نشأت الدولة الوطنية الحديثة في الجزائر نتيجة لعنفٍ ثوريٍّ نسف أسس النظام الكولونيالي المُتمثِّلة في الحضور الاستيطاني الإحلالي، واستتباع الاقتصاد المحلي بالمتروبول وتفكيك البُنى الاجتماعية والاقتصادية التقليدية. ورغم اعتماد الثورة الجزائرية على تعبئة الفئات الاجتماعية الريفية في العنف الثوري، وكون الأغاني الشعبية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لجنود «جيش التحرير الوطني» في الأرياف وتجسيداً للهوية الوطنية المُضْطَهَدَة، فإن المفارقة المثيرة للانتباه أن السياسة الثقافية التي تبنّتها الدولة الوليدة وفرضتها بديلاً من المشروع الثقافي الاستعماري لم تأخذ بعين الاعتبار هذه الحقيقة التاريخية والسوسيولوجية.

بدلاً من ترقية الثقافة الريفية بكل ما تحمله من ثراء بجعلها محوراً مؤسِّساً في بناء «الشخصية الوطنية المستقلة»، اتجهت إلى إنتاج هوية ثقافية «مُتَخَيَّلَة» تمثَّلت في «الارتباط الفنّي» بالمشرق العربي (مصر تحديداً) كتعبير عن الانتماء للفضاء القومي العربي (الذي لعب دوراً حاسماً في انتصار الثورة عن طريق مصر الناصرية)، والاهتمام بالتراث الأندلسي نصوصاً ونَوْبَات موسيقية بمختلف مدارسه (الإشبيلية، والغرناطية، والقرطبية) الذي احتضنته الجزائر كغيرها من بلدان المغرب، وأيضاً في تبنّي «الإسلام الإصلاحي» الذي جَسّدته «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» (التي زرعت أولى بذور الوهّابية في الجزائر)، خصوصاً في فترة حكم هواري بومدين الذي سلّم لشخصيات محسوبة عليها مناصب حسّاسة (وزارتا الثقافة والتعليم) في حكومته، وذلك لأسباب عديدة يضيق المجال هنا لسردها.

الثقافة الريفية الشعبية مقابل الثقافة النُخبوية العالمة
ساهمت هيمنة الرؤية الثقافية لدولة ما بعد الاستقلال في تكريس الثنائيات المُمَيِّزة للاجتماع الجزائري والمغربي ككل (ريف/مدينة، حضر/بدو، مَخْزَن/سِيبَة، التي كانت مجال بحث للسوسيولوجيا الاستعمارية)، وفي تعميق ثنائية: ثقافة شعبية ريفية/ عالمة رسمية. والتراث الشعري والموسيقي الريفي (العربي والبربري) والمعتقدات الشعبية المرتبطة بالإسلام الصوفي، التي تُجْمَع كلها في إطار الفولكلور أو «الحس المشترك» بتعبير غرامشي، هي مُقوِّمات هذه الثقافة الشعبية التي تم تهميشها في مقابل الثقافة الرسمية.
