لا يمكن الحديث عن استقرار داخلي من دون الإشارة إلى دور حزب الله الحاسم فيه. الدولة التي تعاني اختلالاً وظيفياً مزمناً، وهشاشةً بنيوية قديمة، وانكفاءً تاريخياً في مسؤولياتها السيادية، ما زالت قاصرة عن المبادرة إلى اتخاذ تدابير حمائية تصديّاً لتحديات متزايدة الخطورة تنتصب في وجه اللبنانيين. انعدام الاستقرار الجيوسياسي منذ (الربيع العربي) وتزايد الاضطرابات الهوياتية، وشروع قوى إسلامية متشددة للبروز كمنافس للدول الوطنية، وانتصاب (إسرائيل) كعدو بدوافعها العدوانية الدائمة، والمضاعفات التي انطوت عليها فراغات القوة في المنطقة والعالم، لم يحرك الدولة اللبنانية لاستخدام «كامل عبقريتها» السياسية والعسكرية لتعزيز الاستقرار الأمني والاجتماعي، بل انساقت وراء مواقف وترتيبات طلبتها منها القوى الغربية والعربية المشاركة في خطة تهشيم وتمزيق المنطقة، وانجرّت إلى ورطات بالغة السوء والتّهور كادت أن تعرّض البلد والدولة إلى الانهيار المحتوم لولا التدّخل الذي قام به حزب الله داخل الساحة اللبنانية وخارجها سامحاً بإحلال توازن ملحّ، ومساهماً بالتخفيف من شكل الكارثة التي كادت أن تعود باللبنانيين إلى مذابح القرون الوسطى.

الذين يريدون النظر إلى الاستقرار على أنّه منبثق من وعي السياسيين اللبنانيين وحكمتهم أو من تطور بديهي داخل الفكر والاجتماع السياسي اللبناني لا يريدون الإقرار بحقيقة أنّ حزب الله هو علّة هذا الاستقرار ومتحصّل من دماء شهدائه وتضحيات مقاوميه. ليس سهلاً القول إنّ وليد جنبلاط أو سمير جعجع أو سعد الحريري وغيرهم من السياسيين كانوا شركاء في تمويل ومساندة مباريات عسكرية في لبنان وداخل سورية، والمساهمة في تغطية مشاريع حرب وتقسيم وفتنة أدّت إلى مفاقمة التشرذم السياسي والتدهور الأمني وتحميل لبنان أعباء باهظة ما زالت آثارها ونتائجها ظاهرة حتى اليوم، وأنّ حزب الله هو وحده من أحبط خطط تحويل لبنان إلى ممر أو مقر للإرهاب والإرهابيين ورأس جسر لتدمير المنطقة وإعادة رسم خريطتها وفق الرؤية الأميركية - الإسرائيلية، وأنّه كان الأحرص بخياراته التي اتخذها وفلسفة نظره إلى طبيعة التطورات والتحدّيات من حكام لبنان أنفسهم، ومن مروجي الأكاذيب السياسية الذين دأبوا على التلاعب بالسيناريوات والأخبار للتأثير في الرأي العام المحلي وتوجيه الاتهامات بطريقة تُلقي ظلال الشك بنحو دائم على دوره وإنجازاته.
بالفعل هذه هي الحقيقة التي يراد إخفاؤها وراء ستار الشعارات التي يطلقها تيار المستقبل على سبيل المثال قبيل الانتخابات النيابية المرتقبة. فعندما يرفع التيار شعار: «نحنا الخرزة الزرقا يلي بتحمي لبنان»، ونحن «الأمان والسيادة والاستقلال والاستقرار...» فإنّ ذلك يكشف عن نفاق وتناقضات هذا التيار مع نفسه وجمهوره الذي أُحبط من سياسات وتوجهات وأفعال قياديّيه، وظلّ حتى الأمس القريب يعاني القلق والانفصام وعدم ثبات زعمائه على مواقفهم وتحالفاتهم . فما يُساق اليوم دعائياً بنزعته التجريدية يأخذ شكل أداة جدلٍ وتضليلٍ في مواجهة الخصم السياسي (حزب الله) وليس كهدف واقعي تُبذل له المهج وتُخاض من أجله أشرس المعارك السياسية ضد دول تقود شعوب المنطقة إلى نظام من الفوضى الشاملة. إذ يمكن أي لبناني أن يُعيد شريط الأحداث خلال السنوات السبع الماضية بالحد الأدنى، وينظر كيف أنّ قياديّ التيار تفاعلوا في شكل إيجابي مع الجماعات التي ينعتونها اليوم بأنها إرهابية، ومع الدول التي صنعتها كالولايات المتحدة الأميركية وتركيا وقطر والسعودية وابتعثت إليها أفراداً من بقاع الأرض، بذريعة الدمقرطة وتحرير شعوب الشرق الأوسط من الطغيان ومسيرة الحرية في العالم الإسلامي!
