من دون أن تحقق النمو، فنشرت البطالة، لا سيما بين صفوف الشبان والخريجين، وارتضت الاندماج بلا شروط في نظام عالمي ينطوي على بذور استعمار جديد. وقد أجج ذلك كوامن السخط الاجتماعي، وأوجد بيئة غير مستقرة ساهمت في تعميق الانقسامات الداخلية ونشر الفرقة والعنف في دول الإقليم ومجتمعاته.
ورأى مشاركون أن التقدم الاقتصادي لبلدان المنطقة، بصفته شرطاً لا غنى عنه لاستقرارها الاجتماعي وتطورها السياسي ونضج علاقاتها البينية، لا يمكن أن يتحقق في حدود الموارد المتاحة وطنياً فقط، بل يحتاج أيضاً إلى شراكات إقليمية واسعة، في مسار تحدد فيه الحكومات الأهداف والغايات ويكون للقطاع الخاص دور في وضعها موضع التطبيق.
وتناول المؤتمر دور النخبة أو الصفوة الوطنية في تقدم مجتمعاتها واستقلال قراراتها أو في تأخرها وتراجعها؛ فرأى أنّ استتباع النخبة الإعلامية والاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية والاقتصادية من قِبل دول إقليمية وعواصم دولية، أو صناعتها على نحو مناسب لمصالح تلك الدول، قد ألحق ضرراً فادحاً بالسياق الطبيعي لنمو تلك المجتمعات وعرقل في كثير من الأحيان بناء التوافقات الداخلية وإيجاد الحاضنات الوطنية للتطور والتقدم. فكثيراً ما يستفاد من النخب المرتهنة للمصالح أو التمويل أو الدعم الخارجي في منع التغيير تارة أو حرفه عن مساره تارة أخرى.
ولهذا الغرض تعمل الدول المهيمنة على إيجاد بنية تحتية «مدنية»، موازية أو متداخلة مع المجتمع المدني الوطني، تستخدمها في لجم التحولات أو التحكم بها، أو في زيادة الفجوات والتوترات القومية والدينية والطائفية والمذهبية والعرقية، وهو ما نجد انعكاساته الأخطر على العلاقات العربية- الإيرانية على وجه الخصوص.
إن تأكيد المؤتمر على وحدة دول المنطقة بصفتها الحل الناجع للحروب والأزمات الراهنة، ورفض مشاريع التقسيم، ينطلق من القناعات المبدئية للمشاركين فيه أولاً، ومن التجارب العالمية ثانياً، فالنظم الفدرالية على سبيل المثال، أعطت لبعض الفئات المسيطرة فرصة التعبئة والتحشيد على أسس إثنية وطائفيّة، بينما كان النجاح، بحسب بعض المشاركين، حليف الدول التي أرست نوعاً من «الوطنية المركبة» القائمة على مزيج من الوحدة الجغرافية والتنوع الاجتماعي، أي تلك التي توسع هوامش الحريات الثقافية، لكنها تمنع «المقاولين والمغامرين السياسيين» من استخدام الانتماءات الفرعيّة في الداخل والخارج خدمة لمصالحهم.
إن الخروج من مرحلة الأزمة إلى مرحلة إعادة البناء يجب أن ينطلق من نقاط الالتقاء التي تجمع التيارات الأساسية في المنطقة، والتي تعبّر عن مبادئها وقيمها ومصالحها المشتركة. وإذا لم يكن ممكناً تحصين الدولة العربية وتمتين ركائزها في الظروف الصعبة الراهنة فعلى القوى الاستقلالية أن تهيّئ نفسها لتكون نواة العقد الاجتماعي الوطني والإقليمي، فتقوي مناعتها الذاتية تجاه التدخلات والنفوذ الخارجيين، وتتجاوز أزماتها وإشكالياتها الداخلية، وتتبنى مقاربات إصلاحية داخلية قائمة على عمومية الحقوق، تتكامل مع رؤية خارجية تقع في قلبها وعمقها القضايا الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، أكّد المشاركون في المؤتمر الحاجة إلى نموذج مرجعي ناجح للدولة الوطنية يُبنى عليه في إطلاق عجلة الإصلاح، وتطوير أوضاع بلدان المنطقة، وهو ما لا تلوح بشائره في الأفق في ظل ما يعانيه الإقليم من أزمات وتوترات وانقسامات وحروب. ومع ذلك، ثمة مسؤولية تاريخية وأساسية في إيجاد مثل هذا النموذج تقع على عاتق الاتجاهات والتيارات الاستقلالية المذكورة. ويفترض بهذا النموذج، القائم على المواطنة وحفظ الحقوق الأساسية والسيادة واستقلال القرار الداخلي، أن يكرّس وحدة الكيانات ويكفل تحقيق التنمية بأرفع مستوياتها ويضمن الحريات العامة، وأن يتوافق مع متطلبات الاندماج في فضاءات أوسع من التعاون والتكامل والشراكة والاندماج الإقليمي. والهدف من كل ذلك بناء دولة تحاكي طموحات شعبها على جميع الصعد، ولا تنشغل بصون سلطتها أكثر من انشغالها بتمكين مواطنيها؛ دولة حماية ورعاية وقدرة لا دولة ضارية في الداخل وتابعة في الخارج.
