على حين غفلةٍ من الزمن، يأتيك من هنا وهناك من يُنصّب نفسه معياراً وحاكماً وقاضياً. يثير الانفعالات، ويسنُّ الضوابط، ويطلق على أهل الأديان، وأديانهم أحكامه القاضية بالانحراف والتخلّف، وحجته في كل ذلك، أنه «هو قال»! وإذا ما أراد أن يقوي حجته لجأ – كما فعل بعضهم – إلى منهجية في القراءة سماها، توسّماً بخطى بعض الباحثين، «التفسير المادّي لحركة التاريخ»! وإياك أن تقضي عجباً وأنت تقرأ ذلك. صحيح أنّ التفسير المادّي لحركة التاريخ أدخلوه منذ ما يقارب القرن من الزمن أو يقل بقليل متاحف التاريخ. لكن قد يخطر ببالك أن تقول: ولمَ لا نحيي العظام برغم أنها باتت رميماً؟ حينها سيضطرنا الأمر للذهاب إلى تلك الآليات المنهجية التي أملتها الدراسات الدينية المعاصرة، سواء كانت تلك المهتمة بتاريخ الأديان، أو أنتروبولوجيا الدين، أو فلسفة الدين... والتي تعتبر أن أي قراءة لظاهرة دينية ما، خاصة إن ارتبطت بدين محدّد؛ مثل الإسلام؛ فلا بدَّ من الولوج في مضامينها المعنوية ودلالات شعائرها، وخاصة نسقيات إنتاجها لذاتها عبر مرور الزمن، دون نسيان؛ وهنا الأهم؛ سردية الظاهرة الدينية لنفسها. وهنا تقع النكبة الأكبر؛ إذ الذهاب لانتهاج المنهجية المادية التاريخية، وفرض محورية العامل الاقتصادي الذي أشار إليه الدكتور أحمد عياش، «صراع قريش مع ثوار الجزيرة العربية»، واعتقاده أن محور هذا الصراع هو «توزيع المال» – أي العامل الاقتصادي – فإنه إسقاط أيديولوجي على مسار ديني انبنت عليه حضارات متعاقبة... وهنا سطحية القراءة الأحادية. وهي سطحية اضطرت وبشكل تعسفي الى أن تتهم كل من جاء بعد رسول الله محمد (ص) بالانقلاب على القرآن، حين يقول: «لقد انقلب السنّة والشيعة على القرآن ومترسوا خلف الأئمة الأربعة أو الأئمة الاثني عشر...». أما كيف كان هذا الانقلاب فهو حسب، عياش، «إنه لم يبق هناك إسلام كما تمناه النبي محمد (ص) بعد حكم الخلفاء الراشدين، فلا أهل السنّة يمثلون جوهر الإسلام، ولا الشيعة بقوا على ما جاء عليه النبي، لقد شَرَدَ الطرفان بعيدًا عن الإسلام القرآني ليتعمّقوا في التفاسير والمقارنة...».

اسمح لي يا جانب الدكتور عياش، طالباً منك الإغاثة وأخبرنا بناءً على منهجيتك المادية التاريخية، وأخبرنا بما لم يستطع السنّة والشيعة معرفته! ما هو جوهر الإسلام؟ ما هو الإسلام القرآني؟ ما معايير معرفته؟ ما هي أطروحته؟ ثم أين وكيف ولماذا شَرَدَ السنّة عن جوهره، وأقفل عليه الشيعة؟ (حسب مدّعاك).
وبعد هذا، أين الضير في القراءات والمقارنات التفسيرية والعقدية والحضارية؟ وخاصة أن قاعدة «الجري» في القرآن تسمح بفتح أبواب الاجتهاد بناءً على مصدرية النص الفاتح لحركة الإسلام في تاريخ الزمن باحتياجاته وضروراته. أما إن كنت لا تعرف ماذا تعني قاعدة «الجري والاجتهاد المفتوح على الزمن»، فتلك الطامّة الكبرى؛ لأنها أصل أصول التواضع المنهجي في القرآن والإسلام بتعدديته الخلَّاقة.
وبكلمة أخيرة، نعم سالت الدماء في حياة المسلمين وهو الأمر المر والقاسي على قلوبنا. لكنني لا أعرف حضارة بشرية وحيانية أو وضعانية خلت من الدماء وآفة العنف والعصبية...
إلا أن ما هو عالق في وجدان وعقل كل حضارة هو أن المأساة لم تكن يومًا سببًا لفهم أي دين أو حضارة... والسلام.
* رئيس معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية، بيروت – لبنان