«إنّ الجزائر لا تمتطي القطار، وهو يسير». كانت تلك هي الكلمات القليلة التي ردّ بها الرئيس الجزائري هواري بومدين على نظيره التونسي، الذي اقترح عليه أن تنضم بلاده إلى الوحدة المعلنة بين تونس وليبيا. وبدت نبرة صوت بومدين التي استمع إليها بورقيبة، عبر الهاتف، جافة وموحشة. خيّم صمت ثقيل لبرهة قليلة من الوقت بين الرئيسين، قبل أن يضيف بومدين قائلاً لبورقيبة: «إنّ ما صنعته بالأمس مع القذافي ستكون له عواقب غير متوقعة بالنسبة للمنطقة كلها». انتهت المكالمة القصيرة والقاسية، وفهم الرئيس التونسي أنه أخطأ حينما أنجز اتحاده المرتجل مع الليبيين، ولم يأخذ في الحسبان ردة فعل الجزائريين. ومن الغريب أنّ بورقيبة الذي كان يرهب جانب الجزائر، ويحسب لمواقفها ألف حساب، اتخذ بنفسه قراراً خطيراً يغيّر الموازين الاستراتيجية في المنطقة، من دون أن يشاور الجزائر في أمره! والأسوأ من هفوة بورقيبة، هو إحساس الجزائريين بأنه يتخلّى عنهم، وأنه لم يعد يعير لهم اهتماماً. فقبل أقل من عام واحد، خطب بومدين بنفسه ودّ تونس، وعرض على رئيسها بورقيبة أن يتّحد بلداهما. وردّ الرئيس التونسي، يومها، على العرض الجزائري بالرفض، وقال لمخاطبه بومدين: «إنّ الجزائر بلد ضخم بصحرائه ونفطه وغازه وشعبه. وأنا أخشى على تونس أن تبتلعها معدة الجزائر». ولكن ها هو بورقيبة الآن يقبل زواج تونس مع الليبيين، بعدما كان قد رفض خطبة الجزائريين لها!

كانت علاقة التونسيين مع الجزائر، وكذلك مع ليبيا، حسّاسة دائماً. فالامتدادات العشائرية، والصلات الاجتماعية، والروابط الثقافية والتاريخية، والحدود الجغرافية ظلت جميعها متداخلة ومتشابكة بين تونس وجارتيها الشرقية والغربية. ومثلاً، فإنّ موجات هجرة أهالي الغرب الليبي نحو تونس لم تتوقف، طوال القرنين الماضيين، وهذا ما جعل من الطرابلسيين أكبر عنصر ديموغرافي في البلاد. بل إنّ بورقيبة نفسه هو سليل أسرة هاجرت من مصراتة، واستوطنت حيّ الطرابلسية في المنستير، في القرن التاسع عشر. أمّا علاقات التونسيين مع الجزائريين فكانت أكثر تعقيداً. ومنذ زمان بعيد، كان «دايات» الجزائر يتلاعبون بمصائر «بايات» تونس، ويتدخلون في شؤونهم. وكذلك نما في أذهان السياسيين التونسيين المتعاقبين هاجس يعتقد بأنّ الخطر على بلادهم يأتي دائماً من حدودها الغربية. ولقد تحقق ذلك الهاجس فعلاً يوم زحفت جيوش الفرنسيين من الجزائر، فابتلعت تونس في بضعة أيام من شهر مايو/ أيار 1881. وكان هناك أيضاً مطالب مكبوتة لدى بعض التونسيين، تطفو أحياناً فوق ألسنتهم، وتزعم أن مناطق في شرق الجزائر وصحرائها ما هي إلّا أقاليم تونسية قديمة انتزعت من أسلافهم، بالغلبة. ويروي الجزائريون طرفة تعبّر عن هذه الحال، ويقولون إنها حصلت في أواخر الستينيات من القرن العشرين. فقد كانت بعض أرياف منطقة الكاف التونسية تزوَّد بالطاقة الكهربائية من سوق أهراس في الجزائر، وبدل أن يحمد بورقيبة لجيرانه كرمهم، قال ذات مرّة: «إنّ سوق أهراس، في الأصل، تونسية». ووصل ما قاله رئيس تونس