لكن الوصول إلى نموذج راسخ للدولة الوطنية ليس ممكناً من دون الارتباط بمشروع أوسع، وحدوي عربي قومي وفق بعض المشاركين، وإقليمي أو إسلامي وفق آخرين؛ وذلك لاستعادة التوازن والانطلاق إلى الأمام من جديد.
وأكد المؤتمر أن التفكير بالدولة الوطنية، أزماتها ومستقبلها، لا يصح من دون وعي الأهداف الأميركية بعيدة المدى في المنطقة.
إن فهم مشكلة الدولة الوطنية وتجديد بناها وتمتين أواصرها لا يكون من دون وجود رأس مال اجتماعي «داخلي» تستند إليه في ترسيخ شرعية الحكم، كما أنه يرتبط بامتلاك فهم متعدد الأبعاد لوظائفها، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وجيو- سياسياً، إذ لا يمكن الدولة أن تكون مقتدرة ومتماسكة ومزدهرة في الداخل إذا كانت ضعيفة وهامشية وتابعة في الخارج والعكس بالعكس، والأمر نفسه ينطبق على تحليل أوضاع الإقليم على المستوى العالمي.

ثانياً، العلاقات الإقليمية من التوازن إلى الشراكة الواسعة
أكد المؤتمر أن بناء شراكة إقليمية، ابتداء بالشراكة بين إيران والعرب، هو ضرورة وحقيقة قائمة وبديهية، وإلا فإن البديل الحتمي هو الحرب والخراب وليس من خيار ثالث. إن الخروج من المنطق الصفري للعبة توازن القوى المفتوحة على التوترات والأزمات والحروب لا يكون إلا بخلق أسس للتعاون تساعد قوى المنطقة على اكتشاف مصالحها المشتركة وتتقاسم الأعباء والمسؤوليات وتخضع لمعايير ومؤسسات ونظُم ضامنة، وبهذا تنتقل المنطقة من مفهوم «الدولة الأقوى» إلى «المنطقة الأقوى».
شدد المؤتمر على أن لغة المصالح المشتركة ينبغي أن تتقدم على لغة الهويات الخاصة، كما أن المصالح المشتركة تُبنى على قاعدة عقلنة الخلافات وتجاوز التباينات، ولذا لا ينبغي للخلافات أن تحول دون البحث في المصالح المشتركة وتشبيكها كما يحصل في العلاقات الإيرانية- التركية، والإيرانية- الإماراتية، والتركية- العراقية. إلى ذلك، رأى المشاركون أننا أمام فرصة تاريخية تُطل برأسها لعودة حضارات المنطقة العريقة إلى المسرح العالمي، وهذه فرصة ينبغي إدراكها والإيمان بها شعوباً ونخباً وحكّاماً.
هذه الشراكة هي، بإجماع المشاركين، ضمانة رئيسية لبناء مستقبل أفضل لشعوب المنطقة، ولقيام الاستقرار والسلم، ولتوليد المنافع المشتركة من ثروات المنطقة، ولحفظ الاستقلال الوطني، ولحماية التنوع والتعدد، ولإحباط المساعي الخبيثة لإقامة محور إسرائيلي– عربي بهدف ترميم ما أُلحق بمشروع الهيمنة من خسائر. وهذه الشراكة يمكن أن تتموضع كجزء من الشراكة الإقليمية وصعود الشرق، اللذين يتيحان تصحيح العلاقة مع الغرب والمركز الرأسمالي والبنى النيوليبرالية.
