«الدولار عملتنا نحن، ولكنّه مشكلتكم أنتم»

(وزير الخزانة الأميركي جون كونولي، 1971)
حين انتشر، منذ أسابيع، خبر افتتاح بورصةٍ للعقود النفطية الآجلة في شانغهاي تسعّر صفقاتها بالعملة الصينيّة، لم يتّضح للكثيرين خارج هذا المجال الاختصاصي (أي بيع المشتقات المالية وعقود الطاقة) معنى هذه الخطوة وأبعادها. ولكنّ تقريراً مفصّلاً أعدّه الباحثون في مصرف «غولدمان ـــ ساكس» عن البورصة الجديدة يكشف أنّ ما يجري هنا يفوق بكثير مجرّد «تسعير النّفط باليوان» وتبادله خارج مظلّة الدولار الأميركي.
من دون الدّخول في التّفاصيل التقنيّة: بورصة العقود النفطيّة (مثل «برنت» وWTI) هي، على عكس ما قد يُفهم من اسمها، ليست مكاناً لبيع وشراء النّفط بالمعنى «الفيزيائي» وسدّ حاجات المستهلكين (وإن كان ما يجري، نظرياً، هو بيع وشراء وعودٍ مستقبلية بتسليم شحنات من النّفط). ما يحصل في البورصة هو رهانات ماليّة يوميّة بمبالغ هائلة، يقوم بها مستثمرون ومصرفيون ومضاربون، على سوق النّفط وسعر البرميل فيه؛ وهي أكبر بكثير من السّوق «الفعلي» للنفط «الحقيقي» الذي يذهب ويجيء في الناقلات. حين تشتري عقداً أو تبيعه في المستقبل كمضارب، فأنت غالباً لا تتوقّع أن تستلم شحنةً في الموعد المحدّد في العقد بل ـــ في 99% من الحالات ـــ انت ستحوّل الى حسابك المصرفي الفارق بين سعر الخام يوم اشتريت العقد وبين سعر النّفط يوم استحقاقه، ربحاً أو خسارة، والطّرف الآخر يفعل الأمر ذاته، فتتمّ «تصفية» العقد واتمام الهدف منه (هناك وسائل أخرى لتصفية العقود الآجلة، ولكنها كلها تقوم على تجنّب التعامل المادّي مع السّلعة، والشّاري لن يطلب تنفيذ العقد وتسلّم النفط فعلياً الّا لو كان هناك حافزٌ مادّي ـــ بسبب نقص امدادات النفط مثلاً أو حربٍ تسدّ مضيق هرمز ـــ لكي يطلب السلعة ويخزّنها ويحتفظ بها لأجلٍ ما).
دور هذه البورصات، اذاً، هو «بناء» سعر النّفط أو تشكيله، كما يقول تقرير «غولدمان»، ومن ثمّ المضاربة عليه. انت حين تتعهّد (ولو نظريّاً) بإرسال برميلٍ من النّفط الى موقعٍ محدّد بعد ثلاثة أشهرٍ، وبسعرٍ معيّن، وحين يقبل طرفٌ مقابلٌ بالشّراء بالقيمة ذاتها، فإنّ هذا يعطي الصّفقة، والسّعر خلفها، «أساساً» واقعيّاً (هناك، جدياً، من هو مستعدٌّ لبيع النفط في هذا التاريخ بذاك السّعر، وهو سيسلّمك اياه إن طولب بذلك). وحين ترتبط البورصة بسوقٍ نفطيّ مهمّ، فإنّ هذا السّعر يصبح معياراً للبائعين والشارين («سأستلم منك النفط في روتردام بسعر برنت زائد سنتين للبرميل» أو «سأبيعك نفطاً سيء النّوعيّة بسعر معيار برنت ناقص دولاراً للبرميل» الخ)، وذلك بدلاً من أن تفاوض على سعر النّفط بشكلٍ منفصل في كلّ موقعٍ ولكلّ صفقة. لهذا السّبب اشتهرت بورصة «برنت» واكتسبت أهميتها لأنها تسعّر الانتاج الوفير في بحر الشّمال، وأُقيمت بورصة WTI في موقع كوشينغ في آلاباما، حيث يتمّ تسليم أكثر انتاج تكساس والجنوب الأميركي. بورصة شانغهاي، من جهةٍ أخرى، تنبع أهميتها من كونها تستند الى الإستهلاك الكبير والمتزايد للنفط الصّيني، أي أنها تعتاش على الطلب وليس الانتاج. الفارق الثاني بين بورصة شانغهاي ومثيلاتها هو أنّ برنت وWTI وأكثر البورصات الثانوية تسعّر عقودها بالدّولار، فيما شانغهاي تتعامل باليوان (أو الـ«رينمينبي») الصيني حصراً.