امتازت القبائل الهلالية وعلى رأسها بطون بني عامر بن زغبة (وبدرجة أقل القبائل المَعْقَلِية) التي امتدّت مواطنها من أطراف الجزائر شرقاً إلى حدود ولاية تلمسان غرباً بتراثها الشعري بِشَقّيه الشفهي والمكتوب، أو ما يُسمّى الشعر الملحون الذي عبّر من خلاله «أسلافنا» عن «وعيهم الجَمْعي (معتقداتهم وأساطيرهم وخرافاتهم وأمثالهم الشعبية وعلاقاتهم مع الدول التي حكمت المنطقة). وتَغَنّى «شيوخ الملحون» بتلك القصائد اعتماداً فقط على آلةٍ إيقاعية هي «الڤَلّال» أو «البندير»، وعلى آلة نفخٍ هوائية تشبه الناي تُسمّى «القَصْبة». عندما تشكّلت «إِيَالة الجزائر» على «أنقاض» السلالات البربرية الزٍّيانية والحفصية التي تقاسمت تركة الإمبراطورية المُوحِّدية في المغرب الأوسط، ووقفت عاجزة أمام الأطماع الإسبانية (التي أنهت آخر وجود إسلامي في غرناطة سنة 1492)، انقسمت هذه القبائل حسب طبيعة علاقتها مع النظام المركزي الجديد في الجزائر، الذي أرسى قواعده الأخَوان عرّوج وخير الدين بربروس، إلى «قبائل مَخْزَن» موالية نحصر دورها، بالإضافة إلى المشاركة في القتال، في جباية الضرائب من «قبائل الرَعِيَّة»، فيما نأت بعضها بنفسها وانعزلت في مواطن بعيدة (بلاد السِّيبَة) وتحالفت أخرى مع الإسبان.
أما المُهَجَّرون الأندلسيون الذين أنقذ الجزائريون أعداداً كبيرة منهم من مجازر «حروب الاسترداد»، فسكنوا المدن (تلمسان، الجزائر، قسنطينة، ميلة... الخ)، أو اِخْتَطُّوا حواضر جديدة بما يُلائم نمط عيشهم ليُشكِّلوا مع «الكَرَاغِلَة» (فئة اجتماعية ناتجة عن الزواج المختلط بين العثمانيين والجزائريات) الفئة الاجتماعية الأكثر «مَدِينِيّة»، وقد حافظت على التراث الغنائي الأندلسي الذي أصبح منذ ذلك العهد رديفاً «للتحضّر» والنخبوية.
مع سقوط الجزائر في يد الاستعمار الفرنسي سنة 1830، لجأ إلى تفكيك منْهَجي للبُنى الاجتماعية التقليدية التي وقفت في وجه توسّعه، وعلى رأسها القبيلة، بقوانين عقارية (قانون 1863 الذي أصدره مجلس الشيوخ الفرنسي نموذجاً) تُصادر أراضيها (الملكية العقارية للقبيلة تُسمى «أراضي العرش»)، أو تُرسِّم حدودها وتُعيد توزيعها، ما أدّى إلى تفقير وتشتيت أبناء الأرياف وتهجيرهم من أراضيهم للعمل في مزارع المستوطنين بعد أن كانوا مُلاّكاً، أو للعيش على هامش المدن التي «عمّرها» الأوروبيون بأعداد كبيرة حتى أصبحوا يُشكِّلون الغالبية (إسبانية وفرنسية) في مدينةٍ كوهران التي سكن أحياءها الهامشية ضحايا عملية «الاجتثاث من الجذور le déracinement»، كما أسماها بيير بورديو (الذي شكّل الريف الجزائري المجال الأساس لبحوثه السوسيولوجية)، وعبد المالك صيّاد، في كتابهما «الاجتثاث: أزمة الزراعة التقليدية في الجزائر». رغم ذلك بقي هؤلاء المُهمّشون يُحافظون على ثقافتهم الشعبية البدوية والريفية ومن ضمنها شعرهم الملحون (الذي عبّروا به عن مشاعر الغبن والرفض للتمييز الاستعماري و«الحضري» ضدهم) ونمطهم الغنائي التقليدي حتى وإن خضع أحياناً للتأثير الأوروبي والإسباني خاصّة (كإدخال آلات الاكورديون والكمان).

