الحفاظ على السلم الاهلي هو أولوية مطلقة. ذلك يعني أن كل محاولة لاعتماد أولوية أخرى، ستكون ذات طابع فئوي. وهي، في ظروف لبنان الحالية، ستكون متعارضة مع المصلحة الوطنية اللبنانية. وليس من المبالغة في شيء، ولأسباب تتصل، بالتأكيد، بمصالح الشعب اللبناني وربما أوسع، وصف العبث بالسلم الاهلي، أي دفع اللبنانيين الى الانخراط في الاحتراب والاقتتال، على أنه خيانة وطنية.


لا بأس هنا بالتذكير بأن الاقتتال الاهلي، في ظروف الصراع الدائر في المنطقة، سيكون الأسوأ والاقسى. إنه سيطيح كل الانجازات وخصوصاً في حقل المقاومة، وكل الممكنات الايجابية وخصوصاً في حقل التنوع والتسامح والاختلاف وحق التعبير. وهو، بالضرورة، سيدفع إلى مخاطر من نوع تعميق الشرذمة والانقسام، ما سيهدد، بالضرورة، وحدة لبنان. وسيكون صدى ذلك وتأثيره في المحيط العربي كثير السلبية، وستكون إسرائيل هي المستفيدة الاولى منه.
يتضح من خلال هذا التكثيف السريع أنه، إضافة الى المصلحة الوطنية، لا مصلحة لأحد من طرفي الصراع الاساسيين في لبنان، في دفع التناقضات السياسية، لأسباب داخلية وخارجية متفاعلة، الى مستوى الصراع العسكري، أي الاقتتال الاهلي، أي الحرب الاهلية. ومهما كانت التوازنات والموازين الداخلية، فإنه يمكن الجزم بأنه في حرب أهلية كالتي «علمنا وذقنا» لا منتصر بالمطلق، وإنما هي الخسائر ما سنجني، وإن توزعت بغير «عدل» بين فريقي النزاع، وبالتساوي بين جميع اللبنانيين!
في الحقبة الراهنة، لا يحتاج هذا الكلام الى مناسبة لكي يقال أو يُستعاد. كل التطورات تدفع إلى التحذير من مغبة الانزلاق الى الخطأ القاتل والكبير. آخر مجالات الصراع والتباين هو إعلان تشكيلة حكومية جديدة من قبل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف. الصفقة الفرنسية السعودية عززت من الشكوك وألقت المزيد من الظلال الكثيفة على الاهداف. الخشية من قبل فريق الثامن من آذار، أن تكون هذه الحكومة وسيلة لاستخدام الموقف الرسمي، ومعه المؤسسات السياسية والامنية، وسيلة وأداة في الصراع الداخلي الذي هو، بدوره أيضاً، شكل من أشكال الصراع الاقليمي.
لا شك في أن استخدام السلطة ومؤسساتها بشكل فئوي، سيكون المقدمة الأوضح والاخطر لاتخاذ قرار عام خارجي وداخلي، من ضمن سياق الصراع، للانتقال الى الحرب الاهلية في لبنان. ذلك ما كان يحصل في محطات الاقتتال الداخلي اللبناني السابقة... لنتصور أن يتلقى الجيش اللبناني قراراً، استناداً الى الصلاحية الرسمية للحكومة العتيدة، بالقتال الى جانب مقاتلي «التبانة» ضد «شركائهم» مقاتلي «جبل محسن» في طرابلس… ولنتصور أن الحكومة العتيدة قد تبنّت سياسة بعض الغلاة في اعتبار سلاح «حزب الله» سلاح فتنة أو أمرت الجيش بمصادرته! ولنتصور أن لبنان «الرسمي» في احتمال حكومة كهذه، قد دخل في صراع حدودي مكشوف مع الجيش السوري… .
اتجاه الأمور في مسار كهذا مرفوض بشكل كامل ومطلق. فهل تسير الامور في هذا الاتجاه فعلاً؟ ليس الامر على هذا النحو كما يتضح من خلال مؤشرات عديدة. والراجح أن المسألة، وخصوصاً بالنسبة الى الرئيس ميشال سليمان، لا تتعدى ممارسة «هوايته» التقليدية في الإمساك بالعصا من منتصفها، مع حسابات أخرى تتعلق بالموقف من التمديد والتجديد (اللذين لا يطلبهما بنفسه، ويضع شروطاً بشأنهما فيما لو طلبهما له الآخرون؟) المرفوضين من قبل الحكم السوري وحلفائه.