يبدأ هذا المسار نحو الشراكة الإقليمية بالتشكل من خلال القوى التي تتبنى خيار الشراكة وتلتقي، على رغم تنوعها، على الإيمان بمنطق الشراكة والتكامل وتؤمن بمنطلقاته الأساسية. وهذا المسار سيبقى مفتوحاً لكل من يقررون الانضمام إليه، على أن يبدأ العمل من كل مسألة يمكن أن تتحول إلى مشترك مهما كان بسيطاً أو معقداً، فنعبئ له ونهيّئ أرضياته ليكون مشروعاً مشتركاً أكثر طموحاً. وهذه الشراكة لا تشترط التماثل بين مكوناتها بل يجب أن تبنى على وعي يقبل الاختلاف ضمن مبادئ عليا ومصالح مشتركة أقرّت بالاعتراف المتبادل.
إن القوى المؤهلة لخوض مسار الشراكة الإقليمية هي تلك التي أثبتت حضورها ودورها ورغبتها وقدرتها على الالتزام بمواجهة التحديات الأساسية التي تعصف بالمنطقة، وبالتحديد التهديد «الإسرائيلي»، والدور الإمبريالي الأميركي، وموجة الإرهاب التكفيري، وأيضاً القوى التي طورت تجارب نهوض سياسي وحضاري وذات أجندة استقلالية، ما يجعلها قادرة على الإسهام بتجربتها ومواردها ونفوذها في تعزيز مسار الشراكة الإقليمية. وفي هذا السياق، وتماهياً مع تحولات السياسة الدولية، لم يعد من الممكن الركون إلى الدول فقط لا سيما في ظل ضعف الدول الوطنية في المنطقة، ولذا يمكن قوى شعبية (لا دولتية) ومنظمات غير حكومية، ممن توافرت فيها الشروط أعلاه، أن تشكّل إضافة وازنة وضرورية لهذا المسار.
ولفت المؤتمر إلى أن هذه الشراكة متوازنة في كل أبعادها. فهي وإن كانت لا تتجاهل مصالح الأنظمة السياسية إلا أن هدفها الأساس تحقيق مصالح شعوب المنطقة، وهي ليست شراكة تنحصر في قضايا الأمن والدفاع بل تقع في صلبها قضايا التنمية والاقتصاد والثقافة، وهي ليست مشروعاً بين دول فقط على رغم محوريتها، بل هي أيضاً مشروع لكل القوى المجتمعية والأهلية والنخب والقطاع الخاص، وهي لا تنحصر في التوافق على مبادئ وقيم ومعايير وثقافة، بل تستند إلى قاعدة صلبة من المصالح المشتركة.
وهذه شراكة تستلزم إرادة سياسية، ولكن الأهم أنها تحتاج إلى بنى تحتية مادية عابرة للحدود تربط مصالح شعوب المنطقة ببعضها بعضاً. وقد حظيت هذه النقطة بحيّز واسع من اهتمام المشاركين الذين أكدوا ضرورة تأسيس مشروعات تعزز التبادل ونقل الأفراد والبضائع ورؤوس الأموال والخدمات بين دول المنطقة، وهو ما يتطلب استثمارات هائلة لإقامة شبكات من البنى التحتية تربط بين دول المنطقة.
واتفق المشاركون على تحديد جملة من المبادئ اللازمة لبناء نظام الشراكة الإقليمية: مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، لا سيما في فلسطين ودعم القضية الفلسطينية، ورفض الانخراط في مشاريع الهيمنة الدولية على المنطقة، وهو ما تمثله الولايات المتحدة في شكل أساسي اليوم، وعدم المس بحدود الدول، مع الأمل أن يجعل التعاون الإقليمي الحدود الجغرافية أقرب إلى الحدود الرمزية، وعدم اللجوء إلى العنف والتهديد والإكراه في حل النزاعات البينية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية (سيادة الدول)، والالتزام بالحوار والتفاوض في الأزمات وفي القضايا العالقة، والانخراط في مشاريع التعاون الاقتصادي والتنموي، وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الفردية، وتنوع المجتمعات التي ينبغي تمكينها من التعبير عن خصوصياتها الثقافية، وتمتين سلطة القانون وقواعد العدالة، ورفض كل أشكال التهميش والتمييز الهوياتي والطبقي والسياسي ومواجهة خطابات الكراهية التي تعززها، وتعظيم المشتركات الثقافية والتاريخية التي تجمع دول المنطقة.