تهيئة الأرضية لانتشار فيروس الوهابية، وَصْفة ناجعة للحرب الأهلية في أي مجتمع عربي


ورغم ميل الكثير من المهتمين بحقل الاجتماع الجزائري في الفترة الاستعمارية إلى دراسة المجتمع من ثنائية الأهالي المسلمين/المستوطنين الأوروبيين، فإن سمير أمين أشار في كتابه «اقتصاد المغرب» (لكن من وجهة نظر اقتصادية وليس سوسيولوجية) إلى وجود اختلاف ضمن الفئات الاجتماعية المسلمة نفسها، فتحدّث عن وجود «طبقة ريفية مسلمة» مُهمَّشة، وأخرى حضرية من «المُستغلِّين الأثرياء»، هذه الفئة «البرجوازية» الأخيرة هي التي منحت لثقافتها ولأنماطها الغنائية المُتَوارَثَة، طابعاً نُخْبوياً.

بين الشاب خالد والشاب علي بلحاج
تكرّست القطيعة بين الثقافة الرسمية النخبوية في تجلّيها الغنائي والموسيقي، وبين الفولكلور والموسيقى الريفية، إلى غاية مطلع الثمانينيات حينما بدأ جيل من الشباب تحديث هذه الأنماط الغنائية التقليدية تحت مُسمّى «الرّاي»، وقد أحدثت «ثورة موسيقية» لجهة التعبير الموسيقي عن الألحان الأصلية باستعمال آلات موسيقية غربية، وإحداث تغييرات على مستوى النصوص أيضاً. ولم يَعُد هذا الجيل وريث جيل «شيوخ الملحون» من شباب «الرّاي»، وعلى رأسهم خالد حاج إبراهيم الذي أصبح يُعْرف بالشاب خالد، يُؤدي إلّا النزر اليسير من القصائد التراثية لكبار شعراء الهلاليين في الجزائر، كالأخضر بن خلوف (القرن 16م) ومصطفى بن ابراهيم (القرن 19م) وعبد القادر الخالدي (القرن 20م)، التي نُظِمَت في الغزل وفي مقاومة الإسبان والفرنسيين، أو مدح «الأولياء الصالحين» من شيوخ وأقطاب التصوف في المنطقة (هم المرجعية الأساسية للإسلام الشعبي الجزائري)، بل بدأ الميل إلى أداء نصوصٍ تتغنّى بالحب وبالتحرر من قيود كل سلطة اجتماعية أو سياسية أو دينية.
تشكّلت فئة شبابية عريضة في الأحياء الشعبية للمدن وجدت في أغاني «الرّاي» تعبيراً عن معاناتها وخيباتها، وشهدت هذه الفترة انطلاق «إصلاحات اقتصادية» (على الطريقة السّاداتية) قادها الشاذلي بن جديد، وكانت فعلياً مرحلة انقلاب على المشروع التنموي لبومدين، ولم تتميز فحسب بتفكيك التصنيع، وتشجيع الاستيراد، وإضعاف القطاع العام بإعادة هيكلة مؤسساته، وإنما بالعمل على تغيير سلوك ونمط عيش الجزائريين وطريقة تفكيرهم. تزامن هذا التوجه الليبرالي مع تشجيع ملموس للحركات الإسلامية بمختلف تياراتها، وإبعاد أو تدجين كل الرّافضين للتوجُّهات الجديدة (من اليساريين والمُؤمنين بالطابع الاجتماعي للدولة) في قلب الحزب الحاكم والنظام السياسي، ما أحدث تحولات اجتماعية وثقافية كبرى في المجتمع الجزائري بعد عشرين سنة من تشكّل الدولة الوطنية المستقلة.
في هذه الأثناء، بزغ اسم شاب آخر تميّز هو الآخر عن «شيوخ» الإسلام السياسي بخطابٍ وهابي راديكالي ذي صبغة شعبويةٍ احتجاجية هو علي بلحاج الذي بدأت أشرطته السّمعية في فترةٍ قياسيةٍ (ليُصبح فيما بعد رسمياً الرجل الثاني في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» لكنه المُحرِّك الفعلي لجماهيرها العريضة) تُزاحم أشرطة الشاب خالد وغيره من مُغني «الرّاي» وتُنافسها على استقطاب الشباب الجزائري الذي وجد نفسه أمام نموذجين متناقضين للحياة.