إلى بومدين، فغضب، وأمر بأن تقطع الكهرباء عن المناطق التونسية. وحينئذ، لم يجد الرئيس بورقيبة بدّاً من الاعتذار لنظيره بومدين، فأمسك بسماعة الهاتف، وقال له بلهجة تونسية مستعطفة: «يا خويا بومدين، توّا من كليمة ولّينا في ظليمة!» (يا أخي بومدين، أصبحنا بسبب كلمة عابرة في ظلمة حالكة!). وضحك الرئيس الجزائري، وأمر بإعادة الكهرباء إلى التونسيين من جديد. والحقُّ أنّ بومدين كان يحب تونس منذ أن قدِم إليها فتىً صغيراً ليدرس اللغة العربية والعلوم الدينية، في جامع الزيتونة. ثم إنه ألِف العيش بين أهلها سنوات، واتخذ من حدودها الغربية مقراً قاد منه أركان جيش التحرير الجزائري. وكان بومدين يعتقد بأنّ تونس إذا كان لها أن ترتبط ببلد آخر، فإنّ الجزائر أولى من غيرها بذاك الارتباط. لأجل ذلك، فإنه أبدى خشونة غير معتادة في حديثه مع بورقيبة، صبيحة يوم 13 يناير/ كانون الثاني 1974.

حسابات الرجال الصغار
وبالإضافة إلى بومدين، فقد ظهر شخص آخر في المشهد أربك الحسابات الكبيرة لبورقيبة وشوّشها. وكان ذلك الرجل هو الهادي نويرة الوزير الأول التونسي، وخليفة بورقيبة الشرعي، بحسب نصوص الدستور. ولم يكن نويرة موجوداً في تونس، لمّا أنجز رئيسه الوحدة مع ليبيا، فقد سافر في زيارة رسمية إلى طهران. وعاد الرجل بسرعة، لمّا علم بأخبار البيان الوحدوي. ولم يستسغ الوزير الأول ما حدث في جربة، فقد كان رجلاً ينتمي إلى فئة المحاسبين الذين يضيقون ذرعاً بالمشاريع الكبيرة، ولا يطيقون تكاليفها العظيمة. وزيادة على ضيق أفق نويرة، فقد كان رجلاً كثير الوساوس والشكوك، لا يأمن جانب أحدٍ من الناس، فكيف يأمن الآن لعسكري «انقلابي» مثل معمّر القذافي؟! ولعلّ أكثر ما أزعج نويرة هو تهميشه في تشكيلة الحكومة الاتحادية الجديدة. فبرغم أنه عُيّن نائباً ثانياً لرئيس الجمهورية الجديدة، إلا أنّ منصب خليفة بورقيبة انتُزع منه، ومُنح إلى القذافي. وكره نويرة أن يكون الرجل الثالث في الدولة الكبيرة، ورغب أن يبقى الرجل الثاني في الدولة الصغيرة! لكنّ الوزير الأول لم يكن من الذين يجرؤون على مواجهة بورقيبة علناً، فأخذ يعمل على تقويض مشروع الوحدة بأساليب مختلفة. وأوّل ما ابتدأ به هو إثارة مشكلة قانونية، ذلك أنّ الدستور التونسي لم تنصّ بنوده على إجراء استفتاءات في البلاد، لذلك فإنّ من الواجب إدخال تحوير فيه، وإلا عُدّ الاستفتاء انتهاكاً لنصوصه. ولم يبالِ بورقيبة بهذه الذريعة الدستورية التي يحاول من خلالها رئيس وزرائه تأخير الاستفتاء على الوحدة. عندئذ انتقل نويرة إلى العزف على وتر آخر يعلم أن بورقيبة يخشى منه. وحذّر الوزير الأول رئيسه من ردة فعل فرنسا وأميركا المنزعجتين من هذه الوحدة الجديدة، وأفاض في تهويل الخطر الجزائري المحدق بتونس بسبب غضب بومدين على الاتحاد المزمع بين تونس وليبيا. وبدا لبورقيبة أنّ فقدان مساندة الغرب له هو خطر حقيقي على نظامه، فإذا أضيف إلى تخلي الغربيين عنه سخطُ الجزائريين عليه، فإنّ الطريق التي يودّ السير فيها تصبح شديدة الخطورة.

