دفع الإعلان عن اتفاق بين طهران ومجموعة 5+1 بشأن برنامج إيران النووي الدول الخليجية لرفع الصوت والمطالبة بحجز مقعد لها على طاولة المفاوضات في المستقبل. وكان واضحاً أنّ هذا الاتفاق شكّل صدمة مباشرة لدول الخليج وخلق هواجس من أن يكون على حساب الأنظمة الخليجية، خصوصاً في ظل التقارب السريع الحاصل بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. ولعل دعوة رئيس الاستخبارات السعودي الأسبق تركي الفيصل ووزير الخارجية القطري خالد العطية خلال منتدى الأمن الإقليمي الذي عقد في المنامة مؤخراً، بعدم اقتصار المفاوضات على الجانب الإيراني، تعبّر عن مدى شعور هؤلاء بالعزلة في ظل تعاظم الدور الإيراني في المنطقة ومحوريته على مستوى الملفات الاقليمية والدولية، وإحساس سعودي ــ خليجي بالفشل والإحباط من عدم القدرة على لعب دور فاعل في ما يجري في المنطقة العربية.


وتطرح المطالبة الخليجية اليائسة بالحضور على المسرح الدولي من باب مفاوضات جنيف مجموعة من التساؤلات حول الخلفيات والأهداف، كما تستحضر مراحل سابقة كانت تعزف فيها هذه الدول على وتر انعزالي مقيت حين كانت إيران تواجه الحصار الغربي والضغوطات الدولية لوقف عملياتها في تخصيب اليورانيوم، على الرغم من أن كل التصريحات الإيرانية كانت ولا تزال تؤكد على سلمية هذا التخصيب وأهدافه غير الحربية.
كانت طهران تؤكد دوماً أنها صمام الأمن الخليجي والمحور الأساسي في حفظ الاستقرار في المنطقة نظراً لموقعها الجيوسياسي ودورها التاريخي في صوغ الخارطة الأمنية والسياسية في الخليج. ولا ينكر العرب حقيقة أن إيران كانت سبّاقة في مد اليد للتعاون باتجاه الدول العربية بدءاً من الخليج وصولاً إلى أقصى المغرب العربي ورفدها بالخبرات والتجارب في المجال النووي، واستثمار ذلك في تحصين المناعة الوطنية والاعتماد على القدرات الذاتية بعيداً عن الارتهان للغرب، بما يمكّن دول المنطقة من امتلاك القدرات التي تؤهلها للاستقلال عن الحاجة إلى الدول الكبرى وبالتالي تحرير القرار الوطني من أي تأثير خارجي، ولكن لم يلقَ هذا السعي أي تجاوب من قبل العرب، بل سعوا إلى تقزيم الدور الإيراني من خلال الاستقواء بالأميركيين وفتح الأرض والمياه العربية لتكون متاحة أمام الجيوش وحاملات الطائرات الأميركية.
لم تكن حسابات دول الخليج صائبة حيث أنتج صلف أنظمتها قيوداً أجرتها من أي معادلة دولية، وبات من المستغرب أن تطالب هذه الدول بالحضور في المفاوضات النووية وهي لا تمتلك أدنى المقوّمات والعناصر التي تؤهلها للمشاركة، فلا هي تمتلك التقنية النووية كما تفتقر إلى الخبراء والمختصين في هذا المجال، والولايات المتحدة لم تكن ولن تكون مستعدة لتزويد هذه الدول بالخبرات اللازمة التي تؤهلها للعب هذا الدور مستقبلاً.
والأسئلة التي تطرح نفسها: ما هي ضرورة أن يشارك العرب في هذا النوع من المفاوضات؟ هل مشاركة دول الخليج ستقودها إلى الاستقلال في موقفها الوطني أم أنها ستكون مجرد عنصر تخريبي لأي اتفاق إيراني ــ غربي؟ ماذا سيقول العرب في مفاوضات لا يفقهون لغتها ولا يستطيعون فك رموز مصطلحاتها؟ ماذا يملك العرب ليعطوا في هذه المفاوضات وماذا سيأخذون منها؟ هل يملك هؤلاء استراتيجية أساساً للدخول في نادي الدول النووية أم يركنون إلى هويتهم النفطية التي تنتظر النضوب في تقادم السنين؟ وفي حال دخلت دول الخليج هذا النادي هل ستتحمّل حضور ممثلين إيرانيين في أي اجتماع تعقده الدول العربية مع الدول الكبرى لبحث الشأن النووي؟
وفي المقابل أسئلة أخرى: لو اعتبرنا أن من حق العرب أن يشاركوا في مفاوضات تشكل فيها إيران حجر الرحى، فلماذا يستبعد العرب الحضور الإيراني في الملفات العربية؟ ولماذا يسمح العرب لأنفسهم التدخل في الشؤون الإيرانية بذريعة الحفاظ على أمن الخليج ويرفضون أن تكون إيران شريكاً فاعلاً في رسم حاضر ومستقبل دول المنطقة؟ وبما أن العرب يطالبون بالمشاركة في الحضور على المسرح النووي إلى جانب إيران مع الدول الكبرى، فهذا يعني إقراراً عربياً بموقع إيران الاستراتيجي على الساحة الدولية، وعليه باتت إيران ــ كما الدول الغربية في المنظور العربي ــ قادرة على أن تكون عنصراً أساسياً في المنظومة العربية وعضواً أصيلاً في جامعة الدول العربية ولاعباً فاعلاً في القضايا العربية، ولم يعد كافياً وجودها في المحافل العربية كعضو مراقب.
أثبتت إيران منذ انتصار الثورة الإسلامية على يد الامام الخميني، وعلى اختلاف حكوماتها وصولاً إلى حكومة الشيخ حسن روحاني، أنها تعمل على خطى راسخة في الحفاظ على عناصر اقتدارها وعدم المساومة على الملفات السيادية وفي طليعتها الملف النووي، في حين أن الدول الخليجية كانت ولا تزال تعيش حال القهقرى وتراجع دورها، ولم تعد تملك سوى تأجيج نار الخلافات من البحرين إلى اليمن وسوريا ومصر وغيرها من البؤر التي تشعل أوارها سعياً إلى تغيير التوازن في المنطقة، ولكن دون جدوى.
نجحت السياسة الإيرانية ومن خلال دبلوماسية الرئيس حسن روحاني في وضع إيران في المقدّمة بموازاة الدول الكبرى، وبدأت تسلك الطريق باتجاه فرض نفسها قوة مقتدرة في المنطقة والعالم من خلال إمساكها بزمام المبادرة في المفاوضات النووية من جهة، وثباتها على مواقفها الدبلوماسية والسياسية الفعّالة من جهة ثانية، وهذه نتيجة طبيعية لأمة وضعت نصب عينيها تحقيق الاكتفاء الذاتي وتمتين الموقف وتحصيل النجاح والتفوق في شتى الميادين العلمية والفكرية والاقتصادية وغيرها من مقوّمات العزة والاقتدار، فيما دول الخليج تلهث وراء موقع وتستجدي حضوراً على طاولة مفاوضات نووية لا مكان فيها للعرب.
* اعلامي لبناني