عقب هزيمة المعسكر الشيوعي في مطلع تسعينيات القرن الماضي وقيام الرئيس الروسي وصحبه في بيلاروسيا وأوكرانيا بتفكيك الاتحاد السوفياتي، ظهرت بدعة مطالبة بعض الأطراف بالاعتذار عن أفعال قامت بها تاريخياً. فعلى سبيل المثال، طالبت قوى كردية العرب بالاعتذار عن سياساتها تجاه الكرد! هنا لا بد من إضافة القول إن العرب كانوا ضحايا السياسات الاستعمارية البريطانية والفرنسية (والإيطالية، إلى حد ما) في المنطقة عقب الحرب العالمية الأولى، والتي تقاسمت منطقة شرق البحر المتوسط وجنوبه وأسست دولاً وفق الاتفاقيات فيما بينها (هذا لا يعني تبرئة القوى الشوفينية العربية من مسؤوليتها الأخلاقية، والمادية أيضاً). العجيب أن تلك القوى الكردية نفسها لم تطالب بريطانيا وفرنسا بالاعتذار عما اقترفته من جرائم في المنطقة وفي مناطق مختلفة من العالم (بالمناسبة، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون اعترف علانية في مقابلة متلفزة، عندما كان ما زال يحتفظ بمنصبه، بأن بلاده مسؤولة مباشرة عن كثير من مشاكل العالم وأزماته - هو اعترف بالمسؤولية العامة، لكنه لم يعتذر).

لكن ماذا يعني الاعتذار السياسي!
في أثناء دراستي في المملكة المتحدة، كان علينا زيارة المحاكم كجزء من منهج القانون تطبيقياً، وكان القانون العام والتجاري جزءاً من ذلك. أذكر أن بعض الجلسات كانت مخصصة لمحاكمة جرائم صغيرة، وأغلبها كان متصلاً بتعاطي المخدرات «الخفيفة» ومنها القنب (cannabis)؛ الحقيقة هي أن ذلك المخدر كان متداولاً بين الطلاب أكثر من السجائر! على أي حال، كان تعاطيه وتبادله والإتجار به ممنوعاً وجريمة يعاقب عليها القانون، والأمر ما زال على حاله إلى يومنا هذا. كنا نرى وقوف المتهم ليعترف بالتهمة ويقدم اعتذاره عن ارتكابها ويرجو من القاضي التهاون في الحكم. وفي الوقت نفسه، كان المتهم يعترف بارتكابه جريمة تعاطي المخدرات في حالات أخرى لم يكن الادعاء على علم بها، ويذكر المكان والزمان. ذلك الاعتراف كان جزءاً لا يتجزأ من الاعتذار حيث يبدي المتهم حسن نية وصدق اعتذاره وجديته (القاضي لم يكن يكترث للحالات الأخرى التي اعترف المتهم بها، وكان يصدر حكماً مخففاً مع وقف التنفيذ).
المسألة هنا هي أن اعتراف المتهم بالجريمة الموجهة إليه وبجرائم أخرى تنتمي إلى الحالة نفسها، كان مرتبطاً على نحو وثيق بالاعتذار. فلا معنى للاعتذار إذا لم يكن مرتبطاً بحسن النوايا.
وهذا يأخذنا إلى أحدث حالات هبل قيادات رام الله المليشياوية، عندما طالبت صديقتها بريطانيا بالاعتذار عن إصدار ما يسمى «وعد بلفور». ردّ لندن كان صفعة جديدة على سحنة زعامات ميليشيا رام الله، حيث أعلنت عن تمسكها به بل حتى المفاخرة به، وهذا ما هو متوقع من حكومة استعمارية ارتكبت مختلف الجرائم وأكثرها وحشية وخسّة بحق الشعوب المستعمَرة.
لا ندري من هو «عبقري المقاطعة» صاحب مطالبة لندن بالاعتذار. فاعتذار الأخيرة عن جرائمها بحق الشعب الفلسطيني تحديداً، يعني في الوقت نفسه التزاماً علنياً وقانونياً بكشف كافة تفاصيل تآمرها، وتغيير كيفية إيراد الحدث في كتب التاريخ وفي المناهج المدرسية، وغير ذلك الكثير.
لنذهب أبعد من ذلك، زعامات رام الله المليشياوية المستسلمة، فرض الغرب عليها إظهار حسن نواياها تجاه العدو الصهيوني، وتراجعها الكامل عن حقوق شعبنا الوطنية، وأن تقوم بتغيير المناهج الوطنية وكتب التاريخ في مؤسساتها، وبالتعاون الأمني مع استخبارات العدو وملاحقة كل القوى الوطنية المعارضة لسياسات الاستسلام والانبطاح والتخلص منها، إضافة إلى وقف رواتب الأسرى في سجون العدو وعائلات الشهداء وملاحقة ذويهم.
فما دامت زعامات رام الله تخلّت علانية عن حقوقنا الوطنية، وعرّت نفسها حتى من ورق التوت كما يقال، فإنها جردت نفسها من صفة القيادة الوطنية ولا يحق لها التحدث باسم شعبنا.
الخدمة المفيدة الوحيدة التي بإمكان تلك الزعامات تقديمها لشعبنا ولقضيتنا الوطنية، هي الاعتذار عمّا ارتكبته من جرائم بحقنا وبحق قضيتنا والاستقالة، ومنح شعب المقهور حق اختيار ممثليه الحقيقيين.