لقد دأب تيار المسقبل على تنفيذ إملاءات قوى خارجية في إطار المشاركة اللبنانية المطلوبة لتشكيل ميزان قوى ضاغط على الدولة السورية، وتثبيت وضعٍ لا متناظرٍ مع الجماعات الإسلامية والمعارِضة المسلحة وعلى رأسها فصائل «جبهة النصرة» ومن ثم «داعش» بحيث يمكن التحكّم بعلاقات القوة لمصلحة النقيض المقابل والمتطرف، وبالتالي إنهاء تفوق الدولة السورية. وقد جرى حجب كل الفظاعات والتطهيرات العرقية والدينية التي قامت بها هذه الجماعات في تناقض مع الواقع والمشهد السائد تمكيناً لها في «مهمّاتها الرسولية» القضاء على النظام السوري وحزب الله، بل حتى في تسويغ كل ما يمكن أن يُشكل خطراً جديّاً على لبنان، حتى صار نظام الحكم اللبناني متزايد الاختناق، عاجزاً عن الإقدام على خطوات لكشف أماكن تواجد مناصري هذه الجماعات على الأراضي اللبنانية وإزالة تجمّعاتهم، وحتى القيام بمراجعة سياسية لنزع الخطاب العنفي الفوضوي الذي شكّل نقيضاً لدستور الدولة وثقافة المجتمع المؤمن بالتعايش .لقد كان تيار المستقبل وأطراف وقوى لبنانية أخرى في موقع تأسيس دينامية عنفية حيث باتت تُشكل، من الجهة اللبنانية، دعائم الحملة الدولية والإقليمية على سورية وحزب الله، وتمّ توظيف الأواليات الضاغطة كالقضاء والإعلام والأمن في لعبة إضعاف الدولة وضرب الاستقرار العام من خلال الشعارات المبثوثة الموجّهة إلى الكتلة السنيّة تحديداً التي كانت عُرضة للإحساس بالخيبة بفعل الحرمان والبطالة وأشكال التهميش الاجتماعي، والأكثر تفاعلاً مع التحريض الأيديولوجي والتعبئة السياسية، والأقدر على القيام بردود فعل عنفيّة على خلفية سخطها على قيادات ودول عربية وإسلامية فاسدة متبلّدة عاجزة عن الاستجابة للتحديات التي واجهت المنطقة وشعوبها في شكل عام منذ الاحتلال الأميركي للعراق. بينما لم تكن خطابات هذه القوى نفسها عن السيادة والقانون والديموقراطية والتسامح الديني التي كانت تُلقى بين الحين والآخر أكثر من تعمية فظّة للبرهنة عن طهراوية وسمعة جيدة مفتعلة.