وجد القائمون على توجيه السياسة الثقافية في البلاد آنذاك في نصوص «الرّاي» المُتمرِّدة (وموسيقاه الرّاقصة) ما يدعم توجّههم الجديد في محاولة لتوظيفها لتشجيع «النزعة الفردانية» المُلائمة «لإصلاحاتهم» الليبرالية من جهة، والتمرد على «القيم الصّارمة» التي فرضها «المشروع البُومَدْيَني» وعلى هيمنة ثقافةٍ ذات هوى مشرقيّ أو نخبويّ «حضري» من جهة أخرى، فقرّروا احتواءه ودعمه في منتصف الثمانينيات، وهي المرحلة التي استكملت فيها «ثورة الرّاي» هيمنتها على المشهد الغنائي الجزائري، وبدأت تغزو بلدان المغرب المجاورة، ولم تصل إلى المشرق إلا بعد انتشارها في أوروبا والعالم في بداية التسعينيات.
«الرّاي» في مواجهة رعب الوهّابية المسلحة
انتهاج سياسات نيوليبرالية تُؤدّي إلى إفقار وتهميش فئات اجتماعية واسعة، ثم تهيئة الأرضية لانتشار فيروس الوهابية، وَصْفة ناجعة للحرب الأهلية في أي مجتمع عربي في المشرق أو المغرب، وهذا ما حدث في جزائر التسعينيات، فقد قرّرت التيارات التي كانت مُنضوية تحت إطار «الجبهة الاسلامية للإنقاذ» بعد وقف الانتخابات التي فازت بها بأغلبية ساحقة سنة 1992 تجسيد خطابها السياسي والديني المتشدد بالانتقال إلى مرحلة «الجهاد» في الجبال والغابات، فشنّت حرباً شاملة على مؤسسات الدولة الأمنية وحملة إبادة بالمعنى الفعلي للكلمة ضد كل من وقف مع ما يُسمّى «توقيف المسار الديموقراطي والانتخابي في الجزائر» من مثقفين وعلماء اجتماع، وعلماء نفس، وأدباء، ومسرحيين... ولكن أيضاً من مُغني «الرّاي» (الشاب عزيز، رشيد، فتحي...) كان أبرزهم الشاب حسني الذي تَصَدَّر هذا النمط الغنائي بعد هجرة الجيل الأول إلى أوروبا.
شكّل «الرّاي» (وجمهوره) ظاهرة اجتماعية استطاعت أن تُبرز جوانب من الثقافة الشعبية الجزائرية التي عكست تاريخ المجتمع (قصائد الشعر الملحون التي تفتخر بالمعارك التي خِيضَت في مواجهة الحملات الصليبية على البلاد ابتداءً من القرن 16م) وعاداته و«إسلامه» (كانت القصائد التي أدّى الشاب خالد في بعض مقاطعها مدحاً لـ«أقطاب التصوف وأولياء الله الصالحين» وطلب المدد منهم، مثل أغنية «عبد القادر» التي خلّدها التراث الشعبي الصوفي في التوسل بدفين بغداد عبد القادر الجيلاني، وهي قد أثارت سخط شيوخ الوهّابية فيستحضرون فتاواهم في تكفير «أهل الشرك» من «القُبوريّين»)، وأن تُرسِّخ التناقض الكبير مع مشروع «وهْبنة» المجتمع المُنْطَلِق منذ بداية الثمانينيات (بعد أن وجد أرضية ملائمة هيَّئَتْها «الحركة الإصلاحية» في الثلاثينيات) الذي هُزم جناحه المُسلح على يد أبناء الأرياف في «العشرية السوداء»، وذلك بعد أن خاضوا ضده حرباً قاسية (بمستوياتٍ عاليةٍ من العنف قد لا يأتي اليوم الذي تُسرد فيه كل تفاصيله) في أقسى مراحل رعبه وتوحشه.
* كاتب جزائري