يقول مصرف «غولدمان» إنّه قد جرى بالمعدّل تبادل عقودٍ توازي 20 مليون برميل يوميّاً في الأيام الأولى لبورصة شانغهاي (افتتحت في 26 آذار الماضي)، وإنّ هذه المؤسسة الجديدة تسمح للرساميل الصينية بالمضاربة على النفط بعملتهم الوطنية (بعد أن كان هذا السوق مقفلاً عليهم)، وهي تؤمّن ايضاً «مصدراً في حالة الاضطرار» للمستهلكين الصينيين. بتعابير أخرى، لو حوصرت الصّين ومُنعت مصارف العالم من التعامل معها، فإنّ هذه البورصة «صينيّة» بمؤسساتها وعملتها، وهي تسير بمعزلٍ عن القوانين والمؤسسات الأجنبيّة. هذا الامتياز، بالمناسبة، له تشعّبات ونتائج تتخطى الصّين: لو وقعت دولةٌ مثل فنزويلا أو ايران، مثلاً، تحت الحصار النفطي، فقد صار لديها منفذٌ خارج نظام الدولار لبيع نفطها باليوان وذلك ليس للصّين وحدها، بل من الممكن ـــ مثلاً ـــ بيع عقودٍ في شانغهاي يتمّ إعادة بيعها وتحويلها الى نفطٍ يسلّم في سريلانكا. انت هنا لم تبنِ مجرّد مقاصّة لبيع النّفط بل «سوقاً» جديداً، بالمعنى المؤسسي، لديه آلية لتحديد السّعر وقنوات للتبادل وقوانين داخليّة خاصّة به، وترفده حكومةٌ قويّة واقتصادٌ ضخم. العامل الأخير هنا، وهو ما لم يذكره تقرير «غولدمان» الّا لماماً، فهو الدور المحتمل لهذه البورصة في تقليل معدّل «الدولرة» في التبادلات العالميّة.

نظامٌ غير منتظم
عودةً الى التّاريخ، يذكّرنا كتاب باري ايشنغرين عن النّظام المالي العالمي («عولمة رأس المال»، منشورات برنستون، 2008) بأنّ النّظام الذي يحكم التجارة العالميّة يتكوّن دائماً بشكلٍ شبه عشوائي، في ظروف تاريخيّة محدّدة، وليست هناك بنيةٌ ماليّة «طبيعيّة» أكثر من غيرها. عصر «المعيار الذهبي»، حين كان الذهب هو عملة الاحتياط الدوليّة، لم يدم الّا بين عام 1870 و1914، أي أقلّ من نصف قرن. وبين 1914 ونهاية الحرب العالمية الثانية كان عهدٌ من الفوضى وقوانين حمائية مختلفة لكل دولة. ونظام «بريتون وودز» الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية انهار عام 1971 (وهو يشبه المعيار الذهبي، ولكن بواسطة الدولار ـــ أونصة الذهب تساوي، بشكلٍ دائمٍ، 35 دولاراً). أمّا النظام القائم مذّاك، حيث الدولار هو عملة عالميّة ولكن من دون تغطية ذهبية ترفده، فإنّ عمره اليوم قد فاق عمر «النّظام الذّهبي» الأصلي في القرن التاسع عشر.
قبل استخدام الذهب معياراً وحيداً للقيمة عام 1870، يروي ايشنغرين، كانت أغلب الدول تستخدم معياراً مزدوجاً مكوّناً من الذهب والفضّة. أي أن كلّ دولةٍ كانت تسكّ عملتين، واحدة ذهبية والأخرى فضيّة، لأنّ أقاليم من العالم (كالهند والصين وروسيا وألمانيا) كانت تستخدم الفضّة في أسواقها، بينما أخرى (مثل بريطانيا) تفضّل الذّهب، فكانت أكثر الحكومات تحتاج الى العملتين (ولإمكانية التحويل بينهما) لسدّ حاجاتها التجارية. فرنسا عام 1803، مثلاً، كانت تسمح لأيّ كان (مواطناً أو أجنبياً) بالدّخول الى دار السكّ ومعه كميّة من الفضّة، فتحوّلها الدار الى نقودٍ فضيّة، يمكن تحويلها بدورها الى عملات ذهبية بمعدّل 15 ونصف وزنة من الفضة مقابل كلّ وزنة من الذهب.