لقد ظهرت هذه القوى، التي وضعت جماهيرها أمام خيارات غير واقعية ومشاعر متناقضة حين قدّمت رواية كاذبة عن مجريات الأحداث في سورية وسردية ممجوجة عن حزب الله لتبرير سياساتها وأهدافها المرتبطة بمخططات ومسار تقسيم المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية لمصلحة الكيان الإسرائيلي، بصورة من يصنع المعايير ويتعهد بثّها في الفضاء العام. فبرز زعماؤها بلباس «الرعاة الصالحون، والسياديون الأحرار، وبانو الاستقلال، وملهمو الحق والعدل» وأعطوا لأنفسهم مكانة مركزية تخوّلهم وضع حزب الله في خانة الإجرام والإرهاب والحكم على عناصره بأنهم قتلة، واضطلعوا بدور مسرحي ومذياعي بارع، بدوا فيه بـــ(لهجتهم الرسولية) محامين مؤيدين لحقوق الانسان، ولكنهم تعاموا بلؤم عن مرتكبي المجازر والإبادات الجماعية ومسببي الأحداث الدموية ومحتلي الأراضي اللبنانية في جرود عرسال والقاع ورأس بعلبك، الذين كانوا يتحضّرون لتنفيذ خطة شاملة لمنازلة حزب الله في عقر داره. يقرب موقف هؤلاء بـــ(الويلسونية ذات الجزمة) كما يصفها الكاتب الأميركي بيار هاسنر مؤلف كتاب (واشنطن والعالم)، ويخضعون للمبدأ الذي عبّر عنه وزير الدفاع الاميركي الأسبق دونالد رامسفيلد عندما قال أنّ: « المهمة هي التي تحدد شكل التحالف وليس العكس». فتغيير الأنظمة وشن الحروب الوقائية العدوانية بذريعة مكافحة الإرهاب أو غيرها من الحجج التي تستند إلى مزاعم ومطالبات أخلاقية، هو ضرب من النفاق والاحتيال لتبرير الهيمنة والتوسّع وإخضاع الدول والجماعات لمنطق الاستتباع الكامل. ثم «إنّ أحداً لا يستطيع إجبار أحد على أن يكون سعيداً على طريقته» كما يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، ولا يستطيع أن يفرض عليه نمط الحياة والعيش والثقافة ونظام الحكم بالإكراه والقوة. لكن تيار المستقبل ومعه القوى المناوئة لحزب الله والنظام السوري أثملتهم تحولات (الربيع العربي) وتوهموا أنّ الساعة قد أزفت وأنّ الرؤوس قد أينعت وحان قطافها، وأنّ التماثل مع الدول المعتدية والدوس على القوانين الدولية أو تجاهل التوازنات التاريخية والمعادلات الداخلية وحتى السيادة الوطنية مبرر في هذه «الحرب المقدسة» التي ستجلب «الخير» للشعبين السوري واللبناني!
بعد خمس سنوات تقريباً على قرار حزب الله الانخراط في مواجهة المجموعات التكفيرية المسلحة، تعيد قوى سياسية وكتل جماهيرية لبنانية تعريف الأزمة السورية وتأويلها وفهم أبعادها وأخطارها على شعوب المنطقة ولبنان. بدأت تتشكل صورة مختلفة عن تلك التي انطبعت في السنوات الأولى من عمر الأزمة. الصورة النمطية التي هيمنت لمدة طويلة بدأت بالانحسار، والحديث عن خطأ في التقدير والحسابات أخذ بالتوسّع بين النخب والناس، والاعتراف بالجميل لما قام به حزب الله صار يُقال ولكن بهمس وخفر. المهم أنّ حزب الله استطاع بعد كل تلك التضحيات والدماء أن يُحدث نقلة تصورية حرّرت الكثيرين حتى الساعة من الضلالات والأوهام التي رافقت دخوله الحرب ضد الجماعات التكفيرية المسلحة، ونقلة معرفية تحرّر جرّاءها الكثيرون من الجهل الذي صاحب نظرتهم إلى هذه الجماعات التي انكشف زيف انتمائها للإسلام وزيف شعاراتها، ونقلة منهجية حررت الكثيرين أيضاً من استسهال تقبل الفوضى والتسيّب والتنازل عن السيادة والخضوع للدول المشاركة في مشروع تدمير سورية وتقسيم المنطقة، وتبصيرهم إلى الخطة المطلوبة لحماية لبنان، وإهدائهم إلى إجراءات العمل والحركة وقوانين النصر التي ترسو على شاطئ الحقيقة فقط بالدماء والبذل والفداء.
سنوات من العطاء والإخلاص والإيثار المنقطع النظير قدّمها حزب الله، وكانت بمثابة تحولات جذرية على مشهد المنطقة، وتركت أبلغ الأثر في إطار اتقاء النزاعات داخل الساحة اللبنانية، وهدفت إلى وضع كل الوسائل الممكنة في خدمة بقاء الدولة واستمرارها واستوائها على الاستقرار وشبكة من الأمان والردع لم يلحظ أحد في ترسيخ دعمائهما أي خرزة زرقاء لا بإيحاءات الأساطير ولا بوحي من سماء !
* أستاذ جامعي