إن بناء مسار وهياكل للشراكة الإقليمية، كما توافق المشاركون، لا يمكن أن يستند فقط إلى مسارات رسمية (ثنائية ومتعددة)، بل يجب في هذه المرحلة التمهيدية الاستناد إلى مسارات غير رسمية وهذه مقاربة تعتمد على العمل من أسفل إلى أعلى. إن خلق وقائع وحقائق في المستويات الشعبية سيولد ضغوطاً على صانعي القرار للسير في هذا المشروع. كما أن مشاريع التعاون والشراكة بين المجتمعات المحلية والمؤسسات الأهلية وبرامج التبادل الأكاديمي والشبابي، وبناء منصات للتفاعل الثقافي والعلمي، سيكون لها عميق الأثر في تحضير البيئة الإقليمية. وهنا يستفيد العرب من القفزة العلمية للجمهورية الإسلامية وجاهزيتها لإتاحة هذه الثروة الكبرى لشعوب المنطقة كافة.
وركّز المشاركون على منح الشباب بالتحديد الحيّز والإمكانية لأداء دور مركزي في هذا السياق لما يمثلونه من قوة بناء وتقدم وحيوية وتأثير. يضاف إلى ذلك ضرورة التركيز على المجالات الأسهل للتعاون والتشارك مثل التعليم والرياضة والبيئة والبحث العلمي والطب والسياحة والتنمية.
إن الرؤية الطموحة للشراكة الإقليمية لا تتجاهل العوائق والقيود بل تعترف بها لتتجاوزها وتنظر إلى الفرص الكامنة.
وفي هذا السياق ينبغي السعي لإطفاء نيران الحرب والتوتر في سوريا والعراق لما لذلك من أثر على الحد من التعبئة المتبادلة وفتح الأفق نحو مصالحات وطنية تعزز وضعية التيارات والقوى الداعمة لمسار العمل الإقليمي المشترك. وبالمحصلة، فإن بناء نظام للشراكة الإقليمية يعمل وفق منطق التراكم هو مشروع بحاجة لرؤية وإرادة سياسية وعمل شامل ومستدام.
وأجمع المشاركون على خطورة ومعضلة الأشكال الهوياتية والثقافية للانقسامات السياسية داخل المنطقة، وبالتحديد خطابات الكراهية المذهبية. إلا أن النقاشات أوضحت أن خطاب الكراهية والعداء على أساس ثقافي هي من عوارض أزمات المنطقة وليست سبباً لها. فالتناقض الرئيسي الذي تجمعنا مواجهته هو «الاحتلال الإسرائيلي» في ذاته وفي دلالاته، والذي يجب أن نخوض معه مواجهة صفرية. وعليه ينبغي أن تكون قضية فلسطين فوق لعبة المحاور.
وكما أن للتجزئة والانقسام الإقليمي مضموناً اجتماعياً فإن للوحدة والشراكة بما هي مشروع في مواجهة الإمبريالية أيضاً مضموناً اجتماعياً، وهذا ما نبّه إليه المؤتمر. وأي تكتل إقليمي هو أولاً عمل تاريخي يحتاج إلى بُعد اجتماعي وحاضنة شعبية ونموذج اقتصادي يحمي حصّة هذه الشريحة من الدخل القومي. فمشروع الهيمنة يستند إلى أنظمة هي في أغلب الأحوال واجهة لبنى اجتماعية يجب الالتفات إليها والعمل في شكل جدي لتقويض أسس وجودها الاقتصادية.
وركّز المؤتمر على مُعضلة تعيق مسار الشراكة الإقليمية عموماً، والعربية– الإيرانية خصوصاً، ألا وهي ظاهرة تفتت العالم العربي وضمور دوله المركزية وغياب مركز عربي وازن قادر على المبادرة الإيجابية داخل المنطقة في مقابل حضور دول ناجزة غير عربية كما في حالة كل من إيران وتركيا. لذلك فإن قيام مركز أو أكثر في دول المشرق والمغرب العربيين سيكون عنصراً إيجابياً في إعادة التوازن للمجال العربي، ومن شأنه أن يضبط سلوك الدول العربية التي تذهب نحو خيارات تشيع الفوضى والحروب وهو ما يمارسه عدد من الدول الخليجية في السنوات الأخيرة.