حتى هذا النّظام القديم كانت فيه مشاكل واختلالات، بل أنّ العديد من المؤرّخين يستغربون أنّه قد دام لقرون ولم يتمّ استبداله بمعيارٍ ذهبيّ حصريّ حتّى أواخر القرن التاسع عشر وانفجار الرأسمالية والتجارة الدولية. أحد أسباب استمرار الفضّة الى جانب الذّهب، يقول ايشنغرين، هو أن أصغر عملة ذهبيّة كانت كبيرة القيمة بالنسبة الى الانسان العادي أو التاجر الصغير، ولا تفيد في التّعاملات اليوميّة (بل إنّ أكثر اوروبا بشكلٍ عام لم تعرف الذّهب حتّى القرون الوسطى، وكانت «الدوقات» و«الفلورينات» الذهبية تستخدم حصراً في مكاتب البندقية وفلورنسا، حيث ازدهرت التجارة وكبرت أرقامها، وليس في وسط اوروبا أو غربها). من الممكن هنا أن تسكّ عملةً رمزيّة (token) مدعومة بالذّهب، أي أن تصدر الحكومة نقوداً نحاسية أو حديديّة لا قيمة لها في ذاتها، ولكنها تمثّل قيمةً معيّنة من الذهب موجودة في خزائن المصرف. ولكنّ هذا الحلّ ظلّ مستحيلاً حتّى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ببساطة لأنّ التزوير كان يسيراً قبل اختراع آلات السكّ البخاريّة. حين كانت العملات تسكّ بالضّغط اليدوي، يشرح ايشنغرين، كانت كلّ قطعة تخرج من المطبعة مختلفةً قليلاً عن الأخرى، ما يجعل كشف التزوير مستحيلاً ويمنع استخدام عملاتٍ لا تكون قيمتها متضمّنة في المعدن الذي تحويه. المكابس البخارية أزالت هذا العائق التقني، وسمحت بانتشار النّقد الرّمزي بدلاً من حمل الفضّة والذّهب.
الحجّة الأساس هنا هي أنّ «عملة الاحتياط» الدولية تولد لأسباب تاريخية لا يمكن حصرها، وهي تستخدم لأنّها «مفيدة» وصالحة للتحويل ومرغوبة في التعامل الخارجي، وهذا يتعلّق بالسياق السياسي والاقتصادي، وليس بطبيعة العملة ذاتها. حاول السويديّون، مثلاً، لدى اكتشاف مناجم نحاس كبيرة في السويد، تأسيس «معيار نحاسي» واصدار عملات نحاسيّة بدلاً من الذهب والفضّة (سعّر النحاس بواحد من مئة من سعر الفضّة، فكانت إحدى العملات السويدية الكبيرة، يكتب ايشنغرين، تزن أكثر من أربعين رطلاً للقطعة الواحدة ــ وهذا كان امتيازاً، يضيف المؤلّف، فهي كانت غير قابلة للسرقة أو الضياع). تحوّل بريطانيا الى المعيار الذهبي لم يكن عمليّة مقصودة، بل بسبب خطأ ارتكبه مسؤول دار السكّ في لندن، اسحق نيوتن (هو نفسه)، حين أخطأ بتسعير الذّهب وجعله رخيصاً نسبةً الى الفضّة، فاشترى الأجانب كلّ الفضّة في بريطانيا وخرج المعدن من سوقها وانحصرت عملتها بالسترلنغ الذهبي (لم تلغِ الدولة العملات الفضية من التداول، رسمياً، حتى قرنٍ من ذاك التاريخ، أي في أوائل القرن التاسع عشر).

الدولار سلاحاً
بالمعنى أعلاه، يستمرّ الدّولار الورقي اليوم كـ«عملة احتياط» لسببين مترابطين: لأن الكثير من التجارة الدولية (من شراء النفط الى المعادن الى السلاح الى الكثير من القروض الدولية) تحصل بالدّولار، فيحتاج التجار حول العالم الى احتياطٍ دائمٍ منه و، ثانياً، لأنّ المصارف المركزية تحتاج الى كنز احتياطٍ يغطّي استيراد بلدها لأشهر قادمة، في حال حصول أزمةٍ أو قصورٍ في السوق، وهذا الاحتياط، هو الآخر، يكون بالدولار ـــ أي عملة التبادل الدولية. وهذان العاملان سويّةً يخلقان طلباً مستمرّاً على العملة الأميركيّة، وهذا الطلب يزداد كلّما توسّعت التجارة الدولية وازدادت (تبعاً لذلك) حركة الرساميل واحتياطات المصارف المركزيّة.
