ترافق وصول إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة في فرنسا مع تحوُّلات أساسية على صعيد المشهد السياسي، والمجتمع عموماً. فالثنائية التي كانت قائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بين اليمين واليسار تراجعت لمصلحة استقطاب وحيد يقوده «حزب الرئيس» الذي لا يمثّل قطاعات اجتماعية فعلية، ولا يعبِّر إذا قُيِّض له تمثيل بعضها عن تقاليد سياسية في الحفاظ على استقرار المجتمع ووحدة صراع الأضداد داخله. الضوابط التي تحقق مثل هذا الاستقرار تشهد تآكلاً متزايداً، ولا يوجد في ظلّ انهيار المشهد السياسي عقب الانتخابات الأخيرة ما يضمن عدم انتقال الصراع الاجتماعي إلى خارج المؤسّسات المنتخبة، سواء عبر الإضرابات التي بدأت بالفعل، أو من خلال أشكال أخرى من العنف السياسي أو الاجتماعي.


رمزية الإضرابات الحالية
الإضرابات التي بدأت في مطلع هذا الشهر تراجعت قليلاً، ولكنها مستمرّة حتى أواخر حزيران المقبل وفقاً للبرنامج الذي وضعته النقابات، وجرى تنسيقه مع القطاعات الأخرى التي انضمّت إلى الاحتجاجات (الطلّاب، موظّفو الخدمة المدنية، عمّال المطارات... إلخ) بهدف توسيع قاعدته الاجتماعية، وضمان استمرار فاعليته حتى بعد الحصول على المطالب الرئيسية. هذه المرّة الاحتجاجات كانت أوسع، لأنّ الحكومة التي تريد فرض الإصلاحات النيوليبرالية على قطاعات النقل وسواها لا توجد لديها مكابح كتلك التي منعت حكومات سابقة من إنفاذها، ولأنَّ المعارضة السياسية التي كان قد تلقاها في البرلمان بغرفتيه أصبحت شبه معدومة. الإصلاحات بهذا المعنى هي استكمال لإخضاع قطاعات المجتمع التي لم تستسلم بعد أمام زحف الموجة النيوليبرالية التي يقودها ماكرون، والتي تختلف عن سواها من الموجات السابقة بالافتقار إلى الكوابح السياسية والاجتماعية، لكونها لا تمثّل قطاعات اجتماعية أساسية، ولا يوجد بسبب هذا التمثيل المحدود تقاطعات تجمعها مع أحزاب أو نقابات معنيّة بالحفاظ على مكتسبات فئات أساسية وكبيرة من المجتمع الفرنسي. إدراك النقابات المشارِكة في تنظيم الإضراب لذلك دفعها إلى تمديده، بحيث لا ينحصر في يوم أو يومين ثم ينتهي الأمر، بل يستمرّ على مدى شهرين أو ثلاثة، وتكون فعالياته أسبوعية، لضمان عدم حدوث شلل في البلاد، والحفاظ على وتيرة تسمح لقطاعات متزايدة بالانخراط فيه، على قاعدة التقاطع مع المطالب التي ترفعها نقابة عمّال سكك الحديد. وخصوصاً أنَّ طبيعة المطالب لا تنحصر بمصلحة سكك الحديد وحدها (الشركة الوطنية لسكك الحديد sncf)، إذ إنّ الخصخصة التي تدعو إليها الحكومة هي بمثابة نهج لن يتوقف عند حدّ، وسيشمل اذا لم يلقَ معارَضة كافية جميع القطاعات التي يرى ماكرون أنها تمثل عبئاً يجب التخلُّص منه. لو كان ثمّة معارضة سياسية لهذا النهج النيوليبرالي من داخل المؤسّسات لانتهت هذه الحلقة من الإضرابات بمجرّد تحقيق مطالبها، ولكنها هذه المرّة وبسبب انهيار الأحزاب والافتقار إلى معارَضة سياسية جدية تجد نفسها في موقع من يقود المعارَضة الفعلية لسياسات ماكرون الاقتصادية الخاصّة بتصفية القطاع العام والحدّ من الإنفاق الاجتماعي.

