إذا دقّقنا في طبيعة العلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة بين السوريين قبل عام 2011، نستنتج أن ثمة تحديات مختلفة أثّرت على حيثيات التعايش الاجتماعي بين مكونات المجتمع، ما تسبب باستمرار تعايش ظاهري وهشّ مقترن بأدوات السلطة المسيطرة. وأسباب ذلك لا تتعلق بإشكاليات يعانيها الإنسان السوري، رغم أنه لا يمكن نفي بعض من تجلياتها. فالسوريون حتى اللحظة لا يزالون يتمتعون بالقدرة على التصالح مع الذات ومع الآخر، ما يؤهلهم لبناء مجتمع يسوده السلام الداخلي. لكن طبيعة الحكم وآليات الاشتغال التمييزية للسلطة أسست لنشوء انقسامات عمودية وتصدعات بنيوية. وفاقم من تلك المظاهر إطلاق الزمام للأجهزة الأمنية للهيمنة على المجتمع ومؤسسات الدولة، إلى درجة تحوّلت فيها البلاد إلى مملكة للصمت. وتم اختراق الأوضاع المذكورة بداية الألفية الثالثة في سياق حركة ثقافية مدنية وسياسية شاركت فيها أعداد كبيرة من السوريين، لكن تم اغتيالها سريعاً. مع ذلك، أثبت السوريون لذاتهم قبل الآخرين أنهم قادرون على التواصل والحوار البيني.

تجاوز حالات الانقسام داخل المجتمع يحتاج إلى حلول شاملة تلحظ مصالح السوريين (أ ف ب )

وإذا انتقلنا إلى مرحلة الأزمة التي تحوّلت في سياقها سوريا إلى ساحات صراع تتباين فيه الأهداف والآليات وكذلك الأدوات، نلحظ أنه تم الاشتغال على تغييب لغة العقل والمنطق المفتوح على الآخر. في المقابل، جرى تمكين لغة التطرف التي حوّلت السوريين إلى ضحايا تتناهبها أطراف الصراع. وتتقاطع تلك الآليات مع حشر السوريين ضمن أطر هوياتية إثنية، طائفية، دينية، مذهبية عدمية وقاتلة. وجميعها عوامل ساهمت في تفاقم ملامح التصدع والتنابذ الاجتماعي حتى باتت تسيطر على طبيعة العلاقات الاجتماعية. وتعزّز ذلك في أحيان كثيرة بفعل سيطرة زعماء الحرب وتجار الأزمات، وامتهانهم القتل والخطف والنهب، ما أسس لتفاقم الشقاق الاجتماعي، وصولاً إلى التناقض الجبهوي المدعوم بقوة السلاح. كذلك، فإن عمليات التهجير ونهب الممتلكات العامة والخاصة استناداً إلى لغة إفناء الآخر المختلف سياسياً، مذهبياً، دينياً أو إثنياً أسّست لانتشار مظاهر التنابذ بين المكونات المجتمعية، وأيضاً الحقد والرغبة في الانتقام.
سياسة العداء لإيران تزيد من دخول المال الخليجي إلى الخزينة الأميركية


وفاقم من خطورة العوامل السابقة تفشي ظاهرة «التعفيش» ونهب المدن والبلدات «المحررة» التي يقودها علانية زعماء الحرب وتجارها. ويشاركهم في ذلك الفاسدون الصغار والمرتزقة. وتزامن ذلك مع انتشار الأسواق الخاصة بـ«الغنائم» وتسهيل نقلها بين المدن والمحافظات. ولم تقف الظاهرة المذكورة عند حدود النهب المادي، لكنها تتخذ بعداً سياسياً يتم من خلاله تبرير استباحة المناطق التي يتم السيطرة عليها، فيما تحوّلت أعداد كبيرة من الحواجز وبشكل خاص التي يديرها زعماء الحرب إلى مراكز للنهب وفرض السطوة.
وعليه، فإن تجاوز حالات الانقسام داخل المجتمع والتناقض بين مكوناته يحتاج إلى حلول شاملة وعميقة تلحظ مصالح السوريين وتُعيد لهم حقوقهم، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والعرقية والإثنية والمذهبية. وذلك بحاجة إلى بناء رؤية وطنية عامة وشاملة تركز على إيجاد حلول موضوعية وعقلانية لكل الملفات الإنسانية والسياسية والإنمائية. ومعلوم أن المدخل إلى القضايا المذكورة وغيرها من القضايا المختلفة يتوقف على إنهاء الصراع وإطلاق حوار وطني يؤسس لتوافق سياسي تشرف على تطبيقه جهات أممية. ومن الضروري أن تضمن الأخيرة تطبيق شرعة حقوق الإنسان، وحق السوريين بوضع دستور عصري، وأيضاً التوافق على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية. ومن الضروري أن تندرج جميعها في سياق التأسيس لنظام ديموقراطي برلماني لامركزي يضمن وحدة الجغرافية السياسية، والحريات السياسية والعدالة الاجتماعية والتداول السلمي للسلطة.
من جانب آخر، يجب التأكيد على ضرورة فصل السلطات وضمان استقلالية السلطة القضائية كونها تشكّل الرافعة الرئيسية لتحقيق العدالة الاجتماعية التي تندرج في إطارها محاكمة مرتكبي جرائم الحرب والفاسدين. وأيضاً إطلاق حرية الإعلام لضمان مراقبة آليات الحكم، وأيضاً السلطات التنفيذية. ويتصل ذلك مع التوافق على تعاقد اجتماعي يمكّن هيئات المجتمع المدني من ملء الفراغ بين السلطة المسيطرة والمجتمع ويؤسس لتجاوز التصدعات التي تهدد أمن المجتمع واستقراره، ويساهم في تمكين السلم الأهلي.
* كاتب سوري