بالإضافة إلى بومدين، ظهر شخص آخر أربك الحسابات الكبيرة للرئيس التونسي


أمر بورقيبة مدير ديوانه الرئاسي الحبيب الشطي ووزير داخليته الطاهر بلخوجة بالسفر فوراً إلى الجزائر لمقابلة بومدين، وتوضيح الموقف التونسي له، ومحاولة طمأنته. لكن الرئيس الجزائري رفض اللقاء مع الضيفين التونسيين، وخوّل وزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة ووزير الداخلية أحمد المدغري بمقابلة مبعوثي بورقيبة والاستماع إليهما. وحاول المسؤولان التونسيان مراضاة نظيريهما الجزائريين، لكن من دون جدوى. وكان عتب بوتفليقة مختصراً في عبارة واحدة كرّرها على ضيفيه مراراً: «وعلاش ما قبلتوناش نحنا، ودرتوا الوحدة مع القذافي؟» (لماذا لم تقبلوا بنا نحن، وصنعتم الوحدة مع القذافي؟). ولم يجد التونسيان جواباً شافياً لأسئلة بوتفليقة، وكيف سيُجيبانه، وهما لم يكونا مقتنعين، أصلاً، بمسألة الوحدة مع ليبيا. وبدل أن يدافعا عن موقف رئيس بلادهما، فضّل الرجلان أن يُطمئِنا بوتفليقة بالقول له إنّ الجزائر ليس لها أن تخشى من هذه الوحدة شيئاً، لأنها لن تتمّ، والمعارضون لها في تونس كثر. والمشروع كله مجرد نزوة عابرة من بورقيبة الذي أغواه القذافي بحكم دولة فتيّة كبيرة. وإنّ بورقيبة لا بدّ سيفيق من سكرته قريباً، حينما يجيء، إليه «المداينية» (الذين يدين لهم بالولاء).
وأضيف إلى حلف أعداء مشروع الوحدة التونسية الليبية امرأة ذات نفوذ هائل على بورقيبة. إنها وسيلة زوجته، أو «الماجدة وسيلة»، كم دأب الإعلام الرسمي التونسي على تلقيبها طوال ربع قرن من الزمن. ولم تكن وسيلة موجودة هي الأخرى، في تونس، لمّا أبرم زوجها الرئيس اتحاده مع القذافي. كانت في ذلك اليوم في بيروت ضيفةً على صديقها ياسر عرفات. وعلى مائدة الغداء، أعلمها أبو إياد بنبأ الوحدة التونسية الليبية. وكان أبو إياد يظن بأنّ ذلك النبأ سيفرحها، لكنها أظهرت تعجبها واستغرابها، ثم اعتصمت «السيدة الأولى» بالصمت والتفكير. وفي المساء، أجرت زوجة بورقيبة، من مقرها في بيروت، مكالمة مع عبد العزيز بوتفليقة لتعرف منه حقيقة موقف الجزائر من مسألة الوحدة بين ليبيا وتونس. وأعلمها وزير الخارجية الجزائري بأن بومدين غاضب، ويشعر بالمرارة لأن بورقيبة رفض عرضه، وقبل بعرض القذافي. وقالت وسيلة لبوتفليقة: «إنّ بورقيبة لا يفهم سوى لغة القوة. وإذا جُوبِهَ بها، فإنه سيتراجع. وأنا زوجته، وأعلم أمرَه جيداً». والحقيقة، أنّ أحداً لا يعرف، بالضبط، لماذا اختارت زوجة بورقيبة الذكية أن تفشل مشروع الوحدة بين تونس وليبيا؟! هل لأنها خشيت من انقلاب قد يدبّره القذافي، في قادم الأيام، لإطاحة زوجها؟ لكنها كانت واحدة من قليلين، في تونس، وثقوا في الزعيم الليبي، وحافظوا على روابط طيبة معه، حتى في أسوأ فترات العداوة بينه وبين بورقيبة. لعلّ وسيلة كانت تخشى حقاً على تونس أن تكتسب عداوة بومدين؟! إنّ هذا السبب ليس منطقياً. فوسيلة تعرف جيداً أن بومدين ليس من النوع الذي يقحم نفسه في حرب ضد تونس ليس لها غايات وجيهة ومقنعة. ولعلّ زوجة الرئيس خشيت أن تفقد سطوتها الهائلة على معظم وزراء بورقيبة إن دخل على المنظومة التونسية القائمة عوامل ليبية جديدة، ليس لها عليهم تأثير ولا نفوذ؟! إنّ ذلك هو السبب الحقيقي. لقد كانت «الماجدة» تعلم أن زوجها صار على حافة القبر، وإذا مات، وخلفه القذافي، فلن يكون لها، ولا لأعوانها، الحظوة القديمة نفسها في زمن بورقيبة.