إن مشروع الشراكة الإقليمية يستلزم جهوداً واسعة من النخب الملتزمة بهذا المشروع، من خلال نشر خطاب ومعارف وأفكار تنتج تعريفات جديدة للمصالح والهويات تدفع نحو تكاملها وانسجامها. وينبغي أن تقارب شعوب المنطقة هوياتها على ما هو مشترك بينها وأن تكون هويات مفتوحة ورحبة لا إقصائية. ولا بدّ إذاً من كسب قلوب وعقول شعوب المنطقة إلى هذا التوجّه من خلال عملية إعادة صياغة للثقافة والوعي الجمعي للمكونات الاجتماعية. إن إيمان شعوب المنطقة بخيار الشراكة الإقليمية سيمنح هذا المفهوم دفعاً وحاضنة وزخماً مضاعفاً.

ثالثاً، الأدوار والمشاريع الدولية في الإقليم: كيف ينبغي مقاربتها؟
أكّد المؤتمر أن السطوة والهيمنة الأميركية داخل المنطقة، منذ نهاية الحرب الباردة على أقل تقدير، كانت لها انعكاسات كارثية على دول وشعوب المنطقة. فالسياسة الإقليمية للولايات المتحدة الأميركية تعاكس تماماً مصالح شعوب المنطقة سواء في دعمها المطلق للاحتلال والتفوق العسكري الإسرائيلي أو في تدخلها في الشؤون الداخلية للدول لحماية نخب وظيفية، أو في استتباع اقتصادات المنطقة للسياسات النيوليبرالية من خلال التسلط والمؤسسات الدولية، أو في زج دول المنطقة في سياسات استنزافية في محاولة منها لاحتواء قوى المقاومة والاستقلال وما ينتج من ذلك من صراعات إقليمية ومحلية، أو في محاولة القضاء على قيم وأخلاقيات وثقافة المجتمعات المحلية عبر «أمركتها».
لذا يتطلّب الفكاك من منظومة القهر هذه إضعاف وعزل مرتكزاتها المحلية بتقديم بدائل سياسية واقتصادية وثقافية قادرة على تلبية حاجات الشعوب ومقتضيات النهوض، كما يتطلب بناء شبكات من البدائل على الصعيد الدولي.
وتوافق المشاركون على أن النظام الدولي يمر بمرحلة تحوّل تاريخي غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فهذا النظام في طور الانتقال نحو صيغة أكثر تعددية وتوازناً. ثم إن طبيعة العلاقات الدولية أصبحت تتيح هوامش إضافية للتمرد على القوة الأميركية نتيجة تشظي القوة بين الكثير من الفاعلين السياسيين. ولذلك تلوح أمام كل الأمم المقهورة فرصة استثنائية لإعادة التموضع في النظام الدولي على أسس جديدة.
إن الاستمرار في الرهان واللحاق بالقوة الأميركية يجافي التحولات الدولية ويضع المنطقة أمام مزيد من التوترات ويفوّت فرصاً هائلة للتعاون مع قوى صاعدة في لحظة تبحث فيها عن شركاء للتعاون والتكامل. وهذا يعني ببساطة أن نمتلك المقدرة والرؤية على التعامل مع الولايات المتحدة والغرب والمؤسسات الدولية بشروط تخدم مصالح شعوب منطقتنا وتعزز قدرتها على النهوض. وأحد مستلزمات هذه القدرة هو التمكن من إيجاد بدائل داخل المسرح الدولي يمكنها أن تؤمن لنا هوامش للمناورة ومساحات للاختيار وشراكات لتبادل المنافع.
وشدد المؤتمر على أن التوجه شرقاً لا يستند فقط إلى وقائع آنية، بل إن لغرب آسيا والعالم العربي تراثاً وتجربة تاريخية على صعيد العلاقات المتبادلة مع القوى الأوراسية كالصين والهند وروسيا. وتتشارك منطقتنا مصالح عميقة مع هذه القوى سواء على الصعيد المادي من ناحية الثروة (كموارد الطاقة) أو الجغرافيا (الممرات البحرية) أو الجيوستراتيجية (إضعاف القوة الأميركية) وكذلك على الصعيد المعنوي والفكري من حيث أن الثقافة والهوية الآسيوية– الشرقية الغنية هي أكثر قرباً وانسجاماً وقدرة على التفاعل مع الثقافات والقيم السائدة في منطقتنا.