كما كان لكلّ نظامٍ ماليّ سابق تحدّياته واسباب للإختلال، فإنّ هناك العديد من المشكّكين بـ«معيار الدولار الورقي» ومن تنبّأ، على مرّ العقود، بقرب انهياره أو استبداله. الحجّة الأساس في هذا المضمار كانت أنّ الدّولار يخسر من قيمته باستمرار على مرّ السنين، وأنّ المستثمرين سينصرفون عنه الى مصادر ادّخار تحفظ قيمتها. الّا أنّه، كما يشير ايشنغرين، فإنّ عملة الادخار تشبه برنامج الكمبيوتر، انت ستستخدمه فقط حين يصبح البرنامج المفضّل للكثيرين من حولك، ولكنّك لن تغيّره (انت والآخرون) لمجرّد وجود «بديل»، بل حين يكون هذا البديل أفضل بشكلٍ واضحٍ من البرنامج الشائع حالياً ـــ أو حين يتعطّل البرنامج القائم. انخفاض قيمة الدولار لم تكن حافزاً كافياً، ولا الأزمات المالية العالمية (بل إنّ نسبة الودائع بالدولار ارتفعت بعد انهيار عام 2008، مباشرةً، من حوالي 60% الى 70% من اجمالي الاحتياطات في العالم). ولكنّ استخدام الدولار كسلاحٍ من قبل الحكومة الأميركية، وكوسيلةٍ لعزل الخصوم وتدمير اقتصادهم، وذلك في مرحلةٍ دولية حساسة يُعاد فيها تعريف القوانين والقواعد، تجبر العديد من الحكومات على البحث عن بدائل.
يعتبر الكثيرون أن «المواجهة» بين اميركا وروسيا تجري حالياً في ساحاتٍ دولية مثل اوكرانيا وسوريا؛ غير أنّ قلّة انتبهت الى الأثر المدمّر الذي تركته العقوبات الأميركية الأخيرة (منذ أسابيع، اثر قضية سكريبال) على الاقتصاد الروسي. شركة «روسال»، وريثة صناعة الالمنيوم السوفياتية وأحد أكبر منتجي المعدن في العالم، تحوّلت أسهمها فوراً الى خردة. خسرت الشركة ثلث قيمتها في ساعات، واستقال الغربيون من مجلس ادارتها، ما أن وضعتها الحكومة الأميركية (ومديرها، اوليغ ديريباسكا) على لائحة العقوبات وأخرجتها من النظام الدولاري. زبائن الشركة غير قادرين على تسديد فواتيرهم أو طلب مشتريات جديدة، والشركة لن تتمكن من تسديد ديونها بالدولار، ويقول الخبراء أنها لن تنجو الّا لو تمّ تأميمها وتفكيكها أو بناء شركة جديدة على أنقاضها.
انخفضت أسهم مصرف «سبيربانك» المنكشف على قروضٍ لـ«روسال» وشركات أخرى وضعت هي الأخرى على لائحة العقوبات، والتأثير الأهمّ هو في افتراض المستثمرين العالميين بأنّ السّوق الروسية بأسرها لم تعد آمنة وأن أي قطاعٍ فيها قد يقع تحت عقوباتٍ مماثلة في أي وقت (يعدّ الكونغرس الأميركي حالياً مشروعاً يمنع اقتراض الحكومة الروسية بالدولار الأميركي، وهو ما سيخرجها فعليا من سوق السندات العالمية). بمعنى آخر، واشنطن تشرح بوضوحٍ أنّك لا يمكن أن تدخل معها في خصومة من أيّ نوع وأن تعتمد، في الوقت ذاته، على النظام المالي العالمي بصيغته الحاليّة. درس التاريخ هو أنّ كلّ حقبةٍ لها منطقها الخاص ولا يمكنك، لمجرّد أن يبدأ النظام الحالي بالاهتزاز، بأن تتنبّأ بما سيأتي من بعده (وهذا الخطأ الذي يرتكبه البعض، حين يفترض أن انحسار الهيمنة الأميركية يعني اوتوماتيكياً العودة الى نموذجٍ من نماذج الماضي). ولكنّ الأكيد هو أنّ «برنامج الكمبيوتر» الذي يدير العالم منذ نهاية الحرب الباردة بدأ بالاختلال، والنظام المالي الدولي يستحيل تدريجياً ساحة حربٍ سلاحها الدّولار، والأذى الذي تسبّبه واشنطن لاقتصاد روسيا حاليّاً هو أكبر بكثيرٍ من أيّ ضررٍ يمكن أن تحدثه لقواتها في سوريا.