يبدو أنه كان من الضروري أن يصعد اليمين المتطرف، بل وحتى العنصري، في أوروبا، كي يكتشف المرء المزيد من خفايا الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً ما يتعلق بمسألة عنصرية النازية تجاه الأشكناز والسلاف والغجر وغيرهم. العنصرية الفجة والموغلة في همجيتها، ونظام معسكرات الاعتقال التي أقيمت للأجناس المغضوب عليها المذكورة رسمياً في قوانين عام 1942 في ألمانيا النازية.

الموضوع هنا، الخلاف الناشئ بخصوص كيفية تعريف معسكرات الاعتقال النازية في بولونيا بين كيان العدو ومَن وراءه كالولايات المتحدة من جهة، وحكومة وارسو اليمينية المتطرفة، التي ترى بعض مؤسسات الاتحاد الأوروبي أنّها عبرت مرحلة التطرف اليميني واستقرت في مجال العنصرية، مثل حلفائها الأقدمين في بودابست، والجدد في إيطاليا وألمانيا وغيرهما.
ما أثار هذا الخلاف الجديد بين الطرفين اليمينيين العنصريين، هو قرار حكومة وارسو منع استخدام مصطلح «معسكرات الاعتقال/ الإبادة البولونية» تحت طائلة الملاحقة القانونية والتعرض لأحكام بغرامة مالية والسجن.
هذا الخلاف كشف، في ظني، أحد «أسرار» الحرب العالمية الثانية المسكوت عنها! أي تعاون بولوني مع الاحتلال النازي في ملاحقة أشكناز بلادهم ونقلهم إلى معسكرات الاعتقال المعروفة. قرأنا في الماضي تلميحاً إلى تعاون شعوب شرقي أوروبا مع سلطات الاحتلال النازية في ملاحقة الأشكناز، وكيف أن الأخيرين كانوا ينتقلون من أوطانهم إلى ألمانيا المحتلة فراراً من الاضطهاد الشعبي، وأشرنا إليه في أحد المؤلفات التي عرضناها في منبر آخر في «الأخبار» الغراء.
ملاحقة الأشكناز في أوروبا الشرقية حقيقة تاريخية، وكراهيتهم ومعاداتهم، التي تعرَّف أوروبياً بأنها «معاداة السامية» = «معاداة اليهود»، كانت منتشرة في أوروبا وحتى في روسيا القيصرية، والتي انتهت في الأخيرة عندما منحهم الاتحاد السوفياتي منطقة حكم ذاتي تسود فيه لغتهم المسماة اليديش، وهي لهجة/ لغة محكية ومكتوبة، وتسود بين أشكناز فلسطين المحتلة، 80% منها ألماني، والبقية خليط من لغات ولهجات أخرى، لكنها تكتب بالحرف الآرامي المكعب الذي يعرف على نحو غيرعلمي بأنه أبجدية عبرية، ولنا عودة لهذا في منبر آخر.
دول غربي أوروبا لم تتدخل في معركة المصطلح هذا، باستثناء ألمانيا، التي تهرع دوماً إلى نتف الشعر وتمزيق القمصان والضرب على الرأس وتغطيته بالتراب والأوساخ وما إلى ذلك من مظاهر جلد الذات، حيث أعلن وزير خارجيتها المطرود من منصبه أن برلين هي المسؤول الوحيد عن معسكرات الاعتقال ومطاردة الأشكناز العنصرية المثيرة للاشمئزاز، مبرّئاً شعوب شرقي أوروبا من المشاركة في الاضطهاد، وفي الوقت نفسه مستجدياً رضا كيان العدو العنصري الهمجي.
واشنطن بدورها عبّرت عن عدم رضاها عن القانون البولوني الجديد «لأنه يحدّ من حرية البحث العلمي»!
حرص واشنطن على «حرية البحث العلمي» لم يظهر عندما أقرّت حكومات الاتحاد الأوروبي قوانين تمنع البحث في صحة الادعاء بقتل ستة ملايين أشكنازي في معسكرات الاعتقال النازية، المسماة أوروبياً معسكرات الإبادة، تحت طائلة السجن والغرامات. نقول هذا ونذكّر بأن رقم الستة ملايين سبق أن أطلقته الحركة الصهيونية في أثناء الحرب العالمية الأولى. يضاف إلى ذلك حقيقة تعاون الحركة الصهيونية العالمية رسمياً مع برلين الهتلرية في ترحيل أشكناز من ألمانيا مقابل أموال وعوائد أخرى، وقيام الحركة الصهيونية وكيان العدو، بالتعاون مع نظامي نوري السعيد في بغداد وصهاينة عبر الأردن ممثلين بعبد الله بن الحسين، والنظام الملكي في مصر، وغيرهم، بترحيل المزراحيم [الشرقيين - يختلفون عن الأشكناز بأن لغتهم عربية وكتبت بالأحرف المشار إليها أعلاه، ولا يعترفون بأيٍّ من التلمودين، البابلي والفلسطيني] من البلاد العربية إلى فلسطين المحتلة في أواخر أربعينيات القرن الماضي ومطلع خمسينياته.
على أي حال، من الواضح، حتى من هذا الإشارات المتناثرة، أن اضطهاد الأشكناز في أوروبا، شرقاً وغرباً، لم يكن سياسات حكومية فقط، بل شعبية أيضاً. لكن الحكومات الأوروبية التي ناصرت المشروع الصهيوني، ولا تزال تناصره، شاركت وتشارك على نحو نشيط في اضطهاد مواطنيها الأشكناز بالقول إن مستقبلهم يكمن في تحولهم إلى فئة منفصلة منعزلة عن أوطانهم ومجتمعاتهم وبيئاتهم التي تطوروا فيها عبر مئات السنين، وأن عليهم الرحيل إلى فلسطين المحتلة ودعم كيان عنصري متخلف لا علاقة له بتاريخ الأشكناز (ولا بتاريخ المزراحيم)، أسسه الغرب الاستعماري في فلسطين على أنقاض شعبها الذي سكن البلاد من دون انقطاع منذ أقدم العصور، لكن ليس لحماية فئة، هم من اضطهدوهم ولاحقوهم عبر العصور، بل لاستعمالهم أدوات لدعم تأويلاتهم الغيبية المريضة التي تعدهم بحكم العالم على أنقاض شعوب العالم وأممه وقومياته.