وإلى الانفتاح على الشرق، ينبغي الانفتاح على قوى تشهد حضوراً متزايداً داخل النظام الدولي سواء على شكل أقطاب إقليمية، كالبرازيل وجنوب أفريقيا، أو على هيئة منتديات وأطر دولية وإقليمية بديلة كمجموعة دول البريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. في موازاة ذلك ينبغي رفع الصوت والضغط لإصلاح مؤسسات النظام الدولي الحالي. وشدد المشاركون على أن هذه الانفتاح نحو القوى الصاعدة لا يعني استبدال قوة هيمنة بقوة أخرى، بل ينبغي أن يكون بوضوح سعياً إلى تغيير نوعي في أداء القوى الدولية داخل المنطقة، وهذا ما يستلزم في المقام الأول تفاهمات إقليمية واسعة.

رابعاً، التهديد الإسرائيلي لمستقبل القضية الفلسطينية والتعاون الإقليمي
إن قضية فلسطين وعاصمتها القدس الشريف هي القضية المركزية للعالم العربي والإسلامي. وتشكل هذه القضية والصراع مع العدو الصهيوني فرصة ومدخلاً لتوحيد الجهود العربية والإسلامية، انطلاقاً من أن العدو الرئيسي لدول المنطقة قاطبة هو المشروع الصهيوني لما يمثّله من عدوان وهيمنة، ولا يسلم من مخططاته أحد من العرب أو الفرس أو الترك، أو غيرهم. وتمثّل هذه القضية إحدى مرتكزات التعاون والشراكة العربية– الإيرانية ونقطة تقاطع جوهرية في المصالح والمبادئ، لا سيما أن إيران وبعد انتصار الثورة الإسلامية ساهمت في شكل وازن في إعادة التوازن للصراع العربي- الإسرائيلي على رغم ما تكبدته في سبيل ذلك من حصار وضغوط وتهديدات وتدخلات.
وبالتالي يرى المؤتمر أن وجود الكيان الصهيوني في قلب الإقليم يشكل عامل تهديد دائماً للأمن والاستقرار والتنمية في العالم العربي والإسلامي، وهو علة التوتر الأولى، والمحور الأساس للكثير من أسباب الصراعات الجانبية في المنطقة، وجسر عبور للتدخلات والأدوار الإقليمية والدولية فيها.
وفي هذا السياق، ناقش المؤتمر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعلق باعتبار القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، وما ينطوي عليه من أخطار تستهدف في شكل غير ملتبس القضية الفلسطينية. ويمثل هذا القرار تحدياً صارخاً للحق التاريخي والجغرافي الأصيل للمسلمين والمسيحيين في هذه المدينة المقدسة. ورأى المؤتمر أنه في الوقت الذي يعدّ فيه هذا الإعلان تطوراً خطيراً ينبغي التعامل معه بصفته فرصة مهمة لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، كونها القضية المركزية للأمة وتوجيه مسار الصراع مجدّداً مع الكيان الصهيوني الغاصب والمحتل، وتفعيل انخراط كل مكوّنات الشعب الفلسطيني وقواه وفصائله في هذه المواجهة.
وما يزيد من أخطار هذا الإعلان هو أنه يأتي تمهيداً لإنجاز ما اصطلح على تسميته «صفقة القرن»، التي لا تهدف فقط إلى تصفية القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، بل وخلق سياق إقليمي جديد يعمل على تجاوز إخفاقات المشروع الاستعماري في المنطقة من خلال خلق فرص للكيان الصهيوني بالاندماج الإقليمي على المستويات كافة.
وحذّر المؤتمر من أن الاستراتيجيات الأميركية والصهيونية المتعلقة بالمنطقة لا تخفي رهانها المعلن أو المضمر على توسيع الشرخ العربي- الإيراني بصفته شرطاً لا غنى عنه لإنهاء القضية الفلسطينية، وإحداث اختلال إضافي في موازين القوى بين العدو ومحيطه، وإعادة ترتيب التحالفات والاصطفافات في المنطقة على أسس معاكسة لمنطق المبادئ والمصالح والحضارة والتاريخ.