أحزان زعيم عاد إلى حجمه الصغير
عاد الوزيران التونسيان الشطي وبلخوجة إلى رئيسهما ليخبراه أنّ بومدين غاضب جداً، وأنه وضع جيش بلاده في حالة الطوارئ. وبدأت ركبتا الرئيس العجوز ترتعشان. كانت زوجته وسيلة، هي الأخرى تهوّل عليه الأمر، عبر مكالمات هاتفية متصلة: «الليبيون انقلابيون... الأميركيون غاضبون... الفرنسيون منزعجون... الجزائريون ساخطون... حتى صديقك الحسن الثاني غير راض...». وأسوأ من ذلك، أنّ كل رجال الرئيس التونسي يبدون اعتراضاتهم على هذا الوضع الوحدوي الجديد. وشعر بورقيبة بأنه تسرّع في إتمام الوحدة مع القذافي، من دون أن يتبيّن حقيقة المواقف الخارجية لجيرانه وحلفائه، ودون أن يهتمّ باستشارة أعوانه وطاقم حكومته. وبدأ الرئيس التونسي يميل شيئاً فشيئاً إلى فكرة التخلي عن مغامرة الاتحاد. لكن كيف له أن يتنكر لتعهد أمضى عليه بقلمه، وأعلن للشعب عنه بنفسه؟! إن ذلك سيجعله صغيراً وضئيلاً أمام التونسيين الذين فرحوا جداً بهذه الخطوة التي ستجعل منهم أثرياء مثل جيرانهم، بعدما عاشوا فقراء سنوات مديدة! وهل سيقبل التونسيون بأن يعودوا إلى وضعهم الأول، وكأنّ شيئاً لم يكن؟! وإذا قبل مجمل التونسيين، فهل يقبل أهل الجنوب، وهؤلاء صلاتهم أقرب إلى ليبيا منها إلى تونس؟! وماذا عن القذافي؟! هل سيرضى بالتراجع عن حلم الوحدة بلا ردة فعل؟! وماذا لو شنّ القذافي حرباً على تونس؟ هل باستطاعة جيشها الصغير أن يقف ندّاً في وجه الترسانة الليبية؟! ولكن لماذا يجب على تونس أن تتراجع عن قرار سيادي اتخذته بملء إرادتها؟! فليغضب من يغضب! وليعلن حالة الطوارئ من يشاء؟! لماذا على بورقيبة فقط أن يعود إلى حجمه الصغير؟ ألكي يهنأ بومدين، ويطمئن ملك المغرب، ويهزأ جورج بومبيدو منه؟! اللعنة! هل كتب على بورقيبة أن لا تراه باريس إلا في حجم ضئيل؟!