سياق صعود «الماكرونية»
قبل حدوث الإضرابات الأخيرة كان ثمّة مؤشرات على حدوث صدع كبير داخل المجتمع الفرنسي. انهيار التقليد السياسي المتمثّل بصراع الحزبين ليس المؤشّر الوحيد، بل ثمّة سياق أبعد عبَّرت عنه طبيعة صعود الرئيس الحالي إلى السلطة. كادر هامشي في الحزب الاشتراكي يستطيع بفعل التحوُّلات الكبيرة داخل الحزب وانعطافه المتزايد نحو اليمين كسب ثقة الرئيس السابق فرانسوا هولاند، فيسلِّمه حقيبة المال، ثمّ بعد جملة الاقتراحات النيوليبرالية التي وضعها أثناء عمله في الوزارة لتشكِّل منهجاً مستقبلياً في كيفية تطبيقها للإصلاحات الاقتصادية يستقيل من عمله، ويتفرّغ للنشاط السياسي الذي قاده مدعوماً من جهات نافذة اقتصادية وسياسية إلى الرئاسة. ولكن، قبل وصوله إليها بقليل، وبُعَيد الانتخابات الرئاسية الأخيرة كان ثمّة سجال سياسي حادّ داخل المؤسّسات المنتخبة حول قرار حكومة مانويل فالس بتعديل شروط قانون العمل، وكانت الاحتجاجات على محاولة فرضه عبر تجاهل المادة التي تطرحه على التصويت قائمة وكبيرة خارج غرفتي المجلس. النقابات هي التي كانت تقود الاحتجاجات حينها، ولكنها كانت تفعل ذلك بالاستناد إلى المعارضة التي يَلقاها فالس داخل البرلمان، حيث يُعَدّ نشاطها امتداداً لمعارضة السياسات من الداخل، على اعتبار أنها تحظى بتمثيل يسمح بالحفاظ على مكتسباتها، ومن دون الحاجة إلى القيام بما تقوم به الأحزاب عادةً. القانون فُرِضَ لاحقاً بسبب اعتماد المادّة التي تسمح بعدم طرحه على التصويت العامّ، ولكن الهزيمة التي لَحِقت باليسار والنقابات وقطاعات واسعة من المجتمع جرّاء فرضه كانت قد تحقّقت مسبقاً. إقدام الحكومة التي ترأسَّها فالس على فرضه أتى بالتزامن مع الاقتراحات التي تقدّمت بها وزارة المال حين كان ماكرون على رأسها. بعد استقالة ماكرون من الوزارة تبنّت حكومة فالس هذه الإصلاحات بحذافيرها، وكان التوجُّه العام داخل الحزب الاشتراكي وقتها يسمح بتمرير اقتراحات كهذه لكونها تتماشى مع انزياحه المستمرّ نحو اليمين. وصول الاقتراح إلى البرلمان ترافَقَ بالإضافة إلى ذلك مع اختلال كبير في موازين القوى داخله لمصلحة اليمين بعد انضمام الحزب الاشتراكي بقيادة فالس إلى الكتلة اليمينية في تمثيل المصالح الرأسمالية، فلم يبقَ ثمّة سياق للاعتراض سوى عبر الكتلة اليسارية التي يمثلها جان لوك ميلانشون، والتي لم تكن تحظى حينها بتأثير مماثل لتأثيرها الحالي. هذا الاصطفاف الذي سمح بإمرار قانون العمل حين لم تكن «الماكرونية» قد هيمنت بعد، هو نفسه الذي أفضى إلى هزيمة اليمين التقليدي في الانتخابات أمام ماكرون، وهو الذي أضعف بالإضافة إلى ذلك الحزب الاشتراكي إلى حدّ الانهيار. هزيمة الحزبين الكبيرين أمام ماكرون بعد تجويفهما من الداخل وانفضاض قطاعات أساسية من المجتمع عنهما أعادت تشكيل المسرح السياسي، بحيث لا تُترَك أيّ ضوابط داخل المؤسّسات تعوق عمل الكتلة البيروقراطية غير الحزبية والمحدودة التمثيل التي يقودها ماكرون ومن معه من ممثّلين لمصالح الرأسمال الكبير. لكن نقطة الضعف في هذه السياسة أنها قيَّدت أنماط الاعتراض المحدودة المتمثِّلة بالأحزاب لمصلحة أخرى لا يمكن بسهولة السيطرة عليها أو هزيمتها، وهو ما سيقود إلى مواجهة كبيرة ليست الإضرابات سوى التعبير الرمزي والأقلَّ عنفاً وتمثيلاً عنها.

خاتمة
ما ينتظر فرنسا، على الأرجح، انفجار اجتماعي كبير، وهذه المرّة لن يكون ثمّة تعويل على الاحتكام إلى المؤسسات المُنتَخبة، لأنّ نمط التمثيل داخلها أصبح محدوداً، وإنّ من يملك كتلة اعتراضية فيها لا يستطيع ترجمة اعتراضه إلى واقع ملموس بسبب افتقاره إلى التراكم والتقليد السياسيين (اليمين واليسار الراديكاليان). هذا سيقود فضلاً عن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية إلى أزمة حكم، حيث يوجد «حزب واحد» يحكم من دون صفة تمثيلية فعلية، والبرنامج الاقتصادي المتطرّف الذي يريد تنفيذه يهدّد بحصول انهيار داخل الدولة وقطّاعات أساسية في المجتمع. وفي المقابل ليس ثمّة معارَضة له إلا من داخل النقابات التي أضعفَتْها الإصلاحات الاقتصادية للحكومات السابقة، ومع ذك تحاول حالياً عبر استراتيجية توسيع نطاق الإضرابات تنظيم معارَضة واسعة لماكرون، على أمل حصول تضافر اجتماعي كبير من حولها، يقود إلى ثنيه عن مسعاه النيوليبرالي لتفكيك القطاعات التي حافظت عبر عقود على الطابع الاجتماعي للدولة الفرنسية. لكن إذا فشلت في ذلك فلن يكون ثمّة بديل من الفوضى، وهي على أيّ حال المآل الوحيد لوصول أمثال ماكرون إلى الرئاسة.
* كاتب سوري