وحذر المؤتمر من توجهات بعض الدول العربية في شأن تطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي. وفي هذا الاطار لا تكتمل مشاريع مواجهة التطبيع إلا بتعزيز الجهود الثقافية والديبلوماسية الدولية، الرسمية وغير الرسمية، لفضح الممارسة العنصرية لكيان الاحتلال ووحشيته أمام الرأي العام العالمي، بالتحالف مع النخب والمبادرات الأهلية في الغرب التي تتشارك معنا هذه القضية.
ولفت المشاركون إلى أن المصلحة الوطنية الفلسطينية تقتضي العمل على إعادة بناء الوضع الداخلي الفلسطيني، والمضي في إنجاز المصالحة الوطنية وإنهاء الاختلاف والانقسام بين أبناء الشعب الفلسطيني، والتوافق على برنامج عمل مرحلي، يراعي الحد الأدنى من الثوابت المتفق عليها، أو هي محل إجماع من أجل تحصين الموقف الوطني الفلسطيني وتأسيس مسار مواجهة جديد ينتج انتفاضة ثالثة في مسار الصراع مع الكيان الصهيوني.
وهذا ما يفرض جملة من الخطوات الهامة أبرزها: التأكيد على وحدة فلسطين التاريخية كحق كامل للشعب الفلسطيني بما لا يقبل أي تفاوض، والتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في ممارسة كل أشكال النضال ضد الاحتلال، والاستمرار في تفعيل المقاومة الشعبية ودعمها وتعزيز قدراتها، ووقف التنسيق الأمني مع الاحتلال بكل أشكاله، والتأكيد على ثوابت الشعب الفلسطيني في القدس وحق العودة والحق في استعادة كامل التراب الفلسطيني، وقطع العلاقات مع «الكيان الصهيوني»، ورفض الحلول الانتقالية أو المراحل الموقتة، وإدانة ورفض قرار ترامب والعمل على إسقاطه.
وبما أن قوة الكيان الصهيوني تقوم على أنه مشروع إمبريالي غربي ويده الضاربة ويستهدف كل شعوب المنطقة، فإن المطلوب في المقابل أن يكون التكتل المقاوم كبيراً، ولهذا بالضبط يجب أن تفهَم قضية فلسطين على أنها أكبر بكثير من الفلسطينيين أنفسهم ولكن يجب مع ذلك أن يكون الفلسطينيون في المقدمة، ويجب تفكيك البنى التي يرتكز عليها المشروع الإسرائيلي داخل فلسطين وخارجها وتقويض أسسها واستبدالها بأسس جديدة تعيد إنتاج الفكرة الوطنية والفكرة القومية.
ودعا المشاركون إلى تمكين الضفة الغربية من أن تكون ساحة المواجهة الأساسية، وهو ما يستوجب من السلطة الفلسطينية ألاّ تكون عقبة أمام هذا التوجه بالحد الأدنى. كما أن تعزيز المصالحات داخل الإقليم وإعادة صياغة توافقات إقليمية بين تركيا وإيران على وجه الخصوص سيساهم في تأمين دعامة إقليمية للانتفاضة داخل فلسطين. ثم إن حضور وصعود قوى وتيارات المقاومة في كل دول الطوق والسعي لتمكين المقاومة وأهلها في قطاع غزة، من شأنه أن يشتّت الجهد الصهيوني ويضاعف من استنزافه وإرهاقه ويعزز من معنويات الشعب الفلسطيني. وإلى ذلك كله ينبغي تكثيف التنسيق مع العمق الإسلامي الآسيوي الذي يمثل رافعة دولية وشعبية يمكنها أن تملأ جزءاً من الفراغ العربي في ما يخص القضية الفلسطينية.
وفي الختام أكّد المشاركون العرب والإيرانيون في نهاية المؤتمر حماستهم واستعدادهم التام لمواصلة هذا الحوار لضرورته وفائدته التي تبدت خلال حلقات النقاش الصريحة والبناءة. ولهذه الغاية، أوصى المؤتمر بتشكيل أمانة عامة دائمة العربي- الإيراني، لتكون إطاراً جامعاً للتواصل وتبادل الرأي والتفكير المعمق في شؤون العلاقات المتبادلة ومستقبلها وآفاقها المنظورة والبعيدة، على الصعد المختلفة وفي المجالات كافة.