من المبكر القفز إلى استنتاجات سياسية بشأن العدوان الثلاثي الذي تعرَّضت له سوريا (النقاش حول «أخلاقية الضربة» أصبح عقيماً بسبب تمحوره حول مصالح النخب)، لكن يمكن بالاعتماد على التصريحات المنسوبة إلى وزير الخارجية الألماني بعد لقائه بنظيره الفرنسي الذي شاركت بلاده في العدوان للوصول إلى خلاصات أولية.


المسعى الألماني
الرجل تحدّث عن التحضير «لعملية سياسية» بمشاركة الدول التي نفّذت العدوان بصفته وزيراً في حكومة لم تتدخّل عسكرياً في سوريا، ولكنها أيَّدت الضربة. ألمانيا هنا بلسان وزير خارجيتها تقترح بالاتفاق مع شركائها الأطلسيين مدخلاً لربط العدوان بأفق سياسي يجري تعيينه بعيداً عن المسارات التي ثبّتتها روسيا بمشاركة كلٍّ من تركيا وإيران. التدخُّل العسكري في هذه الحالة يصبح مرتبطاً بتعديل مسارات التسوية أكثر منه بمعاقبة النظام على استخدامه المزعوم للسلاح الكيميائي في دوما. أوروبا تعرف أنَّ الولايات المتحدة ليست معنية مثل روسيا بإيجاد حلّ سياسي ينهي الأزمة عبر الربط بين مساراتها العسكرية والإنسانية والسياسية، وهي تعلم أيضاً أنه لا يمكن الاعتماد على الوجود الأميركي المستقبلي في شمال وشمال شرق سوريا بسبب ركونه إلى جيب يتعارض مع مسار التسوية الشاملة. ولذلك اعتبرت التدخُّل الذي حصل مناسبةً للدفع بمسار سياسي لا يكون بديلاً من جنيف، ولكنه يحمل في طيّاته احتمال إضعاف المسار الذي تقوده روسيا، وتحقِّق من خلاله نجاحات كبيرة في استكمال بناء البنية التحتية للتسوية. لكن المشكلة هنا أنّ اقتراح هذا المسار يحصل بالتزامن مع اكتمال المرافق الحيوية التي أنشاتها موسكو لتكون مرتكزاً يضع التسوية في سياق اجتماعي واقتصادي وخدماتي وإغاثي أوسع، وهو ما يغفل عنه معظم الإشارات السلبية إلى دورها في سوريا.

البنية التحتية للتسوية
صحيح أن روسيا تدخّلت عسكرياً إلى جانب النظام وارتكبت جرائمَ أحياناً، ولكنها كانت الطرف الوحيد في «المحور» الذي يستطيع التواصل مع أطراف معارِضة لحثِّها على الخروج أو إلقاء السلاح بشكل يضمن سلامة بيئتها الاجتماعية، عبر تقديم ضمانات بالحفاظ على هياكل معيّنة يمكن من خلالها استئناف التسوية أو تحريكها في مسارات مثل أستانا أو سواها. هذه ليست وساطة تقودها موسكو بين النظام والمسلّحين، بل هي بمثابة رؤية للتسوية تضع التدخّل العسكري في سياق أوسع، وتساعد على جعله يحصل في إطار مجهود متكامل من النشاطات الإنسانية والإغاثية والطبية و... إلخ.

روسيا كانت الطرف الوحيد في «المحور» الذي يستطيع التواصل مع أطراف معارِضة

لم تعد روسيا بفضل هذا النوع من التدخّل مجرّد طرف، بل أصبحت الجهة التي يحتكم إليها الجميع لإيصال المعارك إلى خواتيمها، عبر المخارج التي تقترحها بسبب ثقة مختلف الأطراف بها. المركز الروسي للمصالحة في «حميميم» هو الذي يقود هذا الجهد بعد تطوير الفكرة التي بدأها النظام لتهدئة الجبهات، وتوسيعها بحيث تشمل معظم المدن والقرى والبلدات الراغبة في التسوية والانتهاء من الأعمال العسكرية. والحال أنّ مسار أستانا ليس هو الوحيد الذي استفاد من هذه البنية التحتية الشاملة للتسوية، بل ثمّة قناعة بأنّ مسار جنيف الذي تدعمه الولايات المتحدة وأوروبا وتقوده الأمم المتحدة عبر مبعوثها الخاصّ لم يكن ليُستأنف في جولاته الأخيرة لولا التحريك الذي قادته روسيا في أستانا، وأفضى بالإضافة إلى توسيع مروحة المصالحات إلى ربط المسارات المختلفة للتسوية بعضها بالبعض الآخر.

خاتمة
عدم التعارُض بين المسارات يدعم الرؤية الروسية، ولكنه في المقابل يتسبَّب بأرقٍ لدى الغرب كون التسوية ستحصل وفقاً لأولويات وضعتها روسيا بالشراكة مع إيران وتركيا. هذا ليس سبباً رئيسياً للتدخُّل، ولكنه يتحوَّل إلى مشكلة حين لا يكون ثمّة رؤية واضحة لدى الغرب حول كيفية التعامل مع الأولويات الروسية في سوريا. التدخُّل العسكري وحده لا يكفي لإضعاف هذه الأولويات أو تغييرها، ولذلك كان لا بدّ من إيجاد مسار سياسي يقترح أولويات مختلفة، ويعيد التسوية إلى النقطة التي لم تكن روسيا ضالعة فيها بعد. لكن ذلك يتطلّب وجود بيئة للتسوية أو بنية تحتية كما فعلت موسكو، وهو بالضبط ما تفتقد إليه الرؤية التي تقترحها ألمانيا في إطار شراكة أطلسية.
* كاتب سوري