لقد اختلت معادلات الوضع اللبناني منذ معركة «القصير» حتى اليوم. وهي الى مزيد من الاختلال في المرحلة المقبلة. الاتفاق الايراني ــ الاميركي حول الملف النووي فاقم من ذلك، وهو ما لا يعوضه الاتفاق الفرنسي ــ السعودي الأخير، وإن كان انطوى على بعض الايجابيات لمصلحة فريق الرابع عشر من آذار. إنها، كما يبدو، عملية تحسين مواقع، وليست قراراً جديداً بتغيير قواعد
اللعبة.
لعبة تحسين المواقع مارسها فريق الثامن من آذار. وهو، حتى الآن، «يتنعم» بإيجابياتها. لقد سقطت حكومة الرئيس سعد الحريري باستقالة «الوزير الملك». وتشكلت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بعد ذلك، من دون موافقة ومشاركة فريق 14 آذار. وهي مستمرة الى اليوم، رغم استقالة رئيسها وتكليف رئيس جديد بشبه إجماع، في صيغة تصريف أعمال، أي هي تستمر في الحكم، ولو بصلاحيات أقل (أما الحديث عن الفعالية والانجاز في الحالتين فأمر آخر!). ورغم محاولات محدودة، ومنها محاولات استغلال جنازة الشهيد وسام الحسن، فلقد سارت الامور بشكل طبيعي تقريباً. (علماً بأن امتناع فريق 14 آذار عن المشاركة في الحكومة لم يمنع من تمويل المحكمة الدولية على سبيل المثال. وهو أمر كانت قد قطعت تعهدات سلبية بشأنه، من قبل قادة في 8 آذار. هذا الى احتفاظ فريق 14 آذار، وخصوصاً حزب «المستقبل»، بحضوره شبه الكامل في الإدارة وإن غاب عن الوزارة!).
لا شك في أن الحد الادنى من التفاهمات حول المسائل الرئيسية مطلوب دائماً. لكن يستمر التقارب متعذراً، ويتفاقم التباين حول الاساسيات الوطنية يوماً بعد يوم. إن مخاطر العبور الى الأسوأ تتراكم كل لحظة. ثمة أطراف معادية تدفع نحو الفتنة، أخطرها العدو الإسرائيلي. حسن التقدير يصبح شديد الأهمية. شديد الأهمية أيضاً ضبط ردود الفعل، وخصوصاً أسلوب المخاطبة، حيث إن «الحرب أولها كلام».
كما أسلفنا، قاعدة أن الصراع لن يحسم بالقوة وبالحرب الاهلية ما زالت قائمة. ولذلك لا ينبغي التعامل مع سياسة تحسين المواقع بوصفها تحولاً دراماتيكياً في مجرى الصراع. وإذا كان مشروعاً التنبيه والتحذير، فإن التصعيد والتهديد قد يؤديان الى دفع الامور نحو الأسوأ، خصوصاً بسبب الاحتقان المذهبي المتصاعد والنشاط المشبوه الذي تمارسه منظمات متطرفة وتكفيرية، وبسبب الفرص والامكانيات المتاحة أمام الشبكات الصهيونية الكامنة والحاضرة في المشهد اللبناني.
قد تتشكل «حكومة كفاءات» أو «حكومة تكنوقراط»… . ليس ذلك كافياً لاعتباره كارثة حلّت بالتوازنات: يمكن إسقاط هذه الحكومة في المجلس أو في الشارع… وبالوسائل الدستورية والديموقراطية والسلمية دون سواها.
إن ذلك واجب وطني. فالرد على الفئوية لا يكون بمثلها. وقد آن الأوان لإعادة نظر عميقة في المواقف والسياسات والعلاقات، والتي أسهمت، عن قصد أو بدونه، في وضع لبنان على شفير الهاوية وإنجازات شعبه على طريق الضياع والزوال.
* كاتب سياسي لبناني