لم يجد بورقيبة من رجاله مَن يسانده في الإقدام إلا وزير الخارجية محمد المصمودي، أما البقية فقد أحجموا عن المضي في إكمال الطريق. وقال المصمودي لرئيسه: «إن كان لا بدّ من أن نتحدى الجزائر، فليكن. إنّ الجائزة الليبية تستأهل أن يخاطر التونسيون في سبيلها». وأجاب بورقيبة: «إن الكلام سهل، لكنّ الفعل هو الصعب». وقال نويرة لرئيسه بعدما علم بتحريض المصمودي له: « إنّ وزير الخارجية يريد أن يحشرنا في مآزق لن تنتهي. وإنّ الوقت صار مناسباً لكي تقيله من مهماته». تردد بورقيبة في القيام بطرد وزيره الأثير، فقال نويرة للرئيس: «إمّا المصمودي، وإمّا أنا. اختر بيننا». اختار بورقيبة وزيره الأول. وفي صبيحة يوم 14 يناير/ كانون الثاني 1974، سمع المصمودي من المذياع أنه أقيل من منصبه، وأنّ الرئيس عيّن بدلاً منه الحبيب الشطي. وهكذا أصبح كل رجال الرئيس على كلمة سواء. شعر بورقيبة بأنه يكاد يختنق من الغيظ. كان القذافي يلح عليه لكي لا يضعف أو يتردد أو يتراجع. قال له القذافي: «إنكّ الزعيم الذي يعرف دائماً كيف يقتنص موعده مع التاريخ، فلا تخيّب ظني فيك». أخذ القذافي يعزف على وتر حساس في شخصية بورقيبة، لكنه لم يدرِ أنّ الزعيم العجوز تبدّل، وأنه أخذ يشيخ ويترهل ويذوب ويهرم. ولم يعد في «المجاهد الأكبر» سوى شبحه! على أنّ الليبيين في حماستهم الثورية لم يدركوا جيداً ما يدور في أذهان جيرانهم. فطفقوا يستعدون للاستفتاء، ويهيّئون علَماً جديداً للدولة المتحدة، ويختارون عاصمة تاريخية للجمهورية العربية الإسلامية اسمها القيروان. لقد كانت مأساة المسؤولين الليبيين أنهم بسطاء. وكانت مأساة المسؤولين التونسيين أنهم جبناء!
في يوم 19 يناير/ كانون الثاني 1974، قرّر بورقيبة أن يسافر إلى جنيف لكي يستريح من همومه. وكانت تلك عادته كلما أحسّ بالضيق أو الاكتئاب. وفي سويسرا، صرّح بورقيبة للصحافيين قائلاً: «إننا سنتولى تعديل الدستور لندرج فيه الاستفتاء. وستسير الأمور بعد ذلك في وجهتها الطبيعية نحو الوحدة مع ليبيا. إنّ الوحدة بين تونس وليبيا ترتكز على أسس متينة». كان ذلك تصريحاً مهماً من الرئيس التونسي، وهو يعني أنّ الرجل لم ييأس بعد من فرض الوحدة. واعتبر رجال بورقيبة في تونس، أن الزعيم قد عاد إلى «غيّه» القديم. وقرر الوزير الأول الهادي نويرة أن يعكس الهجوم، فأجرى حديثاً صحافياً، في يوم 22 يناير/ كانون الثاني مع جريدة «لو موند» الفرنسية، قال فيه إنّ «إعلان الوحدة هو مجرّد تعبير عن مُثل عليا، وينبغي علينا أن نواصل إنشاء مشاريع مشتركة مع الليبيين، ولا سيما في الميدان الاقتصادي، إلى أن يأتي، في نهاية المطاف، الوقت الذي لا يبقى فيه علينا سوى تتويج البناء الوحدوي بالتاج الدستوري». مثّل حديث نويرة «رِدّة كاملة» عن مشروع الوحدة. وأحسّ القذافي بأن الفرصة التاريخية تكاد تضيع من بين أيدي الوحدويين، فأزمع على السفر إلى جنيف لملاقاة بورقيبة، وتثبيته على موقفه. وفي مساء يوم 25 يناير/ كانون الثاني، علم رجال الرئيس أن الزعيم الليبي سيقابل بورقيبة في صباح اليوم التالي، فعزموا على إرسال وفد رسمي تونسي ليُفشل كل محاولات التفاهم بين الرجلين. وطار على جناح السرعة إلى سويسرا الوزير الأول نويرة، ومعه رئيس البرلمان الصادق المقدم، ووزير الخارجية الحبيب الشطي، ووزير التخطيط منصور معلّى، ووزير التربية محمد مزالي، والأمين العام لاتحاد الشغل الحبيب عاشور، والأمين العام لاتحاد الصناعة والتجارة الفرجاني بلحاج عمار، ورفيق بورقيبة القديم البشير زرق العيون.
قدم القذافي إلى مقر إقامة بورقيبة في السفارة التونسية في جنيف، وهو يرتدي سترة سوداء رياضية. وعندما قابل الرئيس التونسي، بادره قائلاً: «ألست أنت الذي جئت إليّ، قبل خمسة شهور، في طرابلس، في يوم الفاتح من سبتمبر، لتقول لي: إنهم في المشرق العربي لن يصنعوا الوحدة معك، لأنهم غير جدّيين. تعالَ إلى تونس وسترى الجدّية. وسوف نصنع معاً وحدة راسخة تكون بداية لمغرب عربي كبير عاصمته القيروان؟». طأطأ الزعيم التونسي رأسه بخجل. فتابع القذافي هجومه الكاسح قائلاً: «وفي جربة، قبل أسبوعين، ألم تكن أنت الذي أصررت على إعلان الوحدة فوراً؟ ألم أكن أنا الذي دعوتك إلى التمهل والتدبر والتفكير؟ ألم أقترح عليك مدة شهرين كاملين لتفكّر فيهما في الأمر بكل هدوء؟! ألم تكن أنت الذي قلت خير البرّ عاجله؟! فما الذي أصابك؟!». احمرّ وجه بورقيبة، وتمتم: «إننا ما زلنا متفقين، لكننا نحتاج إلى أن نراجع دستورنا». عندها جذب القذافي وثيقة الوحدة من جيب سترته، ولوّح بها أمام الوفد التونسي قائلاً لهم: «هذا هو توقيع رئيسكم. وإلى حدّ الآن، ما زال بورقيبة رئيس دولة الوحدة. أطلب منكم احترام تعهداتكم». امتقع وجه بورقيبة عندما وُوجه بتوقيعه. واستشاط نويرة غضباً. وحاول الدكتور الصادق المقدم تهدئة الموقف، فقال: «إنّ الموضوع كله مرتبط ببنود دستورية». وقاطعه القذافي ساخراً: «ما هو نوع شهادة الدكتوراه التي نلتها؟ عهدي بك دكتوراً في الطب، وليس دكتوراً في القانون الدستوري». وقال زعيم النقابات الحبيب عاشور بحدّة: «إن اتفاقك مع بورقيبة كان شخصياً، وهو بحاجة إلى أن يستشار فيه الشعب». وأجابه القذافي فوراً: «فلنستشر الشعب، أنا أوافق على أن نستفتي الشعب التونسي، لكنكم أنتم الذين تتلكّأون». ووَجَّه الزعيم الليبي إصبعه نحو المسؤولين التونسيين، قائلاً لهم: «إنكم تضيعون فرصتكم التاريخية النادرة. وإذا ضيّعتم هذه الفرصة فستخسرون، ولن يتوفر لكم فرصة مماثلة أبداً. الرئيس سيكون زعيمكم، وموارد ليبيا ستكون موارد تونس أيضاً. ليبيا تنتج مئة مليون طن من البترول، وتبيعُه اليوم بسبعة مليارات دولار. تخيلوا كل ثروتنا، أعرضها للتقاسم معكم. وأنتم الذين تتمنّعون. إنكم ستندمون. وقريبا قريباً ستعضّون على أصابعكم ندماً». أنهى القذافي كلامه، وخرج. وبقي الساسة التونسيون يتداولون في المخارج الممكنة من مأزقهم. ثم قرّروا جميعاً أن لا يستجيبوا لنداء التاريخ الجديد الذي يطرق أبوابهم، وأن يحافظوا على مصالح بلادهم الضيقة. أمّا بورقيبة فقد غرق أكثر وأكثر في أوجاعه الحزينة. لقد جنت عليه ألاعيبه القديمة! ولطالما شاء بورقيبة أن يحيط نفسه برجال صغار، وها هم الآن رجاله الصغار يعيدونه، عنوة، إلى حجمه الصغير!